أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ} (37)

شرح الكلمات :

{ من ذريتي } : أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر .

{ بواد غير ذي زرع } : أي مكة إذ لا مزارع فيها ولا حولها يومئذ .

{ تهوي إليه م } : تحن إليه م وتميل رغبة في الحج والعمرة .

المعنى :

وقوله : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي ) أي من بعض ذريتي وهو إسماعيل مع أمه هاجر ( بواد غير ذي زرع ) هو مكة إذ ليس فيها ولا حولها زراعة يومئذ وإلى آماد بعيدة وأزمنة عديدة ( عند بيتك المحرم ) قال هذا بإعلام من الله تعالى له أنه سيكون له بيت في هذا الوادي ومعنى المحرم أي الحرام وقد حرمته تعالى فمكة حرام إلى يوم القيامة لا يصاد صيدها ولا يختلي خلاها ولا تسفك فيها دماء ولا يحل فيها قتال ، وقوله : ( ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ) هذا دعاء بأن ييسر الله تعالى عيش سكان مكة ليعبدوا الله تعالى فيها بإقام الصلاة ، فإن قلوب بعض الناس عندما تهفوا إلى مكة وتميل إلى الحج والعمرة تكون سبباً في نقل الأرزاق والخيرات إلى مكة ، وقوله : ( وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) دعاء آخر بأن يرزق الله بنيه من الثمرات ليشكروا الله تعالى على ذلك فوجود الأرزاق والثمرات موجبة للشكر ، إذ النعم تقتضي شكراً .

الهداية :

من الهداية :

- أهمية إقام الصلاة وأن من لم يرد أن يصلي لا حق له في الغذاء ولذا يعدم أن أصر على ترك الصلاة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ} (37)

{ 37 } { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ }

وذلك أنه أتى ب " هاجر " أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو في الرضاع ، من الشام حتى وضعهما في مكة وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن ، ولا داع ولا مجيب ، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء فقال -متضرعا متوكلا على ربه : { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } أي : لا كل ذريتي لأن إسحاق في الشام وباقي بنيه كذلك وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته ، وقوله : { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } أي : لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة .

{ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة } أي : اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية فمن أقامها كان مقيما لدينه ، { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ } أي : تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه .

فأجاب الله دعاءه فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا صلى الله عليه وسلم حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي وإلى ملة أبيهم إبراهيم فاستجابوا له وصاروا مقيمي الصلاة .

وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب ، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام ، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه ، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة .

{ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } فأجاب الله دعاءه ، فصار يجبي إليه ثمرات كل شيء ، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت والثمار فيها متوفرة والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ} (37)

قوله تعالى : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك الحرام ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ( 37 ) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ( 38 ) } مفعول ( أسكنت ) محذوف وتقديره : أسكنت ناسا من ذريتي بواد{[2410]} . كرر إبراهيم النداء الخاشع المتذلل إلى ربه رغبة في الاستجابة وميلا للالتجاء إلى جناب الله العظيم فقال : ( إني أسكنت من ذريتي ) من السكنى ، ويعنى اتخاذ المأوى للإقامة فيه ( من ذريتي ) أي بعض ذريتي . والمراد بهم هنا إسماعيل وأمه هاجر ؛ فقد أسكنهم إبراهيم ( بواد غير ذي زرع ) وهو وادي مكة ؛ إذ لم يكن فيه عندئذ زرع ولا نبات لانعدام الماء ( عند بيتك المحرم ) أضاف البيت إلى نفسه سبحانه ؛ لأنه مالكه وليس من مالك له غيره . ووصفه بالمحرم ؛ لأنه مُنع منه الطوفان إذ حرم عليه ، وقيل : لأنه لم يزل عزيزا منيعا تهابه الجبابرة فلا يمسونه بسوء . وقيل : لأنه حُرم فيه ما لم يحرم في غيره من البيوت كالجماع والصيد والقتل . وسماه بيتا باعتبار ما كان ؛ فإنه كان مبنيا من قبل . وقيل : باعتبار ما سيكون ؛ لأنه كان من المعلوم أنه سوف يبنيه .

قوله : ( ربنا ليقيموا الصلاة ) أي أسكنتهم بهذا الوادي البلقع القفر الذي يخلوا من أسباب الرزق والمعاش ( ليقيموا الصلاة ) وذلك عند بيتك المحرم البيت المبارك الذي شرفه الله تشريفا وفضله على سائر البيوت في الأرض . وقد ذكر جنس الصلاة من بين العبادات والطاعات تعظيما لشأن الصلاة خاصة ، وإظهارا لأهميتها المميزة البالغة التي تعلو على كل الشعائر والطاعات ، وتفوق سائر العبادات جلالة وأهمية . وفي قوله : ( ليقيموا ) بضمير الجمع ، ما يدل على أن الله قد أعلم إبراهيم بأن ولده إسماعيل سيكون له هنالك عقب ونسل يقيمون الصلاة في هذا المكان المبارك المقدس .

قوله : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) الأفئدة القلوب ، جمع فؤاد . وهو من التفؤّد بوزن التفعل ؛ أي التوقد والتحرق . فأدتُ اللحم أي شويته . وافتأدوا أي أوقدوا نارا . ولحم مفتئد أي مشوي{[2411]} وقوله : ( من ) للتبعيض ؛ أي اجعل أفئدة من أفئدة الناس تحنّ وتهفو إليهم وتسرع شوقا وودادا إليهم .

كذلك كان تقدير الله ، وهو أن يدعو إبراهيم ربه أن يجعل فريقا من الناس- وليس كل الناس- تهفو قلوبهم وتميل شوقا لمكة . وقيل : لو قال عليه السلام : أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم والناس جميعا سواء فيهم اليهود والنصارى . قوله : ( وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) وهذه مسألة أخرى من إبراهيم يتضرع بها إلى ربه أن يرزق ذريته في مكة من خيرات البلاد ، وأرزاق يسوقها الناس والعباد ، كأن تستجلب إليهم هذه الثمرات من أقطار الأرض الواسعة المترامية . وقد تحقق ذلك بعون الله وتقديره ؛ إذ استجاب دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فأسبغ على مكة ، البد البلقع القفر من صنوف الطعام والثمرات والخيرات ما لم يكن في الحسبان لولا فضل العاطي الموافق المنان .

قوله : ( لعلهم يشكرون ) أي لعلهم يشكرونك على ما أسبغت عليهم من جزيل النعم .


[2410]:- البيان للأنباري جـ 2 ص 60
[2411]:- القانوس المحيط ص 389.