{ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } دلت الآية على أن تكليم الله تعالى للبشر وقع على ثلاثة أنحاء : الأول – بالإبقاء في القلب يقظة أو مناما ، ويسمى وحيا ؛ وهو يشمل الإلهام والرؤيا المنامية . مصدر وحى إليه –كوعى – وأوحى إليه مثله . تقول العرب : وحيث إليه وله ، وأوحيت إليه وله ؛ ولغة القرآن الفاشية " أوحى " بالألف . وأصل الوحي : الإشارة السريعة . يقال : أمر وحى أي سريع ؛ ثم غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإلهية . الثاني – بإسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلمه ؛ كما كان لموسى عليه السلام ، وكما كان للملائكة الذين كلمهم الله في قصة خلق آدم ؛ وهو المراد بقوله تعالى : { أو من وراء حجاب } . الثالث – بإرسال ملك ترى صورته المعينة ، ويسمع كلامه ؛ كجبريل عليه السلام فيوحى للنبي ما أمر الله أن يوحى به إليه ؛ وهو المعنى بقوله تعالى : { أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } . ومعنى الآية على ما اختاره الزمخشري : وما صح أن يكلم الله أحدا في حال إلا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب ، أو مرسلا رسولا .
من وراء حجاب : يُسمع ولا يُرى .
بعد أن بين تعالى النعم الحسيّة التي يعيش بها الناس ، بيّن هنا النعمَ الروحية التي تحيا بها القلوب ، وتعمرُ الأنفس ، وبيّن أن الناس محجوبون عن ربّهم ، لأنهم في عالم المادة وهو منزَّهٌ عنها ، ولكن من رقَّ حجابُه ، وخَلَصَت نفسُه من شوائب المادة ، فإنه يستطيع أن يتصل بالملأ الأعلى ، وأن يسمع كلام ربّه بأحد الأوجه الآتية :
1- أن يحسّ بمعان تُلقى في قلبه ، أو يرى رؤيا صادقة كرؤيا الخليل إبراهيم بأنه يذبح ولده . . . ورؤيا الأنبياء وحي .
2- أن يسمع كلاماً من وراء حجاب كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر من يكلّمه ، فقد سمع كلاما ولم ير المتكلم .
قوله عز وجل :{ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله وتنظر إليه ، إن كنت نبياً ، كما كلمه موسى ونظر إليه ، فقال : لم ينظر موسى إلى الله عز وجل ، فأنزل الله تعالى : { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } يوحي إليه في المنام أو بالإلهام ، { أو من وراء حجاب } يسمعه كلامه ولا يراه ، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام ، { أو يرسل رسولاً } إما جبريل أو غيره من الملائكة ، { فيوحي بإذنه ما يشاء } بنصب اللام والياء عطفاً على محل الوحي لأن معناه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولاً . { إنه علي حكيم }
الأولى- قوله تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن موسى لن ينظر إليه ) فنزل قوله : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " ، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي . " وحيا " قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن روح القدس نفث في روعي{[13557]} إن نفسا لن تموت حتى تستكمل ، رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب . خذوا ما حل ودعوا ما حرم ) . " أو من وراء حجاب " كما كلم موسى . " أو يرسل رسولا " كإرساله جبريل عليه السلام . وقيل : " إلا وحيا " رؤيا يراها في منامه ؛ قال محمد بن زهير . " أو من وراء حجاب " كما كلم موسى . " أو يرسل رسولا " قال زهير : هو جبريل عليه السلام . " فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم " وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا . وهكذا كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : نزل جبريل عليه السلام على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام . فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام . وقل : " إلا وحيا " بإرسال جبريل " أومن وراء حجاب " كما كلم موسى . " أو يرسل رسولا " إلى الناس كافة . وقرأ الزهري وشيبة ونافع " أو يرسل رسولا فيوحي " برفع الفعلين . الباقون بنصبهما . فالرفع على الاستئناف ؛ أي وهو يرسل . وقيل : " يرسل " بالرفع في موضع الحال ، والتقدير إلا موحيا أومرسلا . ومن نصب عطفوه على محل الوحي ؛ لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل . ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة . ويكون في موضع الحال ، التقدير أو بأن يرسل رسولا . ولا يجوز أن يعطف " أو يرسل " بالنصب على " أن الكلمة " لفساد المعنى ؛ لأنه يصير : ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا ، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم .
الثانية- احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا ، فأرسل إليه رسولا أنه حانث ؛ لأن المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه ، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب . قال ابن المنذر : واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا ، فقال الثوري : الرسول ليس بكلام . وقال الشافعي : لا يبين أن يحنث . وقال النخعي : والحكم في الكتاب يحنث . وقل له مالك : يحنث في الكتاب والرسول . وقال مرة : الرسول أسهل من الكتاب . وقال أبو عبيد : الكلام سوى الخط والإشارة . وقال أبو ثور : لا يحنث في الكتاب . قال ابن المنذر : لا يحنث في الكتاب والرسول .
قلت : وهو قول مالك . قال أبو عمر : ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا ، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك . وإن أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث .
قلت : يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة ؛ للآية ، وهو قول مالك وابن الماجشون . وقد مضى في أول " سورة مريم " {[13558]} هذا المعنى عن علمائنا مستوفى ، والحمد لله .
{ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } الآية : بين الله تعالى فيها كلامه لعباده وجعله على ثلاثة أوجه :
أحدها : الوحي المذكور أولا وهو الذي يكون بالهام أو منام .
والآخر : أن يسمعه كلامه من وراء حجاب .
الثالث : الوحي بواسطة الملك وهو قوله : { أو يرسل رسولا } يعني : ملكا فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي وهذا خاص بالأنبياء .
والثاني : خاص بموسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذ كلمه الله ليلة الإسراء .
وأما الأول : فيكون للأنبياء والأولياء كثيرا وقد يكون لسائر الخلق ومنه : { وأوحى ربك إلى النحل } [ النحل : 68 ] ومنه منامات الناس .
{ أو يرسل رسولا } قرئ يرسل ، ويوحي بالرفع على تقدير أو هو يرسل وبالنصب عطفا على وحيا لأن تقديره : أن يوحي عطف على أن المقدرة .