تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ربنا إني أسكنت من ذريتي}، يعني إسماعيل ابني خاصة، {بواد غير ذي زرع}، يعني لا حرث فيها، ولا ماء، يعني مكة، {عند بيتك المحرم}، حرمه لئلا يستحل فيه ما لا يحل، فيها تقديم، {ربنا ليقيموا الصلاة}، يعني اجنبني وبني أن نعبد الأصنام، لكي يصلوا لك عند بيتك المحرم، ويعبدونك، {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}، يقول: اجعل قوما من الناس تهوي إليهم، يعني إلى إسماعيل وذريته، {وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ فيما ذُكِر مكة... فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذٍ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه.
وكان تحريمه إياه فيما ذُكر... عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: إن هذا البيت أوّل من وليه أناس مِن طسْم، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته، واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليهم أناس من جُرهمَ فعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليتموه معاشر قريش، فلا تعصوا ربه، ولا تستحلوا حرمته، ولا تستخفوا بحقه فوالله لصلاة فيه أحبّ إليّ من مئة صلاة بغيره، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك.
وقال:"إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ" ولم يأت بما وقع عليه الفعل، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة، أو رجلاً، أو قوما...
فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة "إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِك المُحَرّمِ "وقد رويتَ في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة؟ قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة، منها أن معناه: عند بيتك المحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان، ومنها: عند بيتك المحرّم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا البلد. وقوله: "المُحَرّمِ" على ما قاله قتادة معناه: المحرّم من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه.
وقوله: "رَبّنا لِيُقِيمُوا الصلاةَ" يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم.
وقوله: "فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ" يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام... وقوله: "وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثّمَرَاتِ" يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء. فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك...
وقوله: "لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ" يقول: ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ثم قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} هو دعاء بتعريض لا بتصريح. والدعاء بالتعريض، والسؤال بالكناية أبلغ من السؤال بالتصريح...
{عند بيتك المحرم} أي الممنوع... عن الخلق حتى لم يقدر أحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليه وإدخاله في منافع أنفسهم، بل هو ممنوع عنهم ما كان... ويحتمل قوله: {ربنا ليقيموا الصلاة} الصلاة نفسها وغيرها من الطاعات...
{فاجعل أفئدة من الناس} يحتمل سؤال ربه أن يجعل {أفئدة من الناس تهوي إليهم} وجهين:
أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان، لا ماء فيه، ولا نبات، ولا زرع، وفي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه، سأل ربه أن يجعل {أفئدة من الناس تهوي إليهم} ليأتوا ذلك المكان، فتذهب عنهم تلك الوحشة، فيستأنسوا بهم.
والثاني: سأله أن يجعل الناس تهوي إليهم ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطعمة، إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه ولا يتعيشون فيه به. وقد جعل الله تعالى بنية هذا البشر، إذ لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه ليتعيشوا بما يحمل إليهم...
وقوله تعالى: {وارزقهم من الثمرات} ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما به غذاؤهم وقوامهم...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي} تفزع، وقيل تشتاق {إِلَيْهِمْ} وهذا دعاء منه (عليه السلام) لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام...
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{مِن ذريتي} يريد بهم إسماعيل وهاجر أُمه. {بوادٍ غير ذي زرع} يعني مكة أسكنها في بطحائها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله وتوكلاً عليه. {عند بيتك المحرم} لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال. {ربّنا ليقيموا الصلاة} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة.
الثاني: أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة...
