أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

شرح الكلمات :

{ الضر } : المرض وكل ما يضر في جسمه ، أو ماله أو ولده .

{ مر كأن لم يدعنا } : مضى في كفره وباطله كأن لم يكن ذاك الذي دعا بكشف ضره .

{ كذلك زين } : مثل ذلك النسيان بسرعة لما كان يدعو لكشفه ، زين للمسرفين إسرافهم في الظلم والشر .

المعنى :

أما الآية الثانية ( 12 ) فقد تضمنت بيان حقيقة وهي أن الإِنسان الذي يعيش في ظلمة الكفر ولم يستنر بنور الإِيمان إذا مسه الضر وهو المرض والفقر وكل ما يضر دعا ربه على الفور لجنبه أو قاعداً أو قائماً يا رباه يا رباه فإذا استجاب الله له وكشف ما به من ضر مرَّ كأن لم يكن مرض ولا دعا واستجيب له واستمر في كفره وظلمه وغيِّه . وقوله تعالى { كذلك زُين للمسرفين ما كانوا يعملون } أي كما أن الإِنسان الكافر سرعان ما ينسى ربه الذي دعاه ففرج ما به كذلك حال المسرفين في الظلم والشر فإنهم يرون ما هم عليه هو العدل والخير ولذا يستمرون في ظلمهم وشرهم وفسادهم . هذا ما دل عليه قوله تعالى { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } .

الهداية

- بيان أن الإِنسان الكافر يعرف الله عند الشدة ويدعوه ويضرع إليه فإذا نجاه عاد إلى الكفر به كأن لم يكن يعرفه .

- استمرار المشركين على إسرافهم في الكفر والشر والفساد مُزين لهم حسب سنة الله تعالى فمثلهم مثل الكافر يدعو عند الشدة وينسى عند الفرج .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (12)

قوله تعالى : " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه " قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر ، قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك ، تصيبه البأساء والشدة{[8442]} والجهد . " دعانا لجنبه " أي على جنبه مضطجعا . " أو قاعدا أو قائما " وإنما أراد جميع حالاته ؛ لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاثة . قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر ، فهو يدعو أكثر ، واجتهاده أشد ، ثم القاعد ثم القائم . " فلما كشفنا عنه ضره مر " أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ .

قلت : وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه من المعاصي ، فالآية تعم الكافر وغيره . " كأن لم يدعنا " قال الأخفش : هي " كأن " الثقيلة خففت ، والمعنى كأنه وأنشد :

وي كأنْ من يكن له نشب يُحْ *** بب ومن يفتقر يعش عيش ضر{[8443]}

" كذلك " أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عن الرخاء . " زين للمسرفين " أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي . وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر .


[8442]:في ع: الضراء.
[8443]:البيت لزيد بن عمر بن نفيل: فراجعه في خزانة الأدب في الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة.