أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63)

شرح الكلمات :

{ دعاء الرسول } : أي نداءه فلا ينادي بيا محمد ولكن بيا نبي الله ورسول الله .

{ كدعاء بعضكم بعضاً } : أي كما ينادي بعضكم بعضاً بيا عمر ويا سعيد مثلاً .

{ يتسللون منكم لواذاً } : أي ينسلون واحداً بعد واحد يستر بعضهم بعضاً حتى يخرجوا خفية .

{ أن تصيبهم فتنة } : أي زيغ في قلوبهم فيكفروا .

المعنى :

وقوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } هذا يحتمل أموراً كلها حق الأول أن يحاذر المؤمنون إغضاب رسول الله بمخالفته فإنه إن دعا عليهم هلكوا لأن دعاء الرسول لا يرد ليس هو كدعاء غيره ، والثاني أن لا يدعوا الرسول باسمه يا محمد ويا أحمد بل عليهم أن يقولوا يا نبي الله ويا رسول الله ، والثالث أن لا يغلظوا في العبارة بل عليهم أن يلينوا اللفظ ويرتققوا العبارة إكباراً وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ما تضمنه قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } .

وقوله : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لوذاً } أعلمهم تعالى أنه يعلم قطعاً أولئك المنافقين الذين يكونون في أمر جامع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر بدون أن يستأذوا متلاوذين في هروبهم من المجلس يستر بعضهم بعضاً ، وفي هذا تهديد بالغ الخطورة لأولئك المنافقين .

وقوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي أمر رسول الله وهذا عام للمؤمنين والمنافقين وإلى يوم القيامة فليحذروا أن تصيبهم فتنة وهي زيغ في قلوبهم فيموتوا كافرين ، أو يصيبهم عذاب أليم في الدنيا والعذاب ألوان وصنوف .

الهداية :

- وجوب تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحرمه إساءة الأدب معه حياً وميتاً .

- وجوب طاعة رسول الله وحرمة مخالفة أمره ونهيه .

- المتجرئ على الاستهانة بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم يُخشى عليه أن يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63)

ولما أظهرت هذه السورة بعمومها ، وهذه الآيات بخصوصها ، من شرف الرسول ما بهر العقول ، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم ، والمنصب الأتم ، وعلم منه أن له صلى الله عليه وسلم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره ، صرح بذلك تفخيماً للشأن ، وتعظيماً للمقام ، ليتأدب من ناضل عن المنافق ، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق ، فقال منبهاً على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب { لا تجعلوا } أي ايها الذين آمنوا { دعاء الرسول } أي لكم الذي يوقعه { بينكم } ولو على سبيل العموم ، في وجوب الامتثال { كدعاء بعضكم بعضاً } فإن أمره عظيم ، ومخالفته استحلالاً كفر ، ولا تجعلوا أيضاً دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم ، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله بنحو : يا ايها النبي ، ويا أيها الرسول ، مع إظهار الأدب في هيئة القول والفعل بخفض الصوت والتواضع .

ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة ، ويبطن المخالفة ، حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته ، فقال معللاً مؤكداً محققاً معلماً بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان : { قد يعلم الله } أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهو سبحانه يعلم { الذين يتسللون } وعين أهل التوبيخ بقوله : { منكم } أي يتكلفون سلَّ أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء { لواذاً } أي تسللاً مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض ؛ يقال : لاذ بالشيء لوذاً ولواذاً وملاوذة : استتر وتحصن ، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه ، ولعله أدخل " قد " على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقاً ، ويفتح لأهل الريب إلى الاحتمال طريقاً ، فإنه يكفي في الخوف من النكال طروق الاحتمال ؛ وسبب عن علمه قوله : { فليحذر } أي يوقع الحذر { الذين يخالفون } أي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين { عن أمره } أي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى خلافه { أن تصيبهم فتنة } أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحيل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة التي كانوا عليها { أو يصيبهم عذاب أليم* } في الآخرة ، وهذا يدل على أن الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف ، لترتيب العقاب على الإخلال به ، لأن التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63)

قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ( 63 ) } ذكر عن ابن عباس في تأويل هذه الآية أنهم كانوا يقولون : يا محمد ، يا أبا القاسم ، يسمونه باسمه وهو ما لا يليق بمقامه الشريف ، وقدره المعظم ( ص ) . فنهاهم الله عن ذلك تعظيما لنبيه ( ص ) وتكريما ، وأمرهم أن يقولوا يا نبي الله . يا رسول الله . على التعظيم له والتبجيل . وذلك من باب الأدب في مخاطبة رسول الله ( ص ) ، أو الكلام عنده أو معه .

وقيل : نهى المؤمنين أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم . فعليهم أن يتقوا دعاءه عليهم ؛ فإن دعاءه مستجاب . وهو ليس كدعائهم .

قوله : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) التسلل يعني الخروج خفية . واللواذ والملاوذة ، أن يلوذ هذا بذاك ، وذاك بهذا ؛ أي يتسللون عن الجماعة على سبيل الاستخفاء واستتار بعضهم ببعض . وذلك في المنافقين ؛ فقد كانوا تثقل عليهم خطبة النبي ( ص ) يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان .

وقيل : يتسللون خفية من الصف في الجهاد .

قوله : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) ( أمره ) ، معناه سبيله ومنهاجه وشرعه ؛ فقد حذر الله من مخالفة أمر رسوله بالخروج عن شريعته ومنهاجه . وقد توعّد المخالفين ( أن تصيبهم فتنة ) والفتنة يراد بها الكفر والانثناء عن سنة رسول الله ( ص ) . وقيل : الزلازل والأهوال . وقيل : يبتليهم الله بسلطان جائر يُسلّط عليهم لفسقهم ومخالفتهم عن أمر الله وأمر رسوله ( أو يصيبهم عذاب أليم ) أي في الدنيا بالقتل أو الحد .