فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} (56)

{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين56 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا . أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون57 . وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين58 . وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا . وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون59 . وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ؛ وما عند الله خير وأبقى . أفلا تعقلون60 }

لما كانت الآيات السابقات قد بينت أن بعضا من اليهود والنصارى قد أسلموا وآمنوا ؛ بينما كان حال كثير من قوم الرسول صلى الله عليه وسلم وعشيرته حال الضالين المضلين ، مع حرص النبي على استنقاذهم ، وأسفه على غوايتهم ؛ ذكّره الله تعالى بما قضاه وأمضاه ، وأنه سبحانه هو الهادي دون سواه : { من يضلل الله فلا هادي له } . . ( {[3070]} ) . . { من يهد الله فهو المهتد }( {[3071]} .

أخرج البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم . . . عن ابن عباس أنه قال : { إنك لا تهدي من أحببت } . . . نزلت في أبي طالب ؛ ألح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسلم فأبى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية . أخرج عبد بن حميد ومسلم . . . عن أبي هريرة قال : لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : " ياعماه ؛ قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة " ؛ فقال : لولا أن يعيروني قريش - يقولون : ما حمله عليها إلا جزعه من الموت- لأقررت بها عينك ؛ فأنزل الله تعالى : { إنك لا تهدي من أحببت } الآية-{[3072]} . ومهما حرص النبي وأحب لهم الهداية فلن يهتدي إلا من شاء ربنا الحكيم هدايته : { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل }( {[3073]} { وهو أعلم بالمهتدين } فيجازيهم بما هم أهل له .

يقول صاحب تفسير القرآن العظيم : وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد كان يحوطه وينصره ، ويقوم في صفه ، ويحبه حبا شديدا ؛ طبعيا لا شرعيا . فلما حضرت الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان ، والدخول في الإسلام ؛ فسبق القدر فيه ، واختطف من يده ؛ فاستمر على ما كان عليه من الكفر . وعن المسيب بن حزن المخزومي - رضي الله عنه – قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عم ؛ قل لا إله إلا الله ؛ كلمة أحاج لك بها عند الله " ؛ فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ؛ أترغب عن ملة عبد المطلب ! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعودان له بتلك المقالة ، حتى كان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " ؛ فأنزل الله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } ( {[3074]} وأنزل في أبي طالب : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } أخرجاه من حديث الزهري . . اه


[3070]:سورة الأعراف. من الآية 186.
[3071]:سورة الكهف. من الآية 17.
[3072]:أورد الحديثين صاحب روح المعاني.
[3073]:سورة النحل. من الآية 37.
[3074]:سورة التوبة.من الآية 113.