صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

{ وما أهل لغير الله به }ما ذكر على ذبحه غير اسمه تعالى ، من صنم أو وثن أو طاغوت أو نحو ذلك ( آية 173 البقرة ص 520 ) . { والمنخنقة }البهيمة التي تموت بالخنق ، سواء أكان بفعلها كأن تدخل رأسها في موضع لا تستطيع التخلص منه فتموت ، أم بفعل غيرها . { والموقوذة }البهيمة التي تضرب بمثقل غير محدد ، كخشب أو حجر حتى تموت ، وكانوا في الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها . { والمتردية }البهيمة التي تسقط من علو فتموت من التردي ، مأخوذ من الردى بمعنى الهلاك .

{ والنطيحة }التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح . يقال : نطحه ينطحه وينطحه ، أصابه بقرنه .

{ وما أكل السبع }أي ما بقي من الحيوان بعد أكل السبع منه{ إلا ما ذكيتم }استثناء من التحريم ، أي إلا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة وما عطف عليها وفيه بقية حياة ، يضطرب اضطراب المذبوح وذكيتموه فإنه يحل ، من التذكية و هي الإتمام . يقال : ذكيت النار إذا أتممت اشتعالها . والمراد هنا : إتمام فري الأوداج و إنهار الدم والتفصيل في الفقه . { وما ذبح على النصب }جمع نصاب ، ككتب وكتاب . أو نصب ، كسقف وسقف . أو واحد الأنصاب ، وهي والنصب أحجاز نصبوها حول الكعبة ، كانوا يذبحون عليها ويعظمونها و يلطخونها بالدماء ، وهي غير الأصنام ، إنما الأصنام المصورة المنقوشة . { وأن تستقسموا بالأزلام }وأن تطلبوا علم ما قسم لكم في سفر أو غزو و نحو ذلك بواسطة الأزلام ، وتسمى القداح ، وهي سهام كانت لديهم في الجاهلية مكتوب على أحدها : أمرني ربي ، وعلى الآخر : نهاني ربي ، والثالث غفل من الكتابة ، فإذا أرادوا شيئا من ذلك أتوا على بيت الأصنام و استقسموها ، فإن خرج الآمر أقدموا على الأمر ، وإن خرج الناهي أمسكوا عنه ، وإن خرج الغفل أجالوها ثانيا حتى يخرج الآمر او الناهي . وواحد الأزلام : زلم ، كجمل وصرد . { ذلكم فسق } أي الاستقسام بالأزلام . أو تناول جميع ماذكر من المحرمات خروج عن طاعة الله تعالى . { اليوم يئس الذين كفروا }المراد به : يوم عرفة ، وهو يوم الجمعة عام حجة الوداع . واليأس : انقطاع الرجاء ، هو ضد الطمع . { من دينكم }أي من إبطال أمر دينكم . { فمن اضطر في مخمصة }أي فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات في مجاعة شديدة { غير متجانف لإثم }أي غير مائل إليه بأن يكون غير باغ ولا عاد فأكل فلا إثم عليه . والاضطرار : الوقوع في الضرورة . والمخمصة : خلو البطن من الغداء عند شدة الجوع . و{ متجانف }من الجنف وهو الميل . يقال : جنف عن الحق كفرح –إذا مال عنه . وجنف عن طريقه-كفرح وضرب-جنفا و جنوفا ، مال عنه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } تقدم الكلام عليها في البقرة { والمنخنقة } هي التي تخنق بحبل وشبهه .

{ والموقوذة } هي المضروبة بعصا أو حجر وشبهه .

{ والمتردية } هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك ، { والنطيحة } هي التي نطحتها بهيمة أخرى .

{ وما أكل السبع } أي : أكل بعضه ، والسبع كل حيوان مفترس : كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر .

{ إلا ما ذكيتم } قيل : إنه استثناء منقطع ، وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها : ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل السبع والمعنى حرمت عليكم هذه الأشياء ، لكن ما ذكيتم من غيرها ، فهو حلال ، وهذا قول ضعيف لأنها إن ماتت بهذه الأسباب ، فهي ميتة فقد دخلت في عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها . وقيل : إنه استثناء متصل ، وذلك إن أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته ، والمعنى على هذا : إلى ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال ، ثم اختلف أهل هذا القول هل يشترط أن تكون لم تنفذ مقاتلها أم لا ، وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب ، فذكاتها جائزة باتفاق .

{ وما ذبح على النصب } عطف على المحرمات المذكورة ، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها ، وليست بالأصنام لأن الأصنام مصورة والنصب غير مصورة وهي الأنصاب ، والمفرد نصاب ، وقد قيل : إن النصب بضمتين مفرد ، وجمعه أنصاب .

{ وأن تستقسموا بالأزلام } عطف على المحرمات أيضا ، والاستقسام . هو طلب ما قسم له ، والأزلام هي السهام ، واحدها زلم بضم الزاي وفتحها ، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها أفعل ، وعلى الآخر لا تفعل ، والثالث مهمل ، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرا جعلها في خريطة ، وأدخل يده وأخرج أحدها ، فإن خرج له الذي فيه افعل : فعل ما أراد ، وإن خرج له الذي فيه لا تفعل تركه ، وإن خرج المهمل أعاد الضرب .

{ ذلكم فسق } الإشارة إلى تناول المحرمات المذكورة كلها ، أو إلى الاستقسام بالأزلام ، وإنما حرمه الله وجعله فسقا : لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطلاع على الغيوب .

{ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أي : يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه ، ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع ، فذلك هو اليوم المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين ، ويحتمل أن يكون الزمان الحاضر لا اليوم بعينه .

{ اليوم أكملت لكم دينكم } هذا الإكمال يحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام .

{ فمن اضطر } راجع إلى المحرمات المذكورة قبل هذا ، أباحها الله عند الاضطرار .

{ في مخمصة } في مجاعة .

{ غير متجانف لإثم } هذا بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم في البقرة { فإن الله غفور رحيم } قام مقام فلا جناح عليه ، وتضمن زيادة الوعد .