جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
هذا جواب من الله تعالى القوم فيما سألوا نبيهم عيسى مسألة ربهم من إنزاله مائدة عليهم، فقال تعالى ذكره: إني منزلها عليكم أيها الحواريون فمطعمكموها. "فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ": فمن يجحد بعد إنزالها عليكم وإطعامكموها منكم رسالتي إليه وينكر نبوّة نبيي عيسى (صلى الله عليه وسلم) ويخالف طاعتي فيما أمرته ونهيته، فإني أعذّبه عذابا لا أعذّبه أحدا من عالمي زمانه. ففعل القوم، فجحدوا وكفروا بعد ما أنزلت عليهم -فيما ذكر لنا- فعذّبوا -فيما بلغنا- بأن مسخوا قردة وخنازير.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده، لِيَعْلَمَ السالكون أَنَّ المراد إذا حصل، وأَن الكرامة إذا تحققت فالخطر أشدُّ، والحالُ من الآفة أقربُ. وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان للإلهاب، أكد الجواب فقال: {إني منزلها عليكم} أي الآن بقدرتي الخاصة بي {فمن يكفر بعد} أي بعد إنزالها {منكم} وهذا السياق مشعر بأنه يحصل منهم كفر، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام، فألقى شبهه عليه، ولهذا خصه بهذا العذاب فقال: {فإني أعذبه} أي على سبيل البتّ والقطع {عذاباً لا أعذبه} أي مثله أبداً فيما يأتي من الزمان {أحداً من العالمين} وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قال الله إني منزلها عليكم}: وعد الله عيسى بتنزيلها عليهم مرة أو مرارا، ولكنه رتب على هذا الوعد شرطا أي شرط، فقال: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين (115)} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، مثل {إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر} [الكوثر: 1، 2] و المعنى أن من يكفر منهم بعد هذه الآية التي اقترحوها على الوجه الذي لا يحتمل الاشتباه ولا التأويل فإن الله تعالى يعذبه عذابا شديدا لا يعذب مثله أحدا من سائر كفار العالمين كلهم أو عالمي أمتهم الذين لم يعطوا مثل هذه الآية. وإنما يعاقب الخاطئ والكافر بقدر تأثير الخطيئة أو الكفر، والبعد فيه عن الشبهة والعذر، وما أعطي من موجبات الشكر، وأي شبهة أو عذر لمن يرى الآيات من رسوله ثم يقترح آية بينة على وجه مخصوص تشترك في العلم بها جميع حواسه، وينتفع بها في دنياه قبل آخرته، فيعطى ما طلب أو خيرا منه ثم ينكص بعد ذلك كله على عقبيه ويكون من الكافرين؟
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم؛ ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه.. لقد طلبوا خارقة. واستجاب الله. على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابا شديدا بالغا في شدته لا يعذبه أحدا من العالمين: (قال الله: إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم، فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين).. فهذا هو الجد اللائق بجلال الله؛ حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوا. وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع! وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة.. فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا، أو أن يكون في الآخرة...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وجملة {قال الله إنّي منزّلها} جواب دعاء عيسى، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة. وأكّد الخبر ب {إنّ} تحقيقاً للوعد. والمعنى إنّي منزّلها عليكم الآن، فهو استجابة وليس بوعد...
وقد وقفت قصّة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطُوي خبر ماذا حدث بعد نزولها لأنّه لا أثر له في المراد من القصّة، وهو العبرة بحال إيمان الحواريَّين وتعلّقهم بما يزيدهم يقيناً، وبقربهم إلى ربّهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم، وعلى ضراعة المسيح الدالّة على عبوديته، وعلى كرامته عند ربّه إذْ أجاب دعوته، وعلى سعة القدرة.
وأمّا تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه. وقد أكثر فيه المفسَّرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمّار بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً» الحديث. قال الترمذي: هذا الحديث رواه غير واحد عن عمّار بن ياسر موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً.
{ قال الله إني منزلها عليكم } أجابهم الله إلى ما طلبوا ، ونزلت المائدة عليها سمك وخبز ، وقيل : زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس : كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة .
{ فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا } عادة الله عز وجل عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته ، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير ، قال عبد الله بن عمر : " أشد الناس عذابا يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون " .
