الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (67)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال سبحانه: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا}، يعني بالثمرات؛ لأنها جماعة ثمر، يعني بالسكر: ما حرم من الشراب، مما يسكرون من ثمره، يعني: النخيل والأعناب،

{ورزقا حسنا}، يعني: طيبا...

ثم قال سبحانه: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}، يعني: فيما ذكر من اللبن والثمار، لعبرة لقوم يعقلون.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ولكم أيضا أيها الناسُ عِبرةٌ، فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، ما "تَتّخِذُونَ منه سَكَرا، ورِزْقا حَسَنا"، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم...

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا}؛ فقال بعضهم: عني بالسّكَر: الخمرُ، وبالرزق الحسن: التمرُ والزبيبُ، وقال: إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حُرّمت بعد... عن ابن عباس، قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا} قال: السّكَر: ما حُرّم من شرابه، والرزق الحسن: ما أحلّ من ثمرته...

عن إبراهيم، في قوله: {تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا}، قال: هي منسوخة، نسخها تحريم الخمر...

وقال آخرون: السّكَر بمنزلة الخمر في التحريم، وليس بخمر، وقالوا: هي نقيع التمر والزبيب، إذا اشتدّ وصار يسكر شاربه... قال ابن عباس: كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر، والسكر حرام مثل الخمر، وأما الحلال منه: فالزبيب والتمر والخل، ونحوه...

وقال آخرون: "السّكَر ": هو كلّ ما كان حلالاً شربه، كالنبيذ الحلال، والخلّ والرطَب. و "الرزق الحسن ": التمر والزبيب... عن الشعبيّ، قال: السّكَر: النبيذ، والرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل.

وعلى هذا التأويل، الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت.

وهذا التأويل عندي، هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية، وذلك أن السكر في كلام العرب، على أحد أوجه أربعة: أحدها: ما أسكر من الشراب. والثاني: ما طُعِم من الطعام... والثالث: السّكُون... والرابع: المصدر، من قولهم: سَكِرَ فلان، يَسْكَرُ سُكْرا وسَكْرا وسَكَرا. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ما يُسْكِر من الشراب حراما، بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى: «لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام»، وكان غير جائز لنا أن نقول: هو منسوخ، إذ كان المنسوخ هو: ما نَفَى حكمه الناسخ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السّكَر الذي هو غير الخمر، وغير ما يسكر من الشراب، حرام، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب، ومن نزل بلسانه القرآن هو: كلّ ما طعم، ولم يكن مع ذلك، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول، ولا أجمعت عليه الأمة، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السّكَرَ في هذا الموضع: هو كلّ ما حلّ شربه، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب، وخرج من أن يكون معناه السّكَر نفسه، إذ كان السّكَر ليس مما يتخذ من النّخْل والكَرْم، ومن أن يكون بمعنى: السكون.

وقوله: {إنّ فِي ذلكَ لآية لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، يقول: فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس، من الأنعام والنخل والكرم؛ لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه، ويفهمون عنه مواعظه فيتعظون بها.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم قال "ومن ثمرات"، وهو جمع ثمرة، وهو ما يطعمه الشجر مما فيه اللذة، والثمرة خاصة طعم الشجر مما فيه اللذة...

وقوله "يتخذون منه سكرا ورزقا حسنا"...

خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها، فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم، وتركتم ما هو رزق حسن. وأما وجه المنة فبالأمرين معا ثابتة، لأن ما أباحه وأحله فالمنة به ظاهرة لتعجل الانتفاع به، وما حرمه الله فوجه المنة أيضا ظاهر به، لأنه إذا حرم علينا، وأوجب الامتناع منه، ضمن في مقابلته الثواب، الذي هو أعظم النعم، فهو نعمة على كل حال...

وقوله "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون"، معناه: إن فيما ذكره دلالة ظاهرة، للذين يعقلون عن الله، ويتفهمون ويفكرون فيه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

تقديره: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً؛ لأنهم يأكلون بعضها، ويتخذون من بعضها السكر...

وفيه وجهان:

أحدهما: أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها: الشعبي والنخعي.

