أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

شرح الكلمات :

{ مثلهم } : صفتهم وحالهم .

{ استوقد } : أوقد ناراً .

المعنى :

مثل هؤلاء المنافقين فيما يظهرون من الإيمان مع ما هم مبطنون من الكفر كمثل من أوقد ناراً للاستضاءة بها فلما أضاءت لهم من حولهم وانتفعوا بها أدنى انتفاع ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون . لأنهم بإيمانهم الظاهر صانوا دماءهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم من القتل والسبي وبما يضمرون من الكفر إذا ماتوا عليه يدخلون النار فيخسرون كل شيء حتى أنفسهم هذا المثل تضمنته الآية الأولى( 17 ) .

/ذ17

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

ثم ذكر مثلهم الكاشف لها غاية الكشف ، فقال : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

أي : مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا ، أي : كان في ظلمة عظيمة ، وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره ، ولم تكن عنده معدة ، بل هي خارجة عنه ، فلما أضاءت النار ما حوله ، ونظر المحل الذي هو فيه ، وما فيه من المخاوف وأمنها ، وانتفع بتلك النار ، وقرت بها عينه ، وظن أنه قادر عليها ، فبينما هو كذلك ، إذ ذهب الله بنوره ، فذهب عنه النور ، وذهب معه السرور ، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة ، فذهب ما فيها من الإشراق ، وبقي ما فيها من الإحراق ، فبقي في ظلمات متعددة : ظلمة الليل ، وظلمة السحاب ، وظلمة المطر ، والظلمة الحاصلة بعد النور ، فكيف يكون حال هذا الموصوف ؟ فكذلك هؤلاء المنافقون ، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ، ولم تكن صفة لهم ، فانتفعوا بها{[56]}  وحقنت بذلك دماؤهم ، وسلمت أموالهم ، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا ، فبينما هم على ذلك{[57]}  إذ هجم عليهم الموت ، فسلبهم الانتفاع بذلك النور ، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب ، وحصل لهم ظلمة القبر ، وظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظُلَمُ{[58]}  المعاصي على اختلاف أنواعها ، وبعد ذلك ظلمة النار [ وبئس القرار ] . فلهذا قال تعالى [ عنهم ] : { صُمٌّ }


[56]:- في ب: ما استضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا فحقنت.
[57]:- في ب: هم كذلك.
[58]:- في ب: وظلمة.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ} (17)

{ مثلهم كمثل } إن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف للتشبيه وإن كان المثل بمعنى التشبيه فالكاف زائدة .

{ استوقد } أي : أوقد وقيل : طلب الوقود على الأصل في استفعل .

{ فلما أضاءت } إن تعدى فما حوله مفعول به ، وإن لم يتعد فما زائدة أو ظرفية .

{ ذهب الله بنورهم } أي : أذهبه ، وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره طفيت النار وذهب الله بنورهم : جملة مستأنفة والضمير عائد على المنافقين ، فعلى هذا يكون { الذي } على بابه من الإفراد ، والأرجح أنه أعيد ضمير الجماعة لأنه لم يقصد بالذي : واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمن استوقد نارا سواء كان واحدا أو جماعة ، ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه ، لأنهم جماعة ، فإن قيل : ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم أظلمت ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن منفعتهم في الدنيا بدعوى الإيمان شبيه بالنور ، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده .

والثاني : أن استخفاء كفرهم كالنور ، وفضيحتهم كالظلمة .

والثالث : أن ذلك فيمن آمن منهم ثم كفر ، فإيمانه نور ، وكفره بعده ظلمة ، ويرجح هذا قوله :{ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا }[ المنافقون :3 ] .

فإن قيل : لم قال :{ ذهب الله بنورهم } ولم يقل أذهب الله نورهم ، مشاكلة لقوله : { فلما أضاءت } ؟ فالجواب : أن إذهاب النور أبلغ لأنه إذهاب للقليل والكثير ، بخلاف الضوء فإنه يطلق على الكثير .