تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
فقال الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم، أفتتبعونه؟ فرد عليهم هود: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم}، يعني بيان من ربكم، {على رجل منكم}، يعني نفسه، {لينذركم} العذاب في الدنيا، {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} في الأرض، {من بعد} هلاك {قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة} على غيركم... {فاذكروا آلاء الله} يعني نعم الله فوحدوه، {لعلكم}، يعني لكي {تفلحون} ولا تعبدوا غيره.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"أوَ عَجِبْتُمْ أنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبّكُمْ على رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ" يقول: أَوَ عجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة، على رجل منكم، لينذركم بأس الله ويخوّفكم عقابه. "وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْم نُوحٍ" يقول: فاتقوا الله في أنفسكم، واذكروا ما حلّ بقوم نوح من العذاب إذ عَصَوا رسولهم وكفروا بربهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حلّ بهم من العقوبة فيهلككم ويبدل منكم غيركم، سنته في قوم نوح قبلكم على معصيتكم إياه وكفركم به. "وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً": زاد في أجسامكم طولاً وعِظَما على أجسام قوم نوح، وفي قَوامكم على قَوامهم، نعمة منه بذلك عليكم، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضّلكم به عليهم في أجسامكم وقَوامكم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به وهجر الأوثان والأنداد. "لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ" يقول: كي تفلحوا، فتدركوا الخلود والبقاء في النعم في الآخرة، وتنجحوا في طلباتكم عنده...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل قوله {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} [وجوها: أحدها: أنه جعلكم خلفاء] قوم أهلكهم بتكذيبهم الرسل، ولم يهلككم، فاحذروا أنتم هلاككم بتكذيبكم الرسول كما أهلك أولئك بتكذيبهم الرسل. أو أن يقال: {جعلكم خلفاء} قوم صدّقوا رسولا من البشر، وهو نوح، فكيف كذّبتموني في دعوى الرسالة لأني بشر، ودعائي إلى عبادة الله ووحدانيته؟ هذا تناقض. والثاني: أن اذكروا نوحا، وهو كان رسولا من البشر، فكيف تنكرون أن يكون الرسول من البشر، وكان الرسل جميعا من البشر. والثالث: أن اذكروا نعمته التي أنعمها عليكم من السعة في المال والقوة في الأنفس وحسن الخلقة والقامة، وكان لعاد ذلك كله كقوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} {إرم ذات العماد} {التي} الآية [الفجر: 6و7و8] هذا في السعة في المال. وأما القوة في الأنفس والقامة [فهي] ما ذكر في قوله تعالى: {كأنهم أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7] وقوله تعالى: {كأنهم أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20] وصف لهم بالقوة وطول القامة. وعلى ذلك فسّر بعض أهل التأويل. وقوله تعالى: {وزادكم في الخلق بصطة} يعني قوة وقيل: هو الطول والعظم في الجسم. ذكر الله في عاد أشياء ثلاثة خصهم بها من غيرهم: أحدها: العظم في النفس بقوله تعالى: {وزادكم في الخلق بصطة} وفي القوة بقوله تعالى: {من أشد منا قوة} [فصلت: 15] [والثانية]: السعة في الأموال بقوله تعالى: {بعاد} {إرم ذات العماد} [الفجر: 6و7] و [الثالثة] فضل العلم بقوله تعالى: {وكانوا مستبصرين} [العنكبوت: 38]...
وقوله تعالى: {فاذكروا آلاء الله} قال بعضهم: الآلاء هي في دفع البلايا، والنعماء هي في سوق النعماء إليه. ولكنهما واحد؛ لأنه ما من بلاء يدفع عنه إلا وفي ذلك سوق نعمة أخرى إليه... وقوله تعالى: {لعلكم تفلحون} إن ذكرتم نعمه، وشكرتم له عليها، ولم تصرفوا عبادتكم وشكركم إلى غيره، أو يقول: لكي يلزمكم الفلاح، أو حتى تكونوا من أهل الفلاح...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقوله "واذكروا اذ جعلكم خلفاء "فخلفاء جمع خليفة، وهو الكائن بدل غيره ليقوم بالأمر مقامه في تدبيره.