والثاني: أن يجمع بين العتاب والمنة...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

ولما كان مفتتح الكلام: وأن لكم في الأنعام لعبرة، ناسب الختم بقوله: يعقلون، لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول...

وانظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة من الناس، أخبر عن نفسه تعالى بقوله:"نسقيكم". ولما كان السكر والرزق الحسن يحتاج إلى معالجة قال: "تتخذون"، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق، ولأمر ما عجزت العرب العرباء عن معارضته...

ولما ذكر تعالى المنة بالمشروب اللبن وغيره، أتم النعمة بذكر عسل النحل...

ولما كانت المشروبات من اللبن وغيره هو الغالب في الناس أكثر من العسل، قدم اللبن وغيره عليه، وقدم اللبن على ما بعده لأنه المحتاج إليه كثيراً وهو الدليل على الفطرة. ولذلك اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم حين أسري به، وعرض عليه اللبن والخمر والعسل، وجاء ترتيبها في الجنة لهذه الآية قال تعالى: {وأنهاراً من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم عطف عليه ما هو أنفس منه عندهم، وأقرب إليه في المعاني المذكورة، فقال تعالى معلقاً ب "نسقيكم "{ومن ثمرات النخيل والأعناب}.

ولما كان لهم مدخل في اتخاذ ما ذكر منه، بخلاف اللبن الذي لا صنع لهم فيه أصلاً، أسند الأمر إليهم، وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر، وتوطئة للنهي عنه، في قوله مستأنفاً: {تتخذون}، أي: باصطناع منكم وعلاج، ولأجل استئناف هذه الجملة، كان لا بد من قوله: {منه}، أي: من مائه، وعبر عن السكر بالمصدر، إبلاغاً في تقبيحه، وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين، وهو المحرك، يقال: سكر سكْراً وسكَراً مثل رشد رشْداً ورشَداً، ونحل نحْلاً ونحَلاً، فقال تعالى: {سكراً}، أي: ذا سكر، منشّياً، مطرباً، سادّاً لمجاري العقل، قبيحاً غير مستحسن للرزق. {ورزقاً حسناً}، لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل، من الخل والدبس وغيرهما، ولا يسد شيئاً من المجاري، بل ربما فتحها، كالحلال الطيب، فإنه ينير القلب، ويوسع العقل، والأدهان كلها تفتح سدد البدن، وهذا كما منحكم سبحانه العقل، الذي لا أحسن منه، فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية، وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك؛ قال الرماني: قيل: السكر: ما حرم من الشراب، والرزق الحسن: ما أحل منه -عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، والشعبي، وأبي رزين، والحسن، ومجاهد، وقتادة، رضي الله عنهم. والسكر في اللغة على أربعة أوجه: الأول: ما أسكر. الثاني: ما أطعم من الطعام. الثالث: السكون. الرابع: المصدر من سكر، وأصله انسداد المجاري، مما يلقى فيها، ومنه السكر- يعني بكسر ثم سكون، ومن حمل السكر على السكر قال: إنها منسوخة بآية المائدة، والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري، يفهم كراهته عندما كان حلالاً... ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار، جمعهما سبحانه فقال تعالى: {إن في ذلك}، أي: الأمر العظيم من هذه المنافع، {لآية}، ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ووحدانيته، قال تعالى: {لقوم يعقلون}.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هذه الثمرات المنبثقة عن الحياة التي بثها الماء النازل من السماء. تتخذون منه سكرا [والسكر الخمر ولم تكن حرمت بعد] ورزقا حسنا. والنص يلمح إلى أن الرزق الحسن غير الخمر وأن الخمر ليست رزقا حسنا، وفي هذا توطئة لما جاء بعد من تحريمها، وإنما كان يصف الواقع في ذلك الوقت من اتخاذهم الخمر من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيه نص بحلها، بل فيه توطئة لتحريمها (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون).. فيدركون أن من يصنع هذا الرزق هو الذي يستحق العبودية له وهو الله.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على جملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة} [سورة النحل: 66].

ووجود {من} في صدر الكلام يدلّ على تقدير فعل يدلّ عليه الفعل الذي في الجملة قبلها وهو {نسقيكم} [النحل: 66]. فالتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. وليس متعلقاً ب {تتخذون}، كما دلّ على ذلك وجود (من) الثانية في قوله: {تتخذون منه سكراً} المانع من اعتبار تعلّق {من ثمرات النخيل} ب {تتخذون}، فإن نظم الكلام يدل على قصد المتكلم ولا يصحّ جعله متعلقاً ب {تتخذون} مقدماً عليه، لأنه يبعد المعنى عن الامتنان بلطف الله تعالى إذ جعل نفسه الساقي للناس.

وهذا عطف منّة على منّة، لأن {نسقيكم} وقع بياناً لجملة {وإن لكم في الأنعام لعبرة}.

ومفاد فعل {نسقيكم} مفاد الامتنان لأن السقي مزية. وكلتا العِبرتين في السقي. والمناسبةُ أن كلتيهما ماء وأن كلتيهما يضغط باليد، وقد أطلق العرب الحَلْب على عصير الخمر والنبيذ...

ويشير إلى كونهما عبرتين من نوع متقارب جَعْل التذييل بقوله تعالى: {إن في ذلك لآية} عقب ذكر السقيين دون أن يُذيّل سقي الألبان بكونه آية، فالعبرة في خلق تلك الثمار صالحة للعصر والاختمار، ومشتملة على منافع للناس ولذّات. وقد دلّ على ذلك قوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون}. فهذا مرتبط بما تقدم من العبرة بخلق النبات والثمرات من قوله تعالى: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل} [سورة النحل: 11] الآية.

وجملة {تتخذون منه سكراً} الخ في موضع الحال.

و (من) في الموضعين ابتدائية، فالأولى متعلّقة بفعل {نسقيكم} المقدر، والثانية متعلقة بفعل {تتخذون}. وليست الثانية تبعيضية، لأن السكر ليس بعض الثمرات، فمعنى الابتداء ينتظم كلا الحرفين.

والسكر بفتحتين: الشراب المُسْكِر.

وهذا امتنان بما فيه لذّتهم المرغوبة لديهم والمتفشّية فيهم (وذلك قبل تحريم الخمر لأن هذه الآية مكّية وتحريم الخمر نزل بالمدينة) فالامتنان حينئذٍ بمباح.

والرزق: الطعام، ووصف ب {حسناً} لما فيه من المنافع، وذلك التمر والعنب لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين ويابسين قابلان للادخار، ومن أحوال عصير العنب أن يصير خلاً ورُبّاً.

وجملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} تكرير لتعداد الآية لأنها آية مستقلة.

والقول في جملة {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} مثل قوله آنفاً: {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} [سورة النحل: 65]. والإشارة إلى جميع ما ذكر من نعمة سقي الألبان وسقي السكر وطعم الثمر.

واختير وصف العقل هنا لأن دلالة تكوين ألبان الأنعام على حكمة الله تعالى يحتاج إلى تدبّر فيما وصفته الآية هنا، وليس هو ببديهي كدلالة المطر كما تقدم.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ} (67)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل " ، قال الطبري : التقدير : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون ، فحذف " ما " ، ودل على حذفه قوله : " منه " . وقيل : المحذوف شيء ، والأمر قريب . وقيل : معنى " منه " ، أي : من المذكور ، فلا يكون في الكلام حذف ، وهو أولى . ويجوز أن يكون قوله : " ومن ثمرات " ، عطفا على " الأنعام " ، أي : ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة . ويجوز أن يكون معطوفا على " مما " ، أي : ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات .

الثانية : قوله تعالى : " سكرا " ، السكر : ما يسكر ، هذا هو المشهور في اللغة . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر . وأراد بالسكر : الخمر ، وبالرزق الحسن : جميع ما يؤكل ويشرب ، حلالا من هاتين الشجرتين . وقال بهذا القول ابن جبير ، والنخعي ، والشعبي ، وأبو ثور . وقد قيل : إن السكر : الخل ، بلغة الحبشة ، والرزق الحسن : الطعام . وقيل : السكر : العصير الحلو الحلال ، وسمي سكرا ؛ لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي ، فإذا بلغ الإسكار ، حرم . قال ابن العربي : أسَدُ هذه الأقوال ، قول ابن عباس . ويخرج ذلك على أحد معنيين ، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر ، وإما أن يكون المعنى : أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب ، تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم ، وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم . والصحيح : أن ذلك كان قبل تحريم الخمر ، فتكون منسوخة ، فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء ، وتحريم الخمر مدني .

قلت : فعلى أن السكر : الخمر أو العصير الحلو ، لا نسخ ، وتكون الآية محكمة ، وهو : حسن . قال ابن عباس : الحبشة يسمون الخل : السكر ، إلا أن الجمهور على أن السكر : الخمر ، منهم ابن مسعود ، وابن عمر ، وأبو رزين ، والحسن ، ومجاهد ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم ، كلهم قالوا : السكر : ما حرمه الله من ثمرتيهما . وكذا قال أهل اللغة : السكر : اسم للخمر ، وما يسكر ، وأنشدوا :

بئس الصُّحاة وبئس الشَّرْبُ شَرْبُهم *** إذا جرى فيهم المُزَّاء والسَّكَر

والرزق الحسن : ما أحله الله من ثمرتيهما . وقيل : إن قوله " تتخذون منه سكرا " ، خبر معناه الاستفهام ، بمعنى : الإنكار ، أي : أتتخذون منه سكرا ، وتدعون رزقا حسنا ، الخل والزبيب والتمر ، كقوله : " فهم الخالدون{[9937]} " [ الأنبياء : 34 ] ، أي : أفهم الخالدون . والله أعلم . وقال أبو عبيدة : السكر : الطعم ، يقال : هذا سَكَر لك ، أي : طعم . وأنشد :

جَعَلَتْ عيبَ الأكرمينَ سَكَرَا

أي : جعلت ذمهم طعما . وهذا اختيار الطبري ، أن السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه ، من ثمار النخيل والأعناب ، وهو الرزق الحسن ، فاللفظ مختلف ، والمعنى واحد ، مثل " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " {[9938]} [ يوسف : 86 ] ، وهذا حسن ولا نسخ . إلا أن الزجاج قال : قول أبي عبيدة هذا لا يعرف ، وأهل التفسير على خلافه ، ولا حجة له في البيت الذي أنشده ؛ لأن معناه عند غيره ، أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس . وقال الحنفيون : المراد بقوله : " سكرا " ، ما لا يسكر من الأنبذة ، والدليل عليه : أن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك ، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز ، وعضدوا هذا من السنة ، بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( حرم الله الخمر بعينها ، والسكر من غيرها ) . وبما رواه عبد الملك بن نافع عن ابن عمر قال : رأيت رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند الركن ، ودفع إليه القدح ، فرفعه إلى فيه فوجده شديدا ، فرده إلى صاحبه ، فقال له حينئذ رجل من القوم : يا رسول الله ، أحرام هو ؟ فقال : ( علي بالرجل ) ، فأتي به ، فأخذ منه القدح ، ثم دعا بماء فصبه فيه ، ثم رفعه إلى فيه فقطب ، ثم دعا بماء أيضا فصبه فيه ثم قال : ( إذا اغتلمت{[9939]} عليكم هذه الأوعية ، فاكسروا متونها بالماء ) . وروي أنه عليه السلام كان ينبذ له ، فيشربه ذلك اليوم ، فإذا كان من اليوم الثاني أو الثالث ، سقاه الخادم إذا تغير ، ولو كان حراما ما سقاه إياه . قال الطحاوي : وقد روى أبو عون الثقفي ، عن عبدالله بن شداد ، عن ابن عباس ، قال : حرمت الخمر بعينها ، القليل منها والكثير ، والسكر من كل شراب . خرجه الدارقطني أيضا . ففي هذا الحديث وما كان مثله ، أن غير الخمر لم تحرم عينه ، كما حرمت الخمر بعينها . قالوا : والخمر ، شراب العنب ، لا خلاف فيها ، ومن حجتهم أيضا : ما رواه شريك بن عبد الله ، حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر بن الخطاب : إنا نأكل لحوم هذه الإبل ، وليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ . قال شريك : ورأيت الثوري يشرب النبيذ ، في بيت حبر أهل زمانه ، مالك بن مغول . والجواب : أن قولهم : إن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده ، ولا يكون امتنانه إلا بما أحل ، فصحيح ، بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر ، كما بيناه فيكون منسوخا ، كما قدمناه . قال ابن العربي : إن قيل كيف ينسخ هذا ، وهو خبر ، والخبر لا يدخله النسخ ، قلنا : هذا كلام من لم يتحقق الشريعة ، وقد بينا أن الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي ، أو عن إعطاء ثواب فضلا من الله ، فهو الذي لا يدخله النسخ ، فأما إذا تضمن الخبر حكما شرعيا ، فالأحكام تتبدل وتنسخ ، جاءت بخبر أو أمر ، ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ ، وإنما يرجع إلى ما تضمنه ، فإذا فهمتم هذا ، خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله : " وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون{[9940]} " [ النحل : 101 ] . المعنى : أنهم جهلوا أن الرب يأمر بما يشاء ، ويكلف ما يشاء ، ويرفع من ذلك بعدل ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ، وعنده أم الكتاب .

