{ شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان } قال مكي : هذه الآية أشكل آية في القرآن إعرابا ، ومعنى ، وحكما ، ونحن نبين معناها على الجملة ، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل ، وسببها أن رجلين خرجا إلى الشام ، وخرج معهما رجل آخر بتجارة ، فمرض في الطريق فكتب كتابا قيد فيه كل ما معه ، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة ، ودفعا رحله إلى ورثته ، فوجدوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها ، فسألوهما فقالا : لا ندري هذا الذي قبضناه ، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبقي الأمر مدة ، ثم عثر على إناء عظيم من فضة ، فقيل : لمن وجد عنده من أين لك هذا ، فقال : اشتريته من فلان وفلان ، يعني الرجلين ، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا ، فمعنى الآية : إذا حضر الموت أحدا في السفر ، فليشهد عدلين بما معه ، فإن وقعت ريبة في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدلا ، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت ، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما .
{ وشهادة بينكم } مرفوع بالابتداء وخبره اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين أو مقيم شهادة بينكم اثنان إذ حضر أي قارب الحضور ، والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة ، وهذا على أن يكون إذا بمنزلة حين لا تحتاج جوابا ، ويجوز أن تكون شرطية ، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها ، فإن المعنى : إذا حضر أحدكم الموت ، فينبغي أن يشهد حين الوصية ظرف العامل فيه حضر ، ويكون بدلا من إذا .
{ ذوا عدل } صفة للشاهدين منكم { أو آخران من غيركم } قيل : معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم ، ومن غيركم من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور : منكم أي من المسلمين ، ومن غيركم من الكفار ، إذا لم يوجد مسلم ، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله :{ وأشهدوا ذوي عدل منكم }[ الطلاق :2 ] فلا تجوز شهادة الكفار أصلا ، وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي محكمة وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في السفر ، وهو قول ابن عباس .
{ إن أنتم ضربتم في الأرض } أي : سافرتم ، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها ، والمعنى إن ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ، فشهادة بينكم شهادة اثنين { تحبسونهما } قال أبو علي الفارسي : هو صفة لآخران ، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله :{ إن أنتم } إلى قوله :{ الموت } ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملة ، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض ، وحلول الموت في السفر ، وقال الزمخشري : تحبسونهما استئناف كلام .
{ من بعد الصلاة } قال الجمهور : هي صلاة العصر ، فاللام للعهد ، لأنها وقت اجتماع الناس ، وبعدها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان ، وقال : " من حلف على سلعة بعد صلاة العصر ، وكان التحليف بعدها معروف عندهم " ، وقال ابن عباس : هي صلاة الكافرين في دينهما لأنهما لا يعظمان صلاة العصر .
{ فيقسمان بالله } أي : يحلفان ؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ ، وقد استحلفهما علي بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري .
{ إن ارتبتم } أي : شككتم في صدقهما أو أمانتهما ، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه ، وجواب إن محذوف يدل عليه يقسمان .
{ لا نشتري به ثمنا } هذا هو المقسوم عليه ، والضمير في به للقسم ، وفي كان للمقسم له : أي : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا أي : لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ، ولو كان من نقسم له قريبا لنا ، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم .
{ ولا نكتم شهادة الله } أي : الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها ، وإضافتها إلى الله تعظيما لها .
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَواتِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الأَثِمِينَ ( 106 ) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ( 107 ) ذلك أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ } .
روي عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قال : خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء وكانا نصرانيين فمات السهمي وكان مسلماً بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما( {[1097]} ) من فضة مخوصاً بالذهب . فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . ووجدوا الجام بمكة . فقيل : اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم . وفيهم نزلت { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } الآية( {[1098]} ) .
قوله : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ } شهادة ، مبتدأ ، وخبره اثنان . والتقدير : شهادة بينكم شهادة اثنين( {[1099]} ) وشهادة بينكم أصلها : شهادة ما بينكم ، فحذف ما وأضيفت إلى الظرف . وتأتي الشهادة على عدة معانٍ منها : العلم والحلف والحضور( {[1100]} ) وكذا الوصية . والمختار أن الشهادة هنا المؤداة من الشهود .
