صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

{ آيات محكمات }آيات بينات واضحات الدلالة ، لا التباس فيها ولا اشتباه . من الإحكام بمعنى الإتقان . يقال : أحكمه أي أتقنه ، فاستحكم ومنعه من الفساد ، كحكمه حكما . وذلك لإحكام عبارتها عن احتمال التأويل والاشتباه ، ولمنع الخلق من التصرف فيها ، لظهورها ووضوح معانيها ، وإقامتها حجة من الله على عباده ، وعصمة لهم من الزيغ . وإلى هذا المعنى يرجع تفسير بعضهم المحكمات : بما عرف تأويلها وفهم معناها المراد منها ، أو مالا التباس فيها ، ولا تحتمل من التأويل إلا وجها واحدا . ( المسألة الرابعة من المقدمة ص8 ) .

{ هن أم الكتاب }أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ، ويرجع إليه في الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته وأشكل من معانيها . وأم كل شيء : أصله وعماده ، قال الخليل : كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى في لغة العرب أما .

{ وأخر متشابهات }ومنه آيات أخر متشابهات وهي غير المحكمات . والمتشابه : ما استأثر الله بعلمه ، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور ، وإليه ذهب الحنفية . أو مالا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق وهو يشمل المجمل ونحوه ، وإليه ذهب الشافعية . أو ما دل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، ولم يقم دليل على تعيين المراد منه ، كآيات الصفات مثل : الاستواء واليد والقدم ، والتعجب والضحك والفوقية ، والنزول والرحمة والغضب ، ونحو ذلك . يقال : اشتبه الأمران ، إذا أشتبه كل واحد منهما الآخر حتى التبسا . وأمور مشتبهة ومشبهة – كمعظمة – مشكلة . وشبه عليه الأمر تشبيها : لبس عليه .

{ في قلوبهم زيغ }ميل عن الاستقامة وانحراف عن الحق ، وطرح للقصد السوي . يقال : زاغ يزيغ ، مال . ومنه : زاغت الشمس إذا مالت .

{ ابتغاء الفتنة } الابتغاء : الاجتهاد في الطلب . يقال : بغيت الشيء وابتغيته ، إذا طلبت أكثر ما يجب . والفتنة : ما يدفع إليه الإنسان من شدة . وابتغاء الفتنة : طلب فتنة المؤمنين عن دينهم ، بالتشكيك والتلبيس ، وإثارة الشبه ومناقضة المحكم بالمتشابه . أو فتن أتباعهم الجهال بذلك .

{ وابتغاء تأويله }وطلب تأويل الكتاب وتحريفه ، التأويل الباطل الذي يشتهونه ، والتحريف السقيم الذي يقصدونه ، زاعمين أنه الغاية المرادة منه ، وذلك شأن أهل البدع والأهواء والملاحدة في كل عصر .

و تبعهم في ذلك الذين سموا أنفسهم مبشرين في هذا العصر . والتأويل : يطلق بمعنى التفسير والبيان ، ومنه : ( نبئنا بتأويله ) {[77]} ، وقول المفسرين : تأويل هذه الآية كذا وكذا . وبمعنى حقيقة الشيء وما يئول إليه ، من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ، ورد الشيء إلى الغاية المرادة منه . يقال : آل الأمر إلى كذا يئول أولا ، رجع . وأولته إليه رجعته ، ومنه : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ){[78]} أي ما ينتظرون إلا حقيقة ومآل ما اخبروا به من أمر المعاد . والمراد هنا المعنى الثاني ، على ما اختاره الراغب . وذهب آخرون إلى اختيار المعنى الأول .

{ والراسخون في العلم } أي الثابتون المتمكنون فيه ، وهم الذين أتقنوا علمهم ، فلم يداخلهم فيه شك

ولم تعرض لهم فيه شبهة . وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، واستعمل في المعاني ، ومنه : رسخ الإيمان في قلبه ، أي ثبت واستقر .