قلت : هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار ، والمسألة أصولية ، وهي : أن الأخبار عن الأحكام الشرعية ، هل يجوز نسخها أم لا ؟ اختلف في ذلك ، والصحيح : جوازه لهذه الآية ، وما كان مثلها ؛ ولأن الخبر عن مشروعية حكم ما يتضمن طلب ذلك المشروع ، وذلك الطلب هو الحكم الشرعي الذي يستدل على نسخه . والله أعلم .

وأما ما ذكروا من الأحاديث ، فالأول والثاني ضعيفان ؛ لأنه عليه السلام قد روي عنه بالنقل الثابت أنه قال : ( كل شراب أسكر ، فهو حرام ) وقال : ( كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ) وقال : ( ما أسكر كثيره ، فقليله حرام ) . قال النسائي : وهؤلاء أهل الثبت والعدالة مشهورون بصحة النقل ، وعبد الملك لا يقوم مقام واحد منهم ، ولو عاضده من أشكاله جماعة ، وبالله التوفيق . وأما الثالث : وإن كان صحيحا ، فإنه ما كان يسقيه للخادم على أنه مسكر ، وإنما كان يسقيه ؛ لأنه متغير الرائحة . وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن توجد منه الرائحة ، فلذلك لم يشربه ، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زبيب ، بأن قيل له : إنا نجد منك ريح مغافير ، يعني : ريحا منكرة ، فلم يشربه بعد . وسيأتي في التحريم{[9941]} . وأما حديث ابن عباس ، فقد روي عنه خلاف ذلك ، من رواية عطاء وطاوس ومجاهد ، أنه قال : ما أسكر كثيره ، فقليله حرام . ورواه عنه قيس بن دينار . وكذلك فتياه في المسكر ، قاله الدارقطني . والحديث الأول رواه عنه عبد الله بن شداد ، وقد خالفه الجماعة ، فسقط القول به ، مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما ما روي عن عمر من قوله : ليس يقطعه في بطوننا إلا النبيذ ، فإنه يريد غير المسكر ، بدليل ما ذكرنا . وقد روى النسائي عن عتبة بن فرقد قال : كان النبيذ الذي شربه عمر بن الخطاب ، قد خلل . قال النسائي : ومما يدل على صحة هذا ، حديث السائب ، قال الحارث بن مسكين قراءة عليه ، وأنا أسمع عن ابن القاسم : حدثني مالك عن ابن شهاب ، عن السائب بن يزيد ، أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال : إني وجدت من فلان ريح شراب ، فزعم أنه شراب الطلاء ، وأنا سائل عما شرب ، فإن كان مسكرا جلدته ، فجلده عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد تاما . وقد قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما بعد ، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة : من العنب ، والعسل ، والتمر ، والحنطة ، والشعير .

والخمر : ما خامر العقل . وقد تقدم في " المائدة " {[9942]} .

