أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} (32)

شرح الكلمات :

{ جملة واحدة } : أي كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور دفعة واحدة فلا تجزئه ولا تفريق .

{ لتثبت به فؤادك } : أي نقوي قلبك لتتحمل أعباء الرسالة وإبلاغها .

{ ورتلناه ترتيلاً } : أي أنزلناه شيئاً فشيئاً آيات بعد آيات وسورة بعد أخرى ليتيسر فهمه وحفظه .

المعنى :

قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نُزلَ عليه القرآن جملة واحدة } أي وقال المكذبون بالبعث المنكرون للنوبة المحمدية المشركون بالله آلهة من الأصنام هلا نزل عليه القرآن مرة واحدة مع بعضه بعضاً لا مفرقاً آيات وسوراً أي كما نزلت التوراة جملة واحدة والإنجيل والزبور وهذا من باب التعنت منهم والاقتراحات التي لا معنى لها إذ هذا ليس من شأنهم ولا مما يحق لهم الخوض فيه ، ولكنه الكفر والعناد . ولما كان هذا مما قد يؤلم الرسول صلى الله عليه وسلم رد تعالى عليهم بقوله { كذلك } أي أنزلناه كذلك منجماً ومفرقاً لحكمة عالية وهي تقوية قلبك وتثبيته لأنه كالغيث كلما أنزل أحيا موات الأرض وازدهرت به ونزوله مرة بعد مرة أنفع من نزول المطر دفعة واحدة . وقوله تعالى : { ورتلناه ترتيلا } أي أنزله مرتلاً أي شيئاً فشيئاً ليتيسر حفظه وفهمه والعمل به .

الهداية :

من الهداية :

- بيان الحكمة في نزول القرآن منجماً شيئاً فشيئاً مفرقاً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا} (32)

ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن ، وقرر عداوتهم له ونصرته عليهم ، أتبع ذلك بما يدل عليه ، فقال عطفاً على ما مضى من الأشباه في الشبه ، وأظهر موضع الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي حملهم على هذا القول : { وقال الذين كفروا } أي غطوا عداوة وحسداً ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام لإعجازه لهم متفرقاً ، فضلاً عن كونه مجتمعاً ، وغطوا ما وضح لهم من آثاره الظاهرة الشاهدة بوحدانيته ، وغير ذلك من صفاته العلية : { لولا } أي هلا .

ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلاً فضلاً عن أن يسندوا إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى ، بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي أوردها قولهم : { نُزِّل عليه } ولما عبروا بصيغة التفعيل المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلاباً للسامع لئلا يعرض عنهم ، أشاروا إلى أن ذلك غير مراد فقالوا : { القرآن } أي المقتضي اسمه للجمع ؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم : { جملة } وأكدوا بقولهم : { واحدة } أي من أوله إلى آخره بمرة ، ليتحقق أنه من عند الله ، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلاً قليلاً ، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم ، فإنهم أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده ، ثم أزالوا بالتدريج أتم إزالة ، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمّل من المقاربة ما لم يكن في " أنزل " والله أعلم .

ولما كان التقدير : وما له ينزل عليه مفرقاً ، وكان للتفريق فوائد جليلة ، أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبراً للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد : { كذلك } أي أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه { لنثبت به فؤادك } بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك ، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني ، وتخفيفاً للأحكام ، في تحميلها أهل الإسلام ، بالتدريج على حسب المصالح ، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ ، لما رتب فيه من المصالح ، وتسهيلاً للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب ، وتلقيناً للأجوبة في أوقاتها ، وتعظيماً للإعجاز ، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى ، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة ، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن ، وقلة الحيلة ، وحرج الخطيرة ، دأب المقطوع المبهوت ، لأن المدار الإعجاز ، وأما كونه جملة أو مفرقاً فأمر لا فائدة لهم فيه ، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية ، لأن نزولها إنما كان منجماً كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص كتابنا ، لا كما يتوهمه كثير من الناس ، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة ، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق .

ولما كان إنزاله مفرقاً أحسن ، أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به " كذلك " { ورتلناه ترتيلاً* } أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة ؛ وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : بيناه بياناً ، والترتيل : التبين في ترسل وتثبت . انتهى . وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان .