صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ } جحدوا الرسالة . والمراد بهم هنا المشركون ، لذكرهم بعد المؤمنين ، وذكر المنافقين بعدهم بقوله تعالى : { ومِنَ الناسِ مَن يَقُول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } . والكُفر-بالضم- ضد الإيمان . وأصله المأخوذ منه : الكفر-بالفتح- وهو ستر الشئ وتغطيته ، ومنه قيل : كافر للسحاب ، لستره ضوء الشمس ، ولليل لستره الأشياء بظلمته ، وللزارع لستره البذر في الأرض . والكافر عند الإطلاق ينصرف إلى من يجحد الوحدانية أو النبوة أو الشريعة ، أو يجحدها كلها ، فهو أعم من المشرك . وقد يطلق على جاحد النعمة ، وعلى الفاسق عن أمر ربه ، ويتبين المراد بالقرائن .

{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي مستو عندهم إنذارك وعدمه ، فهم لا يصدقون في أي حال . والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف ، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار ، لا إنذار . وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب الله تعالى .

والآية فيمن شافههم النبي صلى الله عليه وسلم بالإنذار وهم مصرون على الكفر والجحود ، وقد حقت عليهم كلمة العذاب لسبق علم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون ، لسوء استعدادهم وفساد فطرهم .

وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء خبر " إنّ " والجملة الاستفهامية بعده مرفوعة به على الفاعلية لتأويلها بمفرد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ( الكفر معناه الجحد ، وهو أن يجحد الكافر نعمة الله وفضله فيقابله بالعصيان والإنكار ، ويأتي بمعنى الستر والتغطية ، فالكافرون هم الذين يسترون الحق ويغطونه بغشاء الباطل لسوء في طبائعهم ومرض في قلوبهم ، والكفار هم الزراع الذين يغطون الحب في الأرض بعد شقها ليستروه بالتراب ، وفي ذلك يقول سبحانه : ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ( أي أن النبات قد أعجب الزراع الذين طمروا حباته في الأرض .

قوله : ( سواء عليهم ءأنذرتهم ( سواء مبتدأ ( ءأنذرتهم ( وما بعده خبر ، والتقدير : سواء عليهم الإنذار وعدمه ، والهمزة ، الأصل فيها الاستفهام ، والمراد بها هنا التسوية ، وأنذرتهم فعل وفاعل ومفعول ، وأم ، عاطفة . {[19]}

وفي هذه الآية إنباء عن فريق من الكافرين قد سبق في علم الله أنه سيموت على الكفر ، وأن هذا الفريق ( سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( سواء معناها معتدل ، أي يتساوى ويعتدل عند هؤلاء الجاحدين أن يستمعوا للنذير أو لا يستمعوا فإنهم فئة من الخلق ميؤوس منها فلن تؤمن أبدا ، وذلك تمشيا مع علم الله في الأزل أن هؤلاء سيمضون في طريق الكفر مختارين ، وبناء على ذلك فإن قوله : ( إن الذين كفروا( يفيد بظاهره العموم ، لكنه يراد به الخصوص ، وقيل : إن الآية نزلت في كبراء اليهود الضالين أو في آخرين غيرهم ممن ماتوا على الكفر ، إلا أن القول الأول هو الذي نطمئن إليه ، والله سبحانه أعلم .


[19]:الدر المصون جـ 1 ص 105.