الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ} (30)

قوله : { ذلِكَ } : خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : الأمرُ والشأنُ ذلك . قال الزمخشري : " كما يُقَدِّمُ الكاتبُ جملةً من كتابِه في بعضِ المعاني ، ثم إذا أرادَ الخوضَ في معنى آخرَ قال : هذا وقد كان كذا " . وقَدَّره ابنُ عطية : " فَرْضُكُمْ ذلك ، أو الواجبُ ذلك " . وقيل : هو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ . أي : ذلك الأمرُ الذي ذكرتُه . وقيل : في محلِّ نصب أي : امتثلوا ذلك . ونظيرُ هذه الإِشارةِ قولُ زهير ، بعد تقدُّم جُمَل في وَصْفِ هَرِم ابن سنان :

هذا وليس كمَنْ يَعْيا بخُطْبَتِه *** وسَطَ النَّدِيِّ إذا ما ناطقٌ نَطَقا

قوله : " فهو " " هو " ضميرُ المصدرِ المفهومِ من قولِه { وَمَن يُعَظِّمْ } أي : وتعظيمُه حرماتِ الله خيرٌ له كقولِه تعالى : { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ } [ المائدة : 8 ] و " خيرٌ " هنا ظاهرُها التفضيلُ بالتأويلِ المعروفِ .

قوله : { إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } يجوز أَنْ يكونَ استثناءً متصلاً ، ويُصْرَفُ إلى ما يُحَرَّمُ مِنْ بهيمةِ الأنعام لسببٍ عارضٍ كالموت ونحوه ، وأن يكونَ استثناءً منقطعاً ؛ إذ ليس فيها مُحَرَّمٌ وقد تقدَّم تقريرٌ هذا الوجهِ أولَ المائدةِ .

قوله : { مِنَ الأَوْثَانِ } في " مِنْ " ثلاثةُ أوجهٍ ، أحدها : أنها لبيانِ الجنسِ ، وهو مشهورُ قول المُعْرِبين ، ويَتَقَدَّرُ بقولك : الرِّجْسُ الذي هو الأوثان . وقد تقدَّم أنَّ شرطَ كونِها بيانيةً ذلك . وتجيءُ مواضعُ كثيرةٌ لا يتأتَّى فيها ذلك ولا بعضُه . والثاني : أنَّها لابتداءِ الغايةِ . وقد خَلَط أبو البقاء القولين فجَعَلَهما قولاً واحداً فقال : " ومِنْ لبيانِ الجنسٍ أي : اجْتَنِبوا الرجسَ من هذا القبيل ، وهو بمعنى ابتداء الغاية ههنا " يعني أنه في المعنى يَؤُول إلى ذلِك ، ولا يَؤُول إليه البتةَ . الثالث : أنها للتبعيض . وقد غَلَّط ابنُ عطية القائلَ بكونِها للتبعيضِ ، فقال : " ومَنْ قال : إن " مِنْ " للتبعيض قَلَبَ معنى الآيةِ فأفسده " وقد يُمْكِنُ التبعيضُ فيها : بأَنْ يَعْني بالرِّجْسِ عبادة الأوثانِ . وبه قال ابنُ عباس وابنُ جريج ، فكأنه قال : فاجْتَنِبوا من الأوثانِ الرِّجسَ وهو العبادةُ ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ من الأوثان إنما هو العبادةُ ، ألا ترى أنه قد يُتَصَوَّرُ استعمالُ الوثَنِ في بناءٍ وغيرِه ممَّا لم يُحَرِِّمِ الشرعُ استعمالَه ، وللوَثَنِ جهاتٌ منها عبادتُها ، وهي بعض جهاتِها . قاله الشيخ . وهو تأويلٌ بعيدٌ .