{وارزقهم من الثمرات}... يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: {إني أسكنت} وإنما رأى الرِّفقَ بهم في الجوارِ لا في المَبَارِّ قال: {عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} ثم قال: {لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ}: أي أسكنتُهم لإقامة حقِّكَ لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته. ثم قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوَى إِلَيْهِمْ} أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومي -ما بقوا- بكفايتك، {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ}: فإنَّ مَنْ قام بحقِّ الله أقام اللَّهُ بحقّه قَوْمَه، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين، وسكان ذلك البيت. ويقال قوله: {بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ}: أي أسكنتهُم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم، ولا تشتغل بشَيءٍ أفكارهم وأسرارُهم، فهم مطروحون ببَابِكَ، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعيتَهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ الله، وإنْ أقصيتَهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لا يكون فيه شيء من زرع قط... وقيل للبيت المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرّم على الطوفان أي منع منه...
{لِيُقِيمُواْ الصلاة} اللام متعلقة بأسكنت، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال: {غير ذي زرع}، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك...
وقوله: {عند بيتك المحرم} إما أن يكون البيت قد كان قديماً -على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم- وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون محرماً...
وجمعه الضمير في قوله: {ليقيموا} يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
{رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْت من ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ فِي طَرْحِ عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ بِأَرْضٍ مَضْيَعَةٍ اتِّكَالًا عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ إبْرَاهِيمَ، كَمَا تَقُولُ الْغُلَاةُ من الصُّوفِيَّةِ فِي حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ؛ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: آللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمَّا كَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ أَرَادَ تَأْسِيسَ الْحَالِ وَتَمْهِيدَ الْمَقَامِ، وَخَطَّ الْمَوْضِعَ لِلْبَيْتِ الْمُحَرَّمِ وَالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ، أَرْسَلَ الْمَلَكَ فَبَحَثَ بِالْمَاءِ، وَأَقَامَهُ مَقَامَ الْغِذَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ من تِلْكَ الْحَالِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)...
اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أمورا...: [منها] طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: {رب اجعل هذا البلد آمنا} والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به...
ثم قال: {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم}... هذا الدعاء جامع للدين والدنيا. أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى. وأما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، ويكثر طعامهم ولباسهم...
ثم قال: {وارزقهم من الثمرات}... لم يقل: وارزقهم الثمرات، بل قال: {وارزقهم من الثمرات} وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم. [و] يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها.
ثم قال: {لعلهم يشكرون} وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى؟ ربنا ليقيموا الصلاة؟ أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه...
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
{ربنا ليقيموا الصلاة}.. تكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما دعا بدرء المفاسد الناشئة من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح، فقال: {ربنا} أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية {إني أسكنت} وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: {من ذريتي} وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه -لكونه على وجه لا يسمح به أحد- لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه راغب فيه {بواد} هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول {غير ذي زرع}. ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت -كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد، فقال: {عند بيتك المحرم} أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك... {ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش، تسبب عنه قوله: {فاجعل أفئدة} أي قلوباً محترقة بالأشواق {من الناس} أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها {تهوي} أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال: {إليهم} ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: {وارزقهم} أي على يد من يهوي إليهم {من الثمرات} أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: {لعلهم يشكرون} أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان...
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
... وفي دعائه عليه السلام من مراعاة حسنِ الأدبِ والمحافظة على قوانين الضَّراعةِ وعرضِ الحاجة واستنزالِ الرحمةِ واستجلابِ الرأفة ما لا يخفى، فإنه عليه السلام بذكر كونِ الوادي غيرَ ذي زرعٍ بيّن كمالَ افتقارِهم إلى المسؤول، وبذكر كونِ إسكانِهم عند البيت المحرم أشار إلى أن جِوارَ الكريم يستوجب إفاضةَ النعيم، وبعرض كونِ ذلك الإسكانِ مع كمال إعوازِ مرافقِ المعاش لمحض إقامةِ الصلاةِ وأداء حقوقِ البيت مهّد جميعَ مبادي إجابةِ السؤال، ولذلك قُرنت دعوتُه عليه السلام بحُسنِ القبول...
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
{ربنا ليقيموا الصلاة} أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ويعمروه بذكرك وعبادتك. {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} أي فاجعل قلوب بعض الناس محترقة شوقا إليهم...
