الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ} (72)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا}، يقول: بعضكم من بعض،

{وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة}، يعني بالبنين: الصغار، والحفدة: الكفار، يحفدون أباهم بالخدمة، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يخدمهم أولادهم، قال عز وجل: {ورزقكم من الطيبات}، يعني الحب والعسل ونحوه، وجعل رزق غيركم من الدواب والطير لا يشبه أرزاقكم في الطيب والحسن،

{أفبالباطل يؤمنون}، يعني: أفبالشيطان يصدقون بأن مع الله عز وجل شريكا،

{وبنعمت الله}، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف،

{هم يكفرون}، بتوحيد الله، أفلا يؤمنون برب هذه النعم فيوحدونه.

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{بنين وحفدة} [النحل: 72].

- ابن رشد: قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول في تفسير قوله عز وجل: {بنين وحفدة}: قال: الحفدة: الخدام والتباع.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَاللّهُ الذي جَعَلَ لَكُمْ أيها الناس مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا"، يعني: أنه خلق آدم زوجته حوّاء، "وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزواجكم بنين وحَفَدةً"...

واختلف أهل التأويل في المعنيين بالحفدة؛

فقال بعضهم: هم: الأختان، أختان الرجل على بناته... عن ابن عباس، قوله: {وحَفَدَةً}، قال: الأصهار...

وقال آخرون: هم أعوان الرجل وخدمه...

وقال آخرون: هم ولد الرجل وولد ولده... عن ابن عباس، قال: بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك...

وقال آخرون: هم بنو امرأة الرجل من غيره...

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفَهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً}، فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحَفدة، والحفَدة في كلام العرب: جمع حافد، كما الكذبة: جمع كاذب، والفسَقة: جمع فاسق. والحافد في كلامهم: هو المتخفّف في الخدمة والعمل، والحَفْد: خفة العمل يقال: مرّ البعير يحَفِدُ حفَدَانا: إذا مرّ يُسرع في سيره. ومنه قولهم: «إليك نسعى ونَحْفِدُ»: أي: نسرع إلى العمل بطاعتك... وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان الله تعالى ذكره أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دلّ بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكلّ ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاصّ من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. وإذا كان ذلك كذلك فلكلّ الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا، وجه في الصحة ومَخْرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بيّنا من الدليل.

وقوله: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطّيّباتِ}، يقول: ورزقكم من حلال المعاش والأرزاق والأقوات.

{أفَبالباطِلِ يُؤْمِنُونَ}، يقول تعالى ذكره: يحرّم عليهم أولياء الشيطان من البحائر والسوائب والوصائل، فيصدّق هؤلاء المشركون بالله.

{وَبِنِعْمَةِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}، يقول: وبما أحلّ الله لهم من ذلك، وأنعم عليهم بإحلاله، {يَكْفُرُونَ}، يقول: ينكرون تحليله، ويجحدون أن يكون الله أحلّه.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس، ذكره الله تعالى ليستدل به على وجود الإله المختار الحكيم، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم...

{وبنعمة الله هم يكفرون} والمراد منه أنهم يحرمون على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة والسائبة والوصيلة ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم: وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب، يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة، وبإنعام الله في تحليل الطيبات، وتحريم الخبيثات يجحدون...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ذكر الخلق والرزق، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما، اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى: {والله}، أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم، {جعل لكم}، ولما كان الأزواج من الجنس، قال: {من أنفسكم}؛ لأن الشيء آلف لنوعه، وأقرب إلى جنسه، {أزواجاً}، أي: تتوالدون بها، ويحبون السكون إليها سبباً لبقاء نوعكم، {وجعل لكم}، أي: أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! {من أزواجكم بنين}، ولعله قدمهم للشرف؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال: {وحفدة}، أي: من البنات، والبنين، وأولادهم، والأصهار، والأختان، جمع حافد، يخفّون في أعمالكم، ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان، وهو الصواب؛ لأن مادة حفد، تدور على الإسراع والخفة...

ولما ذكر ذلك سبحانه، أتبع ما لا يطيب العيش إلا به، فقال تعالى: {ورزقكم}، أي: لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في الجنة، بعّض فقال: {من الطيبات}، بجعله ملائماً للطباع، شهياً للأرواح، نافعاً للإشباع، فعلم من هذا قطعاً أن صاحب هذه الأفعال، هو المختص بالجلال، ومن أنكر شيئاً من حقه فقد ضل أبعد الضلال، فكيف بمن أنكر خيره، وعبد غيره، وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود، فلذلك تسبب عنه قوله معرضاً عن خطابهم إعراض المغضب: {أفبالباطل}، أي: من الأصنام، وما جعلوا لهم من النصيب، {يؤمنون}، أي: على سبيل التجديد والاستمرار، {وبنعمت الله}، أي: الملك الأعظم، {هم}، وله عليهم خاصة -غير ما يشاركون فيه الناس- من المنن ما له: {يكفرون}، حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة، والوصيلة، والحامي، وغيرها لأصنامهم، وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه، ومتضمن لنسبتها إلى غيره؛ لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه، ولا يحل التصرف في مال المالك إلا بإذنه؛

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد، وتبدأ بتقرير الصلة الحية بين الجنسين... (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فهن من أنفسكم، شطر منكم، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن!...

(وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية...

ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين... أفبالباطل يؤمنون؟ وما عدا الله باطل، وهذه الآلهة المدعاة، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له، ولا حق فيه. وبنعمة الله هم يكفرون، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على التي قبلها، وهو استدلال ببديع الصنع في خلق النسل إذ جعل مقارناً للتأنّس بين الزوجين، إذ جعل النسل منهما ولم يجعله مفارقاً لأحد الأبوين أو كليهما...

وجعل النسل معروفاً متصلاً بأصوله بما ألهمه الإنسان من داعية حفظ النسب، فهي من الآيات على انفراده تعالى بالوحدانية كما قال تعالى في سورة الروم (21): {ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} فجعلها آية تنطوي على آيات، ويتضمّن ذلك الصنع نعماً كثيرة، كما أشار إليه قوله تعالى: {وبنعمت الله هم يكفرون}...

وهذه نعمة إذ جعل قرين الإنسان متكوّناً من نوعه، ولو لم يجعل له ذلك لاضطُرّ الإنسان إلى طلب التأنّس بنوع آخر فلم يحصل التأنّس بذلك للزوجين. وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا يدركها غيره من الأنواع. وليس من قوام ماهيّة النّعمة أن ينفرد بها المنعم عليه...

والوصف بالزوج يؤذن بملازمته لآخر، فلذا سمّي بالزوج قرين المرأة وقرينةُ الرجل. وهذه نعمة اختصّ بها الإنسان إذ ألهمه الله جعل قرين له وجبله على نظام محبّة وغيرة لا يسمَحان له بإهمال زوجه كما تُهمل العجماوات إناثها وتنصرف إناثها عن ذكورها...

وجعل البنين للإنسان نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى، لأن بها تحقّق كونهم أبناءه بالنسبة للذكر ودوام اتّصالهم به بالنّسبة، ووجود المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم...

و {من} الداخلة على {أزواجكم} للابتداء، أي جعل لكم بنين منحدرين من أزواجكم...

وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلاً ولا يَشعر بالبنوّة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبَة من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرّة العائلة، قال تعالى: {فبشرّناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [سورة هود: 71]. وقد عملت من} الابتدائية في {حفدة} بواسطة حرف العطف لأن الابتداء يكون مباشرة وبواسطة...

وجملة {ورزقكم من الطيبات} معطوفة على جملة {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} وما بعدها، لمناسبة ما في الجمل المعطوف عليها من تضمّن المنّة بنعمة أفراد العائلة، فإن من مكمّلاتها سعة الرزق، كما قال تعالى في آل عمران {زيّن للناس حبّ الشّهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} [سورة النحل: 14] الآية...

ثم الرزق يجوز أن يكون مراداً منه المال كما في قوله تعالى في قصة قارون: {وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} [سورة القصص: 82]. وهذا هو الظاهر وهو الموافق لما في الآية المذكورة آنفاً. ويجوز أن يكون المراد منه إعطاء المأكولات الطيّبة، كما في قوله تعالى: {وجد عندها رزقاً} [سورة آل عمران: 37] و {من} تبعيضية...

و {الطيبات}: صفة لموصوف محذوف دلّ عليه فعل رزقكم، أي الأرزاق الطيّبات... والطِيبُ: أصله النزاهة وحسن الرائحة، ثم استعمل في الملائم الخالص من النّكد، قال تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} [سورة النحل: 97]. واستعمل في الصالح من نوعه كقوله تعالى: {والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه} في سورة الأعراف (58). ومنه قوله تعالى: {الذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين} [سورة النحل: 32] وقد تقدم آنفاً...

فالطيّبات هنا الأرزاق الواسعة المحبوبة للناس كما ذكر في الآية في سورة آل عمران؛ أو المطعومات والمشروبات اللذيذة الصالحة...

والباطل: ضد الحقّ لأن ما لا يخلق لا يُعبد بحقّ...

وضمير الغيبة في قوله تعالى: {هم يكفرون} ضمير فصل لتأكيد الحكم بكفرانهم النّعمة لأن كفران النّعمة أخفى من الإيمان بالباطل، لأن الكفران يتعلّق بحالات القلب، فاجتمع في هذه الجملة تأكيدان: التأكيد الذي أفاده التقديم، والتأكيد الذي أفاده ضمير الفصل...

وفي الجمع بين {يؤمنون} و {يكفرون} محسنّ بديع الطباق...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

هذا بيان الخلق والتناسل، وأنه من الزوجين، وأن الله جعل الزوج من الزوج، كما قال تعالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (1)} [النساء]، وقوله تعالى: {جعل لكم من أنفسكم}، أي خلق لكم من ذات أنفسكم أزواجا، فتضمنت معنى الخلق، وصيرورتها زوجا، كما في قوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها (189)} [الأعراف]...