فإذا فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه فالوقف على لفظ الجلالة ، وما بعده استئناف ، أي والراسخون في العلم يقولون آمنا به ، ويفوضون علمه إليه سبحانه ، ولا يقتحمون أسواره ، كأهل الزيغ والضلال الذين خلطوا فيه بغير علم ، واتبعوا أهواءهم بغير هدى .

وإذا فسر بما لا يتضح معناه إلا بنظر دقيق ، فالحق الوقف على لفظ " العلم " ، أي أنه لا يعلم تأويله الحق المطابق للواقع إلا الله والراسخون في العلم ، دون أولئك الزائغين . ويجوز الوقف على لفظ الجلالة ، لأنه لا يعلمه بالكنه سواه .

وإذا فسر بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد ، مع عدم قيام الدليل على تعيينه ، جاز الوقف والعطف عند من يجوز الخوض فيه ، وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله ، وهم جمهور الخلف . ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يمنع الخوض فيه ويمنع تأويله ، وهم جمهور السلف .

ونقل ابن كثير : أنه إذا أريد من التأويل المعنى الأول الذي أسلفناه فالوقف على لفظ( العلم ) ، لأن الراسخين يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به ، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على ما هي عليه . وإذا أريد منه المعنى الثاني فالوقف على لفظ الجلالة ، لأن الحقائق لا يعلمها على الجلية إلا الله عز وجل .

والحكمة في إنزال المتشابه على التفسير الأول : الابتلاء به ، ليخضع العبد لسلطان الربوبية ويقر بالعجز والقصور . وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة ، كما ابتلى سبحانه عباده بسائر التكاليف والعبادات . وعلى التفسير الثاني وكذا الثالث : أن يشتغل أهل النظر والفقه في الدين برد المتشابه إلى المحكم ، فيطول بذلك نظرهم ، ويتصل بالبحث عن معانيه فكرهم ، فيثابون على اجتهادهم كما أثيبوا على عباداتهم . ولو أنزل القرآن كله محكما لاستوى في معرفته العالم والجاهل ، ولم يفضل العالم على غيره ، ولماتت الخواطر وخمدت القرائح ، ومع الغموض والخفاء تقع الحاجة إلى الفكرة ، والحيلة إلى استخراج المعاني .

هذا ، إلى أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة والإعجاز ، وفي ألفاظه وآياته وأسلوبه من المجازات والكنايات ، والتشبيهات ، ما يوجب كد الأذهان وشحذ القرائح ، لاستخراج معانيه واستقصاء مراميه ، وذلك مما لا يقدر عليه إلا من أوتي أوفر حظ من العلم والفقه ، وكانت له قدم راسخة في البحث والفهم .

هذا ، ومن المتشابه آيات الصفات أحاديث الصفات كما قدمنا . ومذهب السلف فيها : أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل ، جاء بها السمع ، فيجب الإيمان بها كما وردت ، مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى عن التجسيم والتشبيه ، لئلا يضاد النقل العقل ، وأن ظاهرها غير مراد قطعا لاستحالته عليه تعالى : فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم . قال الشعراني وغيره : إن مذهب السلف أسلم وأحكم ، وقد درج عليه صدر الأمة وسادتها ، واختاره أئمة الفقه والحديث ، حتى قال الإمام محمد ابن الحسن : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه . اه . أي من غير تأويل على سبيل التفصيل ، ولا تمثيل له بالحوادث ، تعالى الله عن الشبيه والمثال . ( راجع المسألة الرابعة من المقدمة ص8 )


[77]:: آية 32 يوسف
[78]:آية 53 الأعراف
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّـٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (7)

قوله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) .

يتضمن القرآن صنفين من الآيات . أحدهما : آيات محكمات هن أم الكتاب . أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ، والأم في اللغة تعني الأصل الذي يكون منه الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، باتت المحكمات كالأم للمتشابهات{[394]} .

وثانيهما : آيات متشابهات ، وقد اختلف العلماء في المراد بالمحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة . ولعل أحسن ما قيل في ذلك أن المحكمات من القرآن : ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره . أما المتشابه : فما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعمله دون خلقه ، وهو قول كثير من أهل العلم . وجملة ذلك أن الآيات المحكمات ، ما أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والإجمال والاشتباه فكانت واضحة مستبية ، وذلك كقوله تعالى من سورة الأنعام ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) إلى ثلاث آيات بعدها . وقوله تعالى من سورة الإسراء : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) إلى ثلاثة آيات بعدها .