وفي هذا إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وتحصيل الطاعات، وفي دعائه عليه السلام مراعاة للأدب والمحافظة على الضراعة وعرض الحاجة واجتلاب الرأفة...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فأجاب الله دعاءه... وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام.. إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة لله. ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض.. إنه شكر الله المنعم الوهاب...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمحرم: الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم، وبما شاهدوه من هلكة من يريد فيه بإلحاد بظلم. وما أصحاب الفيل منهم ببعيد...
محبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
كان دعاء إبراهيم عليه السلام بضمير المتكلم {واجنبني وبني} وذلك في العبادة، أما في طلب الرزق فقد طلبه بضمير الجمع فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم}؛ لأن الرزق يطلبه المخلص ليعم لا ليخص فهو يطلبه باسمه وباسم ذريته، ويعم مؤمنهم وكافرهم، كما قال تعالى منبها إبراهيم إلى أن يطلب لمن آمن ومن كفر، فقد قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} [البقرة 126]...
وفي هذا إشارة إلى أن المشركين من ذرية إبراهيم قد انحرفوا به عن غايته عندما أحاطوا بالأوثان التي هدمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة على صاحبها أفضل السلام وأتم التسليم...
... ما يثير العجب والدهشة، فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد، نتيجة أن كل البيئات تُصدّر بعضا من إنتاجها إلى مكة. وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموّ الحضاري والعقول المُفكّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{رَّبَّنَآ إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، لا من أجل الحصول على مكاسب دنيوية مادية أو معنوية، لأن الأرض لا توفر الفرصة لذلك، {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ} ليعمّروا البيت الحرام بالعبادة، وليعلّموا الناس مناسكهم، فيألف الناس من خلالهم الحج إلى هذا البيت استجابةً لنداء إبراهيم الصادر من الله إليه. وهكذا كان ترك النبي إبراهيم أهله هناك دون أيّة رعايةٍ مادّيةٍ مباشرةٍ، ليكونوا الأسرة الأولى التي تمثل قاعدة الحج للبيت الحرام، وكان ذهابه إلى أرض أخرى من أجل إكمال رسالته الشاملة لكل الناس تضحية رسالية من قبله، {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ} وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض، لتكون قاعدة تجاريةً وثقافية، بالإضافة إلى كونها قاعدةً روحيةً تدفع الناس للمجيء إليها طلباً للرزق، {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} التي تحصل من خلال توارد الناس وتكاثر الوفود، ليطمئنوا إلى رعاية الله لهم، جزاءً لإخلاصهم وطاعتهم، وليعرفوا موقع نعمة الله عليهم، {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فيزدادون عبادةً لله وإخلاصاً له، من موقع الشكر العملي المتجسِّد في حركة الحياة المؤمنة المخلصة...
الأولى : روى البخاري عن ابن عباس :( أول ما اتخذ النساء المِنْطَق من قِبَل أم إسماعيل ، اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هنالك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفَّى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس{[9530]} ولا شيء ، فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند التثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات ، ورفع يديه فقال : " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع " [ إبراهيم : 37 ] حتى بلغ " يشكرون " وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلَوَّى - أو قال يَتَلَبَّطُ{[9531]} - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي ، رفعت طرف دِرْعِهَا ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ، ثم جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليه ، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فذلك سعي الناس بينهما ) فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت : صه ! تريد نفسها ، ثم تسَمَّعَتْ فسمعت أيضا فقالت : قد أسمعت ، إن كان عندك غَوَاث{[9532]} ! فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول{[9533]} بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم - أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا ) قال : فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله ) وذكر الحديث بطوله .
مسألة : لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم ، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل ، كما تقول غلاة الصوفية في حقيقة التوكل ، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله الحديث : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة ، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة ، وترك ابنه وأمته هنالك وركب منصرفا من يومه ، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى ، فلما ولى دعا بضمن هذه الآية .
