أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

شرح الكلمات :

{ إنك لا تهدي من أحببت } : أي هدايته كأبي طالب بأن يسلم ويحسن إسلامه .

المعنى :

قوله تعالى : { إنك لا تهدي . . . بالمهتدين } هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في إِسلامه لما له من سالفة في الوقوف إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ يحميه ويدافع عنه ؛ فلما حضرته الوفاة زاره النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الشهادتين ؛ فكان يقول له : " يا عم ؛ قل لا إله إلا الله ؛ كلمة أحاج لك بها عند الله يوم القيامة " . وكان حوله عواده من كفار قريش ومشائخها ؛ فكانوا ينهونه عن ذلك حتى قالوا له : أترغب عن دين أبائك ! أترغب عن ملة عبد المطلب أبيك ! حتى قال : هو على ملة عبد المطلب ؛ ومات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عن ذلك " ؛ فنهاه الله فلم يستغفر له بعد ، ونزلت هذه الآية كالعزاء له صلى الله عليه وسلم . فقال تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت } هدايته يا نبينا { ولكن الله يهدي من يشاء } هدايته ؛ لعلمه أنه يطلب الهداية ، ولا يرغب عنها كما رغب عنها أبو طالب وأبو لهب وغيرهما . { وهو أعلم بالمهتدين } أي بالذين سبق في علمه تعالى أنهم يهتدون .

الهداية :

- تقرير مبدأ لا هادي إلا الله . الهداية المنفية هي إنارة قلب العبد وتوفيق العبد للإِيمان وعمل الصالحات ، وترك الشرك والمعاصي . والهداية المثبتة : يقول الله تعالى { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } . تلك هداية الدعوة والوعظ والإرشاد . ومنه : { ولكل قوم هاد } أي يدعوهم إلى الهدى .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الهداية منه وحده ، ورد على أقوال المشركين ، وبين سنة من سننه فى خلقه ، كما بين أن ما عنده - سبحانه - أفضل وأبقى من شهوات الدنيا وزينتها ؛ فقال - تعالى - : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي . . . } .

المعنى : { إِنَّكَ } - أيها الرسول الكريم - { لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } أي : لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد هدايته إليه .

{ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ } أي : ولكن الله - تعالى - وحده هو الذى يملك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان ؛ فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء ، وقلوب العباد تحت تصرفه - تعالى - يهدى من يشاء منها ويضل من يشاء ؛ على حسب مشيئته وحكمته التي تخفى على الناس .

{ وَهُوَ } - سبحانه - { أَعْلَمُ بالمهتدين } أي : بالقابلين للهداية المستعدين لها .

فبلّغ - أيها الرسول الكريم - ما كلفناك به ؛ ثم اترك بعد ذلك قلوب الناس إلى خالقهم ؛ فهو - سبحانه - الذي يصرفها كيف يشاء .

قال بعض العلماء : وإن الإنسان ليقف أمام هذا الخبر مأخوذا بصرامة هذا الدين واستقامته ؛ فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكافله وحاميه والذائد عنه لا يكتب الله له الإيمان ؛ على شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشدة حب الرسول له أن يؤمن . ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة ؛ ولم يقصد إلى العقيدة . وقد علم الله منه ذلك فلم يقدر له ما كان يحبه له صلى الله عليه وسلم ويرجوه ؛ فأخرج هذا الأمر - أي الهداية - من خاصة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله خاصا بإرادته - سبحانه - وتقديره . وما على الرسول إلا البلاغ ، وما على الداعين بعده إلا النصيحة . والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن والهدى والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد ، واستعدادهم للهدى والضلال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

قوله تعالى : { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } : هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم . وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني عبد مناف ؛ أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا . فقال عليه السلام : " يا عم ؛ تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك ! " . قال : " فما تريد يا ابن أخي ؟ " قال : " أريد منك كلمة واحدة ؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا : أن تقول لا إله إلا الله ؛ أشهد لك بها عند الله تعالى " . قال : يا ابن أخي ؛ قد علمت أنك صادق ؛ ولكني أكره أن يقال : جزع عند الموت . ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينك عند الفراق ؛ لما رأى من شدة وجدك ونصحك . ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ : عبد المطلب ، وهاشم ، وعبد مناف .

وفي رواية أنه لما مات ولم يؤمن اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : ما تنفع قرابة أبي طالب منك . فقال : " بلى ؛ والذي نفسي بيده إنه الساعة لفي ضحضاح من النار ؛ عليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه . وما من أهل النار من إنسان هو أهون عذابا منه " . والمراد بالآية : أنك يا محمد لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته ؛ ولكن الله يهدي من يشاء أن يهديه من خلقه بتوفيقه للإيمان . { وهو أعلم بالمهتدين } أي الله أعلم بمن سبق له في علمه أنه مهتد للحق والصواب{[3513]}


[3513]:تفسير الطبري ج 20 ص 58-59، وتفسير الرازي ج 25 ص 3.