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} أي واذكروا فضل الله عليكم ونعمه إذ جعلكم خلفاء الأرض من بعد قوم نوح وزادكم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة. أو زادكم بسطة في خلق أبدانكم، إذ كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان. وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم ولا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها. ولكن نص على قوتهم وجبروتهم في سور هود والشعراء وفصلت {فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} أي فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما أعده للشاكرين من إدامتها عليهم وزيادتها لهم، ولن تكونوا كذلك إلا إذا عبدتموه وحده ولم تشركوا بعبادته أحدا، لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل جعله واسطة بينكم وبينه، فإن هذا حجاب دونه ومن حجب نفسه عما كرمه ربه به من التوجه إليه وحده في الدنيا حجب عن لقاءه في الآخرة، وإنما يحجب عن ربه الكافرون لا المؤمنون الشاكرون.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون).. فلقد كان من حق هذا الاستخلاف، وهذه القوة والبسطة، أن تستوجب شكر النعمة، والحذر من البطر، واتقاء مصير الغابرين. وهم لم يأخذوا على الله عهداً: أن تتوقف سنته التي لا تتبدل، والتي تجري وفق الناموس المرسوم، بقدر معلوم. وذكر النعم يوحي بشكرها؛ وشكر النعمة تتبعه المحافظة على أسبابها؛ ومن ثم يكون الفلاح في الدنيا والآخرة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
انتقل من أمرهم بالتّوحيد إلى تذكيرهم بنعمة الله عليهم التي لا ينكرون أنّها من نعم الله دون غيره، لأنّ الخلق والأمر لله لا لغيره. تذكيراً من شأنه إيصالهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة. وإنّما أمرهم بالذّكر (بضمّ الذّال) لأنّ النّفس تنسى النّعم فتكفر المنعم، فإذا تذكّرت النّعمة رأتْ حقاً عليها أن تشكر المُنعم، ولذلك كانت مسألة شكر المنعم من أهمّ مسائل التّكليف.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
قال لهم مقالة نوح: {أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم}، وأنذرهم بالعذاب الشديد إن لم يؤمنوا، وذكرهم بما كان من قوم فرعون، ونعم الله تعالى فقال: {لينذركم}، أي يبين لكم عقاب الله، وإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون}.
ذكرهم بثلاثة أمور تدنيهم، وتجعلهم يشعرون بأن الله أنعم عليهم، وأعطاهم العبر ليعتبروا:
ذكرهم أولا – بأنهم خلفاء قوم نوح، وإن ذلك فيه عبرة لهم لأنهم كيف أغرقوا، ولم ينج إلا من حملته السفينة الربانية، وخلفاء جمع خليفة، أي أنهم خلفوهم في سكنى أرضهم وأرسل هو إليهم، كما أرسل نوح من قبل.
وذكرهم ثانيا – بأن الله زادهم في الخلق بصطة، أي قوة في الجسم فكانوا عمالقة، وبصطة أصلها بسطة، وتكتب السين صادا، لاتصالها بالطاء، وهي ساكنة.
وذكرهم ثالثا – بنعم الله تعالى عليهم من زروع وثمار، فقال: {فاذكروا آلاء الله} أي نعمه، واحدها (إلي) و (ألي).
ذكرهم بهذه الأمور الثلاثة رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويؤمنوا، وبذلك ينالون الفلاح والفوز؛ ولذا قال تعالى: {لعلكم تفلحون}، أي لترجوا الفلاح والفوز بالصلاح في الدنيا والنعيم في الآخرة.
ويقول سبحانه على لسان سيدنا هود: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
جاء الحق هنا بالذكر للإنذار فقال: {لينذركم} فقط، وليس كما قال في قوم نوح: {ولتتقوا ولعلكم ترحمون} لأن الإنذار لم يأت لمجرد الإنذار، بل لنرتدع ونتقي، لكي نُرحم، إذن فحين يأتي بأول الحلقة وأول الخيط وهو الإنذار فنحن نستنتج الباقي وهو التقوى لنصل إلى الرحمة: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}: وهذا كلام جديد؛ لأن قوم نوح هم أول قوم عُذّبوا حين لم يؤمنوا، وجاء سيدنا هود إلى عاد بعد ذلك، يبلّغهم وينذرهم ليأخذوا العبرة من نوح وقومه:
{وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (من الآية 69 سورة الأعراف): ويذكرهم سيدنا هود أن الحق قد أعطى لهم أجساما فارغة فيها بسطة وطول، ويقال: إن الطويل منهم كان يبلغ طوله مائة ذراع، والقصير منهم كان يبلغ طوله ستين ذراعا، ويأمرهم سيدنا هود أن يذكروا آلاء الله، أي نعمه عليهم، وأول النعم أن أرسل إليهم رسولا يأخذ بأيديهم إلى مناطق الخير. فماذا كان ردهم؟
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
ثمّ إنّ هوداً أشار في معرض الردّ على من تعجب من أن يبعث الله بشراً رسولاً إلى نفس مقولة نوح النّبي لقومه: (أو عجبتم أن جاءكم ذِكرٌ من ربّكم على رجل منكم لينذركم) أي هل تعجبون من أن يرسل الله رجلا من البشر نبيّاً، ليحذركم من مغبة أعمالكم، وما ينتظركم من العقوبات في مستقبلكم؟
ثمّ إنّه استثارة لعواطفهم الغافية، وإثارة لروح الشكر في نفوسهم، ذكر قسماً من النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم، فقال: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح)، فقد ورثتم الأرض بكل ما فيها من خيرات عظيمة بعد أن هلك قوم نوح بالطوفان بسبب طغيانهم وبادوا.