الثانية : لما أراد الله تأسيس الحال ، وتمهيد المقام ، وخط الموضع للبيت المكرم ، والبلد المحرم ، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء ، وفي الصحيح : أن أبا ذر رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة ، قال أبو ذر : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عُكَني{[9534]} ، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع{[9535]} ، وذكر الحديث . وروي الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ماء زمزم لما شرب له إن شربته تشتفي به شفاك الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ظمئك قطعه وهي هزمة{[9536]} جبريل وسقيا الله إسماعيل ) . وروي أيضا عن عكرمة قال : كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال : اللهم إني أسألك علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وشفاء من كل داء . قال ابن العربي : وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته ، وسلمت طويته ، ولم يكن به مكذبا ، ولا يشربه مجربا ، فإن الله مع المتوكلين ، وهو يفضح المجربين . وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال : دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني ، فجعلت أعتصر{[9537]} حتى آذاني ، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام ، وذلك أيام الحج ، فذكرت هذا الحديث ، فدخلت زمزم فتضلعت{[9538]} منه ، فذهب عني إلى الصباح . وروي عن عبد الله بن عمرو : إن في زمزم عينا في الجنة من قبل الركن .
الثالثة : قوله تعالى : " ومن ذريتي " " من " في قوله تعالى : " من ذريتي " للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي ، يعني إسماعيل وأمه ؛ لأن إسحاق كان بالشام . وقيل : هي صلة ، أي أسكنت ذريتي .
الرابعة : قوله تعالى : " عند بيتك المحرم " يدل على أن البيت كان قديما على ما روي قبل الطوفان ، وقد مضى هذا المعنى في سورة " البقرة " {[9539]} . أضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره ، ووصفه بأنه محرم ، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال . وقيل : محرم على الجبابرة ، وأن تنتهك حرمته ، ويستخف بحقه ، قاله قتادة وغيره . وقد مضى القول في هذا في " المائدة{[9540]} " .
الخامسة : قوله تعالى : " ربنا ليقيموا الصلاة " خصها من جملة الدين لفضلها فيه ، ومكانها منه ، وهي عهد اله عند العباد ، قال صلى الله عليه وسلم : ( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ) . الحديث . واللام في " ليقيموا الصلاة " لام كي ، هذا هو الظاهر فيها وتكون متعلقة ب " أسكنت " ويصح أن تكون لام أمر ، كأنه رغب إلى الله أن يأتمنهم{[9541]} وأن يوفقهم لإقامة الصلاة .
السادسة : تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ؛ لأن معنى " ربنا ليقيموا الصلاة " أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه . وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فذهب عامة أهل الأثر إلى أن المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة ، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة مسجدي هذا بمائة صلاة " . قال الإمام الحافظ أبو عمر : وأسند هذا الحديث حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير وجوَّده ، ولم يخلط في لفظه ولا في معناه ، وكان ثقة . قال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : حبيب المعلم ثقة . وذكر عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول : حبيب المعلم ثقة ما أصح حديثه ! وسئل أبو زرعة الرازي عن حبيب المعلم فقال : بصري ثقة .