ولما كان ظاهر سؤالهم من{[28258]} الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب{[28259]} وإن كان للإلهاب ، أكد{[28260]} الجواب فقال : { إني منزلها عليكم } أي الآن بقدرتي الخاصة بي { فمن يكفر بعد } أي بعد إنزالها { منكم } وهذا السياق مشعر بأنه يحصل{[28261]} منهم كفر ، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام ، فألقى شبهه عليه ، ولهذا{[28262]} خصه بهذا العذاب فقال : { فإني أعذبه } أي على سبيل البتّ والقطع { عذاباً لا أعذبه } أي مثله أبداً فيما يأتي من الزمان { أحداً من العالمين * } وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات ، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب ، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومنَّ عليها به{[28263]} من حسن الاتباع ، وتحذير من كفران هذه النعم المعددة{[28264]} عليهم ، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها ؛ قال أبو حيان : وأحسن ما يقال فيه ما خرجه{[28265]} الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً ، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا ، فخانوا وادخروا{[28266]} ورفعوا{[28267]} لغد ، فمسخوا{[28268]} قردة وخنازير " انتهى . قلت : ثم{[28269]} صحح الترمذي وقفه على عمار وقال : لا نعلم{[28270]} للحديث المرفوع أصلاً ، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قِبَل الرأي ، ولا أعلم{[28271]} أحداً ذكر عماراً فيمن أخذ عن أهل الكتاب ، فهو مرفوع حكماً ، وهذا الخبر يؤكد{[28272]} أن الخبر في الآية على بابه ، فيدفع قول من قال : إنها لم تنزل ، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا : لا حاجة لنا بها ، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه ، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة ؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال : كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان ، فأقبلت تطلب{[28273]} من يصحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيت رجلاً من اليهود فقال : ما لك يا أم شريك ؟ قالت{[28274]} : أطلب رجلاً يصحبني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فتعالي فأنا{[28275]} أصحبك ، قالت : فانتظرني حتى أملأ سقائي ماءً ، قال : معي ماء{[28276]} {[28277]} ما لا تريدين{[28278]} ماءً ، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا ، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال : يا أم شريك ! تعالي إلى العشاء ! فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى ، ولا أستطيع أن{[28279]} آكل حتى أشرب ، فقال لها : لا أسقيك حتى تهودي{[28280]} ! فقالت : لا جزاك الله خيراً ! غربتني ومنعتني أن{[28281]} أحمل ماء ، فقال : لا والله لا{[28282]} أسقيك منه قطرة حتى تهودي ، فقالت : لا والله لا أتهود أبداً بعد إذ هداني الله للإسلام ؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته{[28283]} ووضعت رأسها على ركبته فنامت ، قالت : فما أيقظني إلا برد دلو{[28284]} قد وقع{[28285]} على جبيني{[28286]} ، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ، فشربت حتى رويت ، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته ، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء ، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال : يا أم شريك ! قلت : والله قد سقاني الله ، قال : من أين أنزل عليك ؟ من السماء ؟ قلت : نعم ، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصت عليه القصة ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها نفسها فقالت : يا رسول الله ! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت ، فزوجها زيداً وأمر لها بثلاثين صاعاً وقال : كلوا ولا تكيلوا ، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لجارية لها : بلغي{[28287]} هذه العكة رسول{[28288]} الله صلى الله عليه وسلم ، قولي : أم شريك تقرئك السلام ، وقولي : هذه عكة سمن أهديناها لك ، فانطلقت بها الجارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم{[28289]} فأخذوها ففرغوها ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : علقوها ولا توكوها ، فعلقوها في مكانها ، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمناً ، فقالت : يا فلانة{[28290]} ! أليس أمرتك أن{[28291]} تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالت : قد والله انطلقت بها كما قلت ، ثم أقبلت بها أضربها{[28292]} ما يقطر منها شيء ولكنه قال : علقوها ولا توكوها ، فعلقتها في مكانها ، وقد{[28293]} أوكتها أم شريك حين رأتها{[28294]} مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت ، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعاً لم ينقص منه شيء ، قال : وروي ذلك من وجه آخر ، ولحديثه{[28295]} شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه .
وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد ، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشاً شديداً ، قالت : فسمعت هفيفاً{[28296]} شديداً فوق رأسي ، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض ، فتناولته بيدي حتى استمسكت به{[28297]} ، قالت : فشربت منه حتى رويت ، قالت : فلقد أصوم بعد تلك الشربة{[28298]} في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة . قال{[28299]} : وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عيناً ، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم{[28300]} بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فذكر الحديث حتى قال : فابتاع خبيباً - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث{[28301]} بن عامر{[28302]} بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر{[28303]} يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيراً ، فأخبرني{[28304]} عبيد الله بن عياض{[28305]} أن ابنة الحارث{[28306]} قالت : والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر{[28307]} ، وكانت تقول : إنه لرزق{[28308]} من الله{[28309]} رزق خبيباً "