ولم تكن هذه هي النعمة الوحيدة، بل وهب لكم قوة جسدية عظيمة (وزادكم في الخلق بصطة).
إنّ جملة (زادكم في الخلق بصطة) يمكن أن تكون كما ذكرنا إشارة إلى قوة قوم عاد الجسدية المتفوقة، لأنّه يستفاد من آيات قرآنية عديدة، وكذا من التواريخ، أنّهم كانوا ذوي هياكل عظمية قوية وكبيرة، كما نقرأ ذلك من قولهم في سورة «فصلت» الآية 15 (من أشدّ منا قوة) وفي الآية (7) من سورة الحاقة نقرأ عند ذكر ما نزل بهم من البلاء بذنوبهم (فترى القوم فيها صرعى كأنّهم أعجاز نخل خاوية) حيث شبه جسومهم بجذوع النخل الساقطة على الأرض.
ويمكن أن تكون إشارة أيضاً إلى تعاظم ثروتهم وإمكانياتهم المالية، ومدنيتهم الظاهرية المتقدمة، كما يستفاد من آيات قرآنية وشواهد تاريخية أُخرى، ولكن الاحتمال الأوّل أنسب مع ظاهر الآية.
وفي خاتمة الآية يذكّر تلك الجماعة الأنانيّة بأن يتذكروا نعم الله لتستيقظ فيهم روح الشكر فيخضعوا لأوامره، علّهم يفلحون (فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون).
ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله ، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه ، أنكر عليهم ذلك ذاكراً لما ظنه حاملاً لهم ملوحاً بالعطف إلى التكذيب فقال : { أو عجبتم } أي أكذبتم وعجبتم { أن جاءكم ذكر } أي شرف وتذكير { من ربكم } أي الذي لم يقطع{[32519]} إحسانه عنكم{[32520]} قط ، منزلاً { على رجل منكم } أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما{[32521]} فاتكم شيء { لينذركم } أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة .
ولما كان التقدير : فاحذروا ، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيراً به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله : { واذكروا إذ } أي حين { جعلكم خلفاء } أي فيما أنتم فيه من الأرض ، ولما كان زمنهم متراخياً بعدهم ، أتى بالجار فقال : { من بعد قوم نوح } أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله { أو عجبتم } من طلب الجواب ، أي أجيبوا واذكروا ، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم ، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح ، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في{[32522]} { أفلا تتقون } ، { أو عجبتم } أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا ، أو يكون العطف - وهو أحسن على { اعبدوا الله } وقوله { خلفاء } قيل : إنه يقتضي أن يكونوا قاموا{[32523]} مقامهم ، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء{[32524]} الأرض ، وأن عاداً إنما كانوا في قطعة منها يسيرة و{[32525]}هي الشجرة{[32526]} من ناحية اليمن ، فقيل : إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض ، فكأنه قيل : جعل جدكم خليفة في جميع الأرض ، فلو حصل الشكر لتمت النعمة ، فأطيعوا يزدكم من فضله ، وقيل{[32527]} : إن{[32528]} قصة ثمود مثل ذلك ، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد ، فأجيب{[32529]} بما طرد{[32530]} ، وهو أن عاداً لما كانوا أقوى أهل الأرض أبداناً وأعظمهم أجساداً وأشدهم خلقاً وأشهرهم قبيلة وذكراً ، كان سائر{[32531]} الناس لهم تبعاً ، وكذا ثمود فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتاً ، وعندي أن السؤال من أصله لا يرد فإن بين قولنا : فلان{[32532]} خليفة فلان ، وفلان خليفة من بعد فلان - من الفرق ما لا يخفى ، فالمخلوف في الثاني لم يذكر ، فكأنه قيل : جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها ، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيراً بما حل بهم من العذاب ، ولهذا بعينه خص الله هذه{[32533]} الأمم التي وردت في القرآن بالذكر ، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار ، ومعلوم أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً }{[32534]} وفي قصة هود في سورة الأحقاف{ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه }{[32535]} ؛ وله سر آخر وهو{[32536]} أن هذه الأمم كان{[32537]} عند العرب كثير من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم ، وطوي عنهم من{[32538]} لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالاً لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم .
ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام ، أتبعه التذكير بالزيادة فقال : { وزادكم } أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم { في الخلق } أي الخاص بكم { بسطة } أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان ، قيل : كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً ، وقيل : أكثر .
ولما عظمت النعمة ، كرر عليهم التذكير فقال مسبباً عن ذلك { فاذكروا آلاء الله } أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما ، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلاً ، فصار مستحقاً لأن تخصوه بالعبادة { لعلكم تفلحون* } أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وهو ظفره بجميع مراده ، لأن الذكر موجب{[32539]} للشكر الموجب للزيادة .