قلت : وقد خرج حديث حبيب المعلم هذا عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم التميمي البستي في المسند الصحيح له ، فالحديث صحيح وهو الحجة عند التنازع والاختلاف . والحمد لله . قال أبو عمر : وقد روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث ابن الزبير ؛ رواه موسى الجهني عن نافع عن ابن عمرو ، وموسى الجهني الكوفي{[9542]} ثقة ، أثنى عليه القطان وأحمد ويحيى وجماعتهم . وروى عنه شعبة . والثوري ويحيى بن سعيد . وروى حكيم بن سيف ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيمن سواه ) . وحكيم بن سيف هذا شيخ من أهل الرقة قد روى عنه أبو زرعة الرازي ، وأخذ عنه ابن وضاح ، وهو عندهم شيخ صدوق لا بأس به . فإن كان حفظ{[9543]} فهما حديثان ، وإلا فالقول قول حبيب المعلم . وروى محمد بن وضاح ، حدثنا يوسف بن عدي عن عمر بن عبيد عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل ) . قال أبو عمر : وهذا كله نص في موضع الخلاف قاطع له عند من ألهم رشده ، ولم تمل به عصبيته . وذكر ابن حبيب عن مطرف وعن أصبغ عن ابن وهب أنهما كانا يذهبان إلى تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على ما في هذا الباب . وقد اتفق مالك وسائر العلماء على أن صلاة العيدين يبرز لهما في كل بلد إلا مكة فإنها تصلي في المسجد الحرام . وكان عمر وعلي وابن مسعود وأبو الدرداء وجابر يفضلون مكة ومسجدها وهم أولى بالتقليد ممن بعدهم ، وإلى هذا ذهب الشافعي . وهو قول عطاء والمكيين والكوفيين ، وروي مثله عن مالك ، ذكر ابن وهب في جامعه عن مالك أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض قال : يا رب هذه أحب إليك أن تعبد فيها ؟ قال : بل مكة . والمشهور عنه وعن أهل المدينة تفضيل المدينة ، واختلف أهل البصرة والبغداديون في ذلك ، فطائفة تقول مكة ، وطائفة تقول المدينة .
قوله تعالى : " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " الأفئدة جمع فؤاد وهي القلوب ، وقد يعبر عن القلب بالفؤاد كما قال الشاعر :
وإن فؤاداً قادني بِصَبَابَةٍ *** إليكِ على طول المدى لصبُورُ
وقيل : جمع وفد ، والأصل أوفدة ، فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء كما هي ، فكأنه قال : واجعل وفودا من الناس تهوي إليهم ، أي تنزع ، يقال : هوي نحوه إذا مال ، وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها في هواء بئر ، وقوله : " تهوي إليهم " مأخوذ منه . قال ابن عباس ومجاهد : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند واليهود والنصارى والمجوس ، ولكن قال : " من الناس " فهم المسلمون ، فقوله : " تهوي إليهم " أي تحن إليهم ، وتحن إلى زيارة البيت . وقرأ مجاهد " تهوَى إليهم{[9544]} " أي تهواهم وتجلهم . " وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " فاستجاب الله دعاءه ، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار ، وبما يجلب إليهم من الأمصار . وفي صحيح البخاري عن ابن عباس الحديث الطويل وقد ذكرنا بعضه : ( فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألهم عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بشر ، نحن في ضيق وشدة ، فشكت إليه ، قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه ، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئا{[9545]} فقال : هل جاءكم من أحد ! قالت : نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشتنا فأخبرته أنا في جهد وشدة ، قال فهل أوصاك بشيء : قالت : أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غير عتبة بابك ، قال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك ألحقي بأهلك ، فطلقها وتزوج منهم أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده ، ودخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله . قال ما طعامكم ؟ قالت : اللحم . قال فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم دعا لهم فيه ) . قال : فهما لا يخلو عليهما{[9546]} أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه ، وذكر الحديث . وقال ابن عباس : قول إبراهيم " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " سأل أن يجعل الله الناس يهوون السكنى بمكة ، فيصير بيتا محرما ، وكل ذلك كان والحمد لله . وأول من سكنه جرهم . ففي البخاري - بعد قوله : وإن الله لا يضيع أهله - وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله ، وكذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم قافلين من طريق كذا ، فنزلوا بأسفل مكة ، فرأوا طائرا عَاِئفًا{[9547]} فقالوا : إن هذا الطائر ليدور على ماء ! لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جَرِيًّا{[9548]} أو جَرِيَّيْنِ فإذا هم بالماء ، فأخبروهم بالماء فأقبلوا . قال : وأم إسماعيل عند الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم . قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فألفى{[9549]} ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ) فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، شب الغلام ، وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته ، الحديث .