أما الآيات المتشابهات ، فهي المحتملات أو المجملات التي لا يتضح مقصودها إلا بالفحص الدقيق والنظر العميق من أولي الألباب ، ومثال ذلك الحروف التي في فواتح السور كقوله : ( الم ) ، ( الر ) ، ( حم عسق ) ، ( كهيعص ) . وكذلك كقوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وغير ذلك من الآيات المحتملة مما يكون دلالة الألفاظ بالنسبة إليها وإلى غيره على السوية .

ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد : المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لكهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد .

قال القرطبي في ذلك : المحكم اسم مفعول من أحكم ، والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال{[395]} .

قوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) الزيغ معناه الميل عن الحق . زاغ البصر إذا كلّ ، وزاغت الشمس ، أي مالت . وذلك إذا فاء الفيء{[396]} . ومنه قوله تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) والذين في قلوبهم زيغ ، أي انحراف عن القصد ، وميل عن الحق ، وجنوح مريض نحو الباطل بدلا من السبيل المستقيم . هؤلاء المائلون عن جادة الصواب ، الجانحون صوب الباطل من أولي الطبائع الضالة والقلوب المريضة يستنكفون عن اتباع الآيات المحكمات الواضحات التي يعوّل عليها في إدراك هذا الدين عقيدة وشريعة ، لكنهم تستخفهم قلوبهم الزائغة لاتباع ما تشابه من الكتاب الحكيم . فهم إنما يتمسكون بالمتشابه من الآيات ؛ لما يمكنهم من تحريفه إلى مقاصدهم الفاسدة ؛ نظرا لاحتمال لفظه ما يديرون عليه من تأويل مريب .

أما المحكم فلاحظ لهم فيه ؛ لوضوحه وبيانه فهو دافع لمقاصدهم وحجة عليهم . وهذا الصنف الجانح من الناس إنما يصطنع مثل هذا التأويل ( ابتغاء الفتنة ) أي طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام . وذلك ديدان التائهين المضللين من العباد الذين لا يستمرئون غير طريق الضلال والفساد ولا يستطيبون غير ظواهر المرض والعمه تغشى المجتمع فتطيح به إطاحة أو تنسفه من القواعد نسفا ليظل أشباها من الناس التائهين الشاطحين الحائرين . وأمثال هؤلاء المفسدين المضلين كثير في أوساط المسلمين ، بل إن تاريخهم طويل ومرير في زعزعة العقيدة الإسلامية وتشويه العلوم الإسلامية وإشاعة الريبة والفتن بين فئات المسلمين كالزنادقة على اختلاف مقولاتهم وإفرازاتهم الضالة المضلة . ومن جملتهم القرامطة والحشاشون والسبئية والنصيرية ( العلويون ) والبهائية والقاديانية والدروز . وكذا المجسمة والمشبهة والمعطلة ، إلى غير هؤلاء من أصحاب الملل والنحل الضالة الفاسدة . كل أولئك من حيث الضلال والانحراف والزيغ في جانب ، والجماعة المؤمنة المستقيمة في جانب آخر مميز . وهؤلاء هم أهل السنة الذين لا يتبعون ما تشابه من القرآن وإنما يتبعون آيات المحكمات فهم دوما على جادة الصواب . وفي وسط المحجة اللاحبة البيضاء سائرون ماضون إلى أن يلقوا الله على هذه الحال من الاستقامة والإخبات .

وعلى هذا فإن هذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة متبع لما تشابه من القرآن ، وإن كانت الإشارة بهذه الآية في ذلك الوقت إلى نصارى نجران الين حاوروا النبي صلى الله عليه و سلم في قصة عيسى المسيح وجادلوه في ذلك بغير حق متبعين لما تشابه من آيات الكتاب الحكيم في هذه المسألة{[397]} .