فإن قيل : فقد أحل شربه إبراهيم النخعي ، وأبو جعفر الطحاوي ، وكان إمام أهل زمانه . وكان سفيان الثوري يشربه . قلنا : ذكر النسائي في كتابه : أن أول من أحل المسكر من الأنبذة ، إبراهيم النخعي ، وهذه زلة من عالم ، وقد حذرنا من زلة العالم ، ولا حجة في قول أحد مع السنة{[9943]} . وذكر النسائي أيضا عن ابن المبارك قال : ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحا إلا عن إبراهيم . قال أبو أسامة : ما رأيت رجلا أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك ، الشامات{[9944]} ومصر واليمن والحجاز . وأما الطحاوي وسفيان لو صح ذلك عنهما ، لم يحتج بهما على من خالفهما من الأئمة في تحريم المسكر ، مع ما ثبت من السنة ، على أن الطحاوي قد ذكر في كتابه الكبير : في الاختلاف خلاف ذلك . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد له : قال أبو جعفر الطحاوي : اتفقت الأمة على أن عصير العنب ، إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد ، فهو : خمر ، ومستحله : كافر . واختلفوا في نقيع التمر ، إذا غلى وأسكر . قال : فهذا يدلك على أن حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنب ) ، غير معمول به عندهم ؛ لأنهم لو قبلوا الحديث ، لكفروا مستحل نقيع التمر ، فثبت أنه لم يدخل في الخمر المحرمة ، غير عصير العنب ، الذي قد اشتد ، وبلغ أن يسكر . قال : ثم لا يخلو من أن يكون التحريم معلقا بها فقط ، غير مقيس عليها غيرها ، أو يجب القياس عليها ، فوجدناهم جميعا قد قاسوا عليها : نقيع التمر إذا غلى وأسكر كثيره ، وكذلك نقيع الزبيب . قال : فوجب قياسا على ذلك : أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة . قال : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ( كل مسكر حرام ) ، واستغنى عن مسنده لقبول الجميع له ، وإنما الخلاف بينهم في تأويله ، فقال بعضهم : أراد به جنس ما يسكر . وقال بعضهم : أراد به ما يقع السكر عنده ، كما لا يسمى قاتلا إلا مع وجود القتل .

قلت : فهذا يدل على أنه محرم عند الطحاوي لقوله ، فوجب قياسا على ذلك : أن يحرم كل ما أسكر من الأشربة . وقد روى الدارقطني في سننه ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : إن الله لم يحرم الخمر لاسمها ، وإنما حرمها لعاقبتها ، فكل شراب يكون عاقبته ، كعاقبة الخمر ، فهو : حرام كتحريم الخمر . قال ابن المنذر : وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة ، وإذا اختلف الناس في الشيء ، وجب رد ذلك إلى كتاب الله ، وسنة رسوله عليه السلام . وما روي عن بعض التابعين أنه شرب الشراب الذي يسكر كثيره ، فللقوم ذنوب يستغفرون الله منها ، وليس يخلو ذلك من أحد معنيين : إما مخطئ أخطأ ، في التأويل على حديث سمعه ، أو رجل أتى ذنبا ، لعله أن يكثر من الاستغفار لله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم حجة الله على الأولين والآخرين من هذه الأمة . وقد قيل في تأويل الآية : إنها إنما ذكرت للاعتبار ، أي : من قدر على خلق هذه الأشياء ، قادر على البعث ، وهذا الاعتبار لا يختلف بأن كانت الخمر حلالا أو حراما ، فاتخاذ السكر ، لا يدل على التحريم ، وهو كما قال تعالى : " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس{[9945]} " [ البقرة : 219 ] . والله أعلم .


[9937]:راجع ج 11 ص 287.
[9938]:راجع ج 9 ص 251.
[9939]:الاغتلام مجاوزة الحد، أي إذا جاوزت حدها الذي لا يسكر إلى حدها الذي يسكر.
[9940]:راجع ص 176 من هذا الجزء.
[9941]:راجع ج 18 ص 177.
[9942]:راجع ج 6 ص 285.
[9943]:لعل ما يشربه النخعي وهو إمام- ليس من النبيذ المسكر فإن منه ما لم يبلغ حد الإسكار.
[9944]:في حاشية السندي على سنن النسائي: "قوله الشامات" كأنه جمع على إرادة البلاد الشامية".
[9945]:راجع ج 3 ص 51.