إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (115)

{ قَالَ الله } استئناف كما سبق { إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } ورودُ الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المُنْبئة عن التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمالِ اللطف والإحسان ، كما في قوله تعالى : { قُلِ الله يُنَجّيكُمْ منْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ } [ الأنعام ، الآية 64 ] الخ ، بعد قوله تعالى : { لئِنْ أنجانا مِنْ هذه } [ الأنعام ، الآية 63 ] الخ ، مع ما فيه من مراعاة ما وقعَ في عبارة السائلين ، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعلِ خبرِها اسماً ، تحقيقٌ للوعد وإيذان بأنه تعالى منجزٌ له لا محالة من غير صارفٍ يَثنيه ولا مانعٍ يَلويه ، وإشعارٌ بالاستمرار أي إني منزلُ المائدة عليكم مراتٍ كثيرة ، وقرئ بالتخفيف ، وقيل : الإنزالُ والتنزيلُ بمعنى واحد { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ } أي بعد تنزيلها { منكُمْ } متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل ( يكفرْ ) { فَإِنّي أُعَذّبُهُ } بسبب كفره بعد معاينة هذه الآيةِ الباهرة { عَذَاباً } اسم مصدرٍ بمعنى التعذيب ، وقيل : مصدر بحذف الزوائد ، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين ، وجَوَّز أن يكون الفعل مفعولاً به على الاتساع ، وقوله تعالى : { لا أُعَذّبُهُ } في محل النصب على أنه صفة لعذاباً ، والضمير له أي ( أعذبه ) تعذيباً لا أعذب مثل ذلك التعذيب { أَحَداً من العالمين } أي من عالَمِي زمانِهم أو من العالمين جميعاً ، قيل : لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضُهم ، فاستعفَوْا وقالوا : لا نريدها فلم تنزِلْ ، وبه قال مجاهدٌ والحسن رحمهما الله : والصحيحُ الذي عليه جماهيرُ الأمة ومشاهيرُ الأئمة أنها قد نزلت . روي ( أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأُجيب بما أجيب ، إذا بسفْرةٍ حمراءَ نزلت بين غمامتين ، غمامةٌ من فوقها وغمامةٌ من تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين ، اللهم اجعلها رحمةً للعالمين ، ولا تجعلها مُثْلةً وعقوبة ، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خيرِ الرازقين ، فإذا سَمَكةٌ مشوية بلا فلوس{[194]} ولا شَوْك تسيل دسَماً ، وعند رأسها مِلْحٌ وعند ذنبها خَلٌّ ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكُرَّاثَ ، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحد منها زيتونٌ ، وعلى الثاني عَسَلٌ ، وعلى الثالث سَمْنٌ ، وعلى الرابع جُبْنٌ ، وعلى الخامس قدَيدٌ ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريين : يا روحَ الله أمن طعام الدنيا أو من طعام الآخرة ؟ قال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقُدرة العالية ، كلوا ما سألتم واشكروا يُمدِدْكم الله ويزِدْكم من فضله ، فقالوا : يا روحَ الله لو أَرَيتَنا من هذه الآية آيةً أخرى ؟ فقال : يا سمكةُ احْيَيْ بإذنِ الله ، فاضطربت ، ثم قال لها : عُودي كما كنت ، فعادَتْ مشويةً ثم طارت المائدة ، ثم عَصَوا فمُسخوا قردةً وخنازيرَ ) . وقيل : كانت تأتيهم أربعين يوماً غِباً{[195]} ، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء ، والصغار والكبار ، يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظللها . ولم يأكل منها فقير إلا غَنِيَ مدةَ عُمُرِه ، ولا مريضٌ إلا برِئَ ولم يمرَضْ أبداً ، ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : أنِ اجعلْ مائدتي في الفقراء والمرضَى دون الأغنياء والأصحاء ، فاضطرب الناسُ لذلك فمُسِخَ منهم من مُسِخَ ، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْن في الطرقات والكُناسات{[196]} ، ويأكلون العَذِرة في الحُشوش{[197]} ، فلما رأى الناس ذلك فزِعوا إلى عيسى عليه السلام وبكَوُا الممسوخين ، فلما أبصرت الخنازيرُ عيسى عليه السلام بكتْ وجعلت تطيف به ، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحداً بعد واحد ، فيبكُون ويُشيرون برؤوسهم ، ولا يقدِرون على الكلام ، فعاشوا ثلاثةَ أيام ثم هلَكوا . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوماً ثم سَلوا الله ما شئتم يُعطِكم ، فصاموا فلما فرَغوا قالوا : إنا لو عمِلنا لأحدٍ فقضَيْنا عملَه لأطعَمَنا ، وسألوا الله تعالى المائدة ، فأقبلت الملائكةُ بمائدة يحمِلونها عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحواتٍ ، حتى وضعتْها بين أيديهم ، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل منها أولُهم . قال كعب : نزلت منكوسةً تطير بها الملائكةُ بين السماء والأرض ، عليها كلُّ الطعام إلا اللحمَ . وقال قتادة : كان عليها ثمرٌ من ثمار الجنة . وقال عطيةُ العوفي : نزلت من السماء سمكةٌ فيها طعمُ كل شيء . وقال الكلبي ومقاتل : نزلت سمكةٌ وخمسةُ أرغفةٍ فأكلوا ما شاء الله تعالى والناس ألفٌ ونيِّفٌ ، فلما رجعوا إلى قُراهم ونشروا الحديث ضحِك من لم يشهَدْ وقالوا : ويحكم إنما سحَر أعينَكم ، فمن أراد الله به الخيرَ ثبّته على بصيرة ، ومن أراد فتنته رجَع إلى كفره ، فمُسخوا خنازيرَ ، فمكثوا كذلك ثلاثةَ أيام ثم هلكوا لم يتوالدوا ، ولم يأكُلوا ولم يشربوا ، وكذلك كلُّ ممسوخ .


[194]:الفلوس: جمع فَلْس، وهو القشرة على ظهر السمكة.
[195]:أي في الحين بعد الحين، أو تأتيهم يوما وتغيب يوما.
[196]:الكناسة: القمامة، وموضع إلقائها.
[197]:العذرة: الغائط. والحشوش: جمع حشّ، وهو البستان في الأصل، ثم أطلق اسما على مكان التغوّط، إذ كانوا يتغوطون في البساتين القريبة من سكناهم.