الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} (46)

قوله تعالى ذكره : { أفلم يسيروا في الأرض }[ 44 ] إلى قوله : { والله عليم حكيم }[ 50 ] .

هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش{[47064]} وغيرهم . ومعناه : أفلم يسر هؤلاء المكذبون{[47065]} بك يا محمد ، فينظروا إلى مصارع{[47066]} أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم ، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك ، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك ، ويفهموا ذلك بقلوبهم ، ويسمعوه بآذانهم .

وقوله : ( فتكون ) جواب النفي . وقيل : هو جواب الاستفهام والمعنى : قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون{[47067]} بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية ، يخاطب قريشا ، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة ، فهو في المعنى : خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان . كما قال : { ألم نشرح لك صدرك }{[47068]} . أي : قد شرحنا لك صدرك .

ونصب ( فتكون ) عند الكوفيين على الصرف ، إذ معنى الكلام الخبر ، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على{[47069]} يسيروا ، فلما صرف عن الجزم ، رد إلى آخر الجزم وهو النصب ، فهذا معنى الصرف عندهم .

ثم قال تعالى : { فإنها لا تعمى الأبصار }[ 44 ] .

أي : فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته .

قال قتادة{[47070]} : البصر : الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب .

وقال مجاهد{[47071]} : ليس من أحد إلا له عينان في رأسه عينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر ، وأما اللتان في القلب ، فباطنتان يبصر بهما{[47072]} الغيب ، وذلك قول الله عز وجل : { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } .

وقال ابن جبير{[47073]} : نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى { فإنها لا تعمى الأبصار } الآية . فالمعنى : لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به ، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعانيه الأبصار .

وقوله : { في الصدور } توكيد ، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور ، ولكن/أكده به كما قال : { يقولون بأفواههم }{[47074]} وكما قال : { ولا طائر يطير بجناحيه }{[47075]} .


[47064]:ز: لكفار قريش.
[47065]:ز: المكذبين.
[47066]:ز: مسارع. (تحريف).
[47067]:ز: يفقهون.
[47068]:الشرح آية 1.
[47069]:على سقطت من ز.
[47070]:انظر: تفسير القرطبي 12/77 والدر المنثور 4/365.
[47071]:انظر: تفسير القرطبي 12/77.
[47072]:ز: بهم.
[47073]:انظر: تفسير القرطبي 12/77.
[47074]:آل عمران: 167.
[47075]:الأنعام آية 39.