وقوله : ( وابتغاء تأويله ) التأويل هو التفسير ما يؤول إليه الشيء . وقد أوله تأويلا وتأوله أي دبره وقدره وفسره{[398]} .

قال الرازي في بيان التأويل : اعلم أن التأويل هوالتفسير ، وأصله في اللغة المرجع والمصير . من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه . هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا . قال تعالى : ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وقال تعالى : ( وأحسن تأويلا ) وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى . واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ {[399]} .

والذين يتبعون ما تشابه من القرآن إنما يطلبون بذلك- فوق طلبهم الفتنة- تأويله . أي يؤولونه التأويل الذي يشتهونه بتحريفه على ما يروق لهواهم الجانف وقلوبهم الزائغة الجانحة{[400]} .

قوله : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ذكر إلا أولوا الألباب ) .

اختلف العلماء في معنى الواو قبل ( الراسخون ) هل هي للاستئناف ( الابتداء ) أم للعطف ؟ فثمة قولان في ذلك .

أحدهما : أن الواو للاستئناف . فالوقف بذلك على لفظ الجلالة ( الله ) ثم يأتي الكلام بعد ذلك مستأنفا . فالواو هنا لابتداء الكلام بعد تمامه . وعلى هذا فإنه لا يعلم تأويل المتشابه من الكتاب الحكيم إلا الله . وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك ابن أنس والكسائي والفراء والأخفش . ومن المعتزلة قول الجبائي . واختاره الرازي .

ثانيهما : أن الواو تفيد العطف ، فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة . وعلى هذا يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم . وهو قول أكثر المتكلمين . وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس{[401]} وفي تقديري أن القول الأول هو الراجح . ووجه ذلك من عدة وجوه منها :

أولا : أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم حيث قال سبحانه ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك .

ثانيا : لو كان قوله : ( والراسخون في العلم ) معطوفا على قوله ( إلا الله ) لصار قوله : ( يقولون آمنا به ) ابتداء كلام ، وهذا بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به . أو ويقولون آمنا به .

ثالثا : ما ذكر عن ابن عباس قوله : التفسير على أربعة أنحاء : فتفسير لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم ، وتفسير لا يعلمه إلا الله .

ويؤيد ذلك ما ذكر أن مالك بن أنس رحمه الله لما سئل عن الاستواء قال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة{[402]} .

وقوله : ( والراسخون في العلم ) من الرسوخ وهو الثبوت في الشيء . وكل ثابت راسخ . ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا ، فالراسخون في العلم هم الذين ثبتوا وتمكنوا فيه . وقال الرازي في هذا الصدد : واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئا متشابها ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن{[403]} .

ثم حكى الله عن الراسخين في العلم قولهم : ( آمنا به كل من عند ربنا ) أي أنهم يعلنون عن إيمانهم القاطع أن هذا المتشابه من عند الله أو هو كلام الله ونحن مؤمنون به . وقالوا أيضا : ( كل من عند ربنا ) أي أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند الله فهما ( المحكم والمتشابه ) كلاهما حق وصدق وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له ؛ لأن الجميع منزل من عند الله{[404]} .

قوله : ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ) أي ما يعي هذا ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لبّ ، وهو العقل . ولب كل شيء خالصه{[405]} .


[394]:- التفسير الكبير للرازي جـ 7 ص 186 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344.
[395]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 10، 11 وانظر البيضاوي ص 67 والكشاف للزمشخري جـ 1 ص 412 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187 وما بعدها.
[396]:- مختار الصحاح ص 280
[397]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 13، 14 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 344، 345 وتفسير الرازي جـ 7 ص 187، 188.
[398]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 341 ومختار الصحاح ص 33.
[399]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 191.
[400]:- الكشاف للزمخشري جـ 1 ص 413 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 15.
[401]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 190 وانظر الكشاف جـ 1 ص 412 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 16.
[402]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 346 وتفسير الرازي جـ 7 ص 191، 192.
[403]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 192.
[404]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 وتفسير البيضاوي ص 67.
[405]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 347 ومختار الصحاح ص 589 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 19.