أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ} (30)

شرح الكلمات

{ ذلك } : أي الأمر هذا مثل قول المتكلم هذا أي ما ذكرت . . وكذا وكذا . .

{ حرمات الله } : جمع حرمة ما حرَّم الله انتهاكه من قول أو فعل .

{ فهو خير له عند ربه } : أي خير في الآخرة لمن يعظم حرمات الله فلا ينتهكها .

{ إلا ما يتلى عليكم } : أي تحريمه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلِ لغير الله به .

{ فاجتنبوا الرجس } : أي اجتنبوا عبادة الأوثان .

{ واجتنبوا قول الزور } : وهو الكذب وأعظم الكذب ما كان على الله تعالى والشرك وشهادة الزور .

المعنى :

ما زال السياق في مناسك الحج قوله تعالى ( ذلك ) أي الأمر ذاك الذي علمتم من قضاء التفث أي إزالة شعر الرأس وقص الشارب وقلم الأظافر ولباس الثياب ونحر وذبح الهدايا والضحايا ، { ومن يعظم } منكم { حرمات الله } فلا ينهكها { فهو خير له } أي ذلك التعظيم لها باحترامها وعدم انتهاكها خير له عند ربّه يوم يلقاه وقوله تعالى : { وأحلت لكم الأنعام } أي الإبل والبقر والغنم أحل الله تعالى لكم أكلها والانتفاع بها وقوله تعالى : { إلا ما يتلى عليكم } تحريمه كما جاء في سورة البقرة والمائدة والأنعام ، ومن ذلك قوله تعلى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيَّتُمْ وما ذبح على النصب } وقوله : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } أي اجتنبوا عبادة الأوثان فإنها رجس فلا تقربوها بالعبادة ولا بغيرها غضبا لله وعدم رضاً بها وبعبادتها ، وقوله : { واجتنبوا قول الزور } وهو الكذب مطلقاً وشهادة الزور وأعظم الكذب ما كان على الله بوصفه بما هو منزه عنه أو بنسبة شيء إليه كالولد والشريك وهو عنه منزه ، أو وصفه بالعجز أو بأي نقص .

الهداية

من الهداية :

1- وجوب تعظيم حرمات الله لما فيها من الخير العظيم .

2- تقرير حلِّيَّة بهيمة الأنعام بشرط ذكر اسم الله عند ذبحها أو نحرها .

3- حرمة قول الزور وشهادة الزور وفي الأثر عدلت شهادة الزور الشرك بالله .

4- وجوب ترك عبادة الأوثان ووجوب البعد عنها وترك كل ما يمت إليها بصلة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ} (30)

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الذين يعظمون حرمات الله ، وعما أحله الله لعباده من الأنعام ، وعن سوء عاقبة من يشرك بالله ، فقال - تعالى - : { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ . . . } .

اسم الإشارة { ذلك } فى قوله : { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله . . . } يؤتى به فى مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين ، والمشهور فى مثل هذا التركيب الإتيان بلفظ " هذا " كما فى قوله - تعالى - : { هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } وجىء هنا بلفظ ذلك للإشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه ، وعلو منزلته ، وهو يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإبراهيم ، وأمره بتطهيره . . . . الخ .

قال صاحب الكشاف : قوله { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أى : الأمر والشأن ذلك ، كما يقدم الكاتب جملة من كتابه فى بعض المعانى ، ثم إذا أراد الخوض فى معنى آخر قال : هذا ، وقد كان كذا .

والحرمات : جمع حرمة . والحرمة كل ما أمر الله - تعالى - باحترامه ، ونهى عن قوله أو فعله ، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد ، وتعظيم هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب مراعاتها ، وبالعمل بمقتضى هذا العلم .

والمعنى : ذلك الذى ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج ، هو جانب من أحكام الله - تعالى - فى هذا الشأن فاتبعوها ، والحال أن من يعظم حرمات الله - تعالى - بأن يترك ملابستها واقترافها ، فهو أى : هذا التعظيم ، خير له عند ربه ، إذ بسبب هذا التعظيم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه .

وقد جاء النهى فى هذه الجملة عن فعل هذه المحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ " خير " وبإضافتها إلى ذاته .

فكأنه - سبحانه - يقول : إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله يؤدى إلى حصولكم على شىء من المتاع الدنيوى الزائل ، فإن الاستمساك بهذا التعظيم أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم ، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير .

ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالأنعام وهى الإبل والبقر والغنم فقال : { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } .

أى : وأحل الله - تعالى - لكم فضلا منه ورحمة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما يتلى عليكم تحريم ذبح وأكله فاجتنبوه .

وهذا الإجمال هنا ، قد جاء ما فصله قبل ذلك فى سورة الأنعام فى قوله - تعالى - : { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } قال بعض العلماء : ثم إنه ليس المقصود بما يتلى ، ما ينزل فى المستقبل ، كما يعطيه ظاهر الفعل المضارع ، بل المراد ما سبق نزوله مما يدل على حرمة الميتة وما أهل لغير الله به .

أو ما يدل على حرمة الصيد فى الحرم أو حالة الإحرام .

وعلى هذا يكون السر فى التعبير بالمضارع ، التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغى استحضاره والالتفات إليه . . . والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع فى الوهم من أن تعظيم حرمات الله فى الحج قد يقضى باجتناب الأنعام ، كما قضى باجتناب الصيد .

ثم أمرهم - سبحانه - باجتناب ما يغضبه ، وحضهم على الثبات على الدين الحق فقال - تعالى - : { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } والفاء فى قوله : { فاجتنبوا } هى الفصيحة . والرجس : الشىء المستقذر الذى تعافه النفوس . و { مَن } فى قوله { مِنَ الأوثان } بيانية ، والأوثان : الأصنام ، يدخل فى حكمها ومعناها عبادة كل معبود من دون الله - تعالى كائنا من كان .

وسماها - سبحانه - رجسا ، زيادة فى تقبيحها وفى التنفير منها .

والزور : الكذب والباطل وكل قول مائل عن الحق فهو زور ، لأن أصل المادة التى هى الزور من الزورار بمعن الميل والاعوجاج ، ومنه قوله - تعالى - : { وَتَرَى الشمس إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليمين } أى : تميل .

وقوله { حُنَفَآءَ } جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق .

والمعنى : مادام الأمر كما ذكرت لكم ، فاجتنبوا - أيها الناس عبادة الأوثان أو تعظيمها ، واجتنبوا - أيضا - القول المائل عن الحق ، وليكن شأنكم وحالكم الثبات على الدين الحق ، وعلى إخلاص العبادة لله - تعالى - الذى خلقكم ، وخلق كل شىء .

وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق من وجوب تعظيم حرمات الله ، ومن وجوب التمسك بما أحله الله والبعد عما حرمه .

قال الآلوسى : قوله - تعالى - : { واجتنبوا قَوْلَ الزور } تعميم بعد تخصيص ، فإن عبادة الأوثان رأس الزور ، لما فيها من ادعاء الاستحقاق ، كأنه - تعالى - لما حث على تعظيم الحرمات ، أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما ، والافتراء على الله - تعالى - بأنه حكم بذلك . ولم يعطف قول الزور على الرجس ، بل أعاد العامل لمزيد الاعتناء . والإضافة بيانية . . .