وقوله : { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ } إذا في موضع نصب ظرف للشهادة والمراد إذا قارب الحضور ؛ لأن الميت لا يمكنه الإشهاد . وحين الوصية بدل من الظرف " إذا " وقوله : { اثْنَانِ } أي فيما فرض عليكم أن يشهد { اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } فيكون المعنى : ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم الموت وقت الوصية ، شاهدان اثنان عدلان ذوا عقل ورشد منكم ، أي من المسلمين على وصية الموصي المحتضر .
هذا إذا اعتبرنا صفة الاثنين وماهيتهما على أنهما شاهدان يشهدان على وصية الموصي وقيل : هما وصيان . والأول المختار .
قوله : { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } معطوف على { اثْنَانِ } . أي شاهدان عدلان آخران من غير المسلمين من أهل الكتاب . وقيل : من غير الأقربين ، أي الأباعد . والأول الراجح ؛ لأن الخطاب موجه لأهل الإيمان وهم المسلمون وليس لذوي القرابة . فإذا لم يكن مع الموصي عند احتضاره من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد له رجلان من غير المسلمين من أهل الكتاب .
والإشكال هنا في شهادة غير المسلمين على المسلمين ، بعد أن تبين وجوب الشهادة من اثنين عدلين من المسلمين على وصية الموصي الذي تحضره الوفاة ، وذلك في الحضر . أما في السفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن مع الموصي حينئذٍ أحد من المسلمين فعليه أن يشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر . فإذا أديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما لم يكذبا ولم يبدلا ولم يكتما وأن ما شهدا به حق ، فيحكم بشهادتهما .
على أن تحليفهما هو مقتضى قوله : { إِنِ ارْتَبْتُمْ } أي شككتم في شهادتهما واتهمتموهما . وإن استبان بعد ذلك أنهما كذبا وخانا في شهادتهما حلف رجلان آخران من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان الكاذبان . وهذا قول كثير من أهل العلم من السلف والخلف . وعلى هذا قالوا : شهادة أهل الذمة على المسلمين جائزة في السفر فقط إذا لم يكن ثمة مسلمون . فقد نزلت هذه الآية وليس من مسلم إلا في المدينة ، وكانوا يسافرون بالتجارة ومعهم بعض أهل الكتاب وعبدة الأوثان .
وقيل عن قوله : { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } إنه منسوخ . وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم من الفقهاء . والمختار جواز الشهادة من أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة . وذلك للضرورة إذا لم يكن ثمة مسلم ، ومع وجود مسلم لا يجوز . ويقوي ذلك قول ابن عباس عن سورة المائدة : إنه لا منسوخ فيها .
قوله : { إِنْ أَنْتًمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةُ المَوْتِ } الضرب في الأرض معناه السفر . أي إنكم إن سافرتم ثم دهمكم في السفر داهم الموت ولم يكن معكم أحد منكم فاستشهدوا على الوصية اثنين من غيركم . فيستدل من الآية على اشتراط السفر لجواز الاستشهاد بغير المسلمين إن لم يكن عند الموصي أحد من المسلمين . وإذا ذهب الاثنان الشاهدان إلى ورثة المتوفى الموصي فاتهموهما وارتابوا في أمرهما ، وقفوهما لتحليفهما .
قوله : { تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَوَاتِ } تحبسونهما ، جملة فعلية في محل رفع صفة { آخَرَانٍ }( {[1101]} ) والمراد بحبسهما توقيفهما –أي الشاهدين- من أجل أن يحلفا بعد الصلاة . وقيل : المقصود بها صلاة الظهر . وقيل : الصلاة مطلقاً . وقيل : صلاة العصر . وهو قول المفسرين . وذلك من باب التغليظ على الشاهد المستحلف بالزمان عند مظنة التهمة ، لما في حرمة الزمان من تأثير في نفس الحالف فيحترز عن الكذب .
قوله : { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ } يقسمان معطوف على { تَحْبِسُونَهُمَا } وإن أرتبتم ، اعتراض بين القسم والمقسم عليه . أي إن شككتم في أمر الشاهدين أو الوصيين في قول واتهمتموهما فحلفوهما .
قوله : { لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } أي لا نشتري بقسمنا عوضاً نأخذه بدلاً مما أوصى به الميت . ولا نستبدل بصحة القسم بالله عرض الدنيا الفانية فلا نحلف كاذبين ولا نبذل ما أوصى به إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا . ولا نكتم ما أعلمنا الله به من الشهادة . ولئن فعلنا شيئاً من ذلك كتحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الأَثِمِينَ } .