وإن هذه الآية وما يماثلها من الآيات تدل على أن الزوجة خلقت من ذات الزوج ونفسه، وأنهما أصل الوجود الإنساني وأن عمران الأرض ابتدأ بالأسرة، والأسرة هي وحدة الجماعة الإنسانية، واللبنة الأولى في بنانه، وقد ابتدأ بالأسرة ومنها تتوالد الأسر فقال سبحانه: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة}... وإنه سبحانه وقد عمر الكون الإنساني بهذا التناسل الذي باركه رب العالمين فلم يخرجهم إلى الوجود غير مرزوقين محرومين، بل خلق معهم أرزاقهم، {ورزقكم من الطيبات}، و {من} هنا بيانية، والمعنى رزقكم الطيبات، والطيبات هي الأطعمة والزينة واللبس، والكسب الحلال، كما قال تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق... (32)} [الأعراف] والطيبات هي غير الخبائث، وهي الأمور المقززة التي تعافها النفس كالميتة والدم ولحم الخنزير، كما قال الله تعالى في وصف النبي الأمي في بشارة التوراة والإنجيل به: {...الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليه الخبائث... (157)} [الأعراف]...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ} (72)

قوله تعالى : " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا " ، جعل بمعنى : خلق ، " من أنفسكم أزواجا " ، يعني : آدم خلق منه حواء . وقيل : المعنى : جعل لكم من أنفسكم ، أي : من جنسكم ونوعكم وعلى خلقتكم ، كما قال : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم{[9969]} " [ التوبة : 128 ] ، أي من الآدميين . وفي هذا رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوَّج الجن وتباضعها ، حتى روي أن عمرو بن هند{[9970]} تزوج منهم غولا ، وكان يخبؤها عن البرق لئلا تراه فتنفر ، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة{[9971]} ، فقالت : عمرو ونفرت ، فلم يرها أبدا . وهذا من أكاذيبها ، وإن كان جائزا في حكم الله وحكمته ، فهو رد على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن ويحيلون طعامهم . " أزواجا " ، زوج الرجل هي ثانيته ، فإنه فرد ، فإذا انضافت إليه كانا زوجين ، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها ؛ لأنه أصلها في الوجود كما تقدم .

قوله تعالى :{ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ، فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وجعل لكم من أزواجكم بنين " ، ظاهر في تعديد النعمة في الأبناء ، ووجود الأبناء يكون منهما معا ، ولكنه لما كان خلق المولود فيها وانفصاله عنها أضيف إليها ، ولذلك تبعها في الرق والحرية وصار مثلها في المالية . قال ابن العربي : سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبا الوفاء علي بن عقيل يقول : إنما تبع الولد الأم في المالية وصار بحكمها في الرق والحرية ؛ لأنه انفصل عن الأب نطفة لا قيمة له ولا مالية فيه ولا منفعة ، وإنما اكتسب ما اكتسب بها ومنها فلأجل ذلك تبعها . كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل وسقطت منه نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة ، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل ، بإجماع من الأمة ؛ لأنها انفصلت عن الآكل ولا قيمة لها .

الثانية : قوله تعالى : " وحفدة " ، روى ابن القاسم عن مالك ، قال وسألته عن قوله تعالى : " بنين وحفدة " ، قال : الحفدة : الخدم والأعوان في رأيي . وروي عن ابن عباس في قوله تعالى : " وحفدة " ، قال هم الأعوان ، من أعانك فقد حفدك . قيل له : فهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، وتقول أو ما سمعت قول الشاعر :

حَفَد الولائدُ حولهن وأسلمت *** بأكفهن أزِمَّةَ الأَجْمَالِ

أي : أسرعن الخدمة . والولائد : الخدم ، الواحدة وليدة ، قال الأعشى :

كلفتُ مجهولَها نوقًا يمانيَة *** إذا الحُدَاةُ على أكسائها حَفَدُوا{[9972]}

أي : أسرعوا . وقال ابن عرفة : الحفدة : عند العرب الأعوان ، فكل من عمل عملا أطاع فيه وسارع ، فهو : حافد ، قال : ومنه قولهم إليك نسعى ونحفد ، والحفدان : السرعة . قال أبو عبيد : الحفد : العمل والخدمة . وقال الخليل بن أحمد : الحفدة : عند العرب الخدم ، وقاله مجاهد . وقال الأزهري : قيل : الحفدة : أولاد الأولاد . وروي عن ابن عباس . وقيل : الأختان ، قاله ابن مسعود وعلقمة وأبو الضحاك وسعيد بن جبير وإبراهيم ؛ ومنه قول الشاعر{[9973]} :

فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت *** لها حَفَدٌ ما يُعَدُّ كثيرُ

ولكنها نفسٌ عليّ أبيَّةٌ *** عَيُوفٌ لإصهار{[9974]} اللئام قذورُ

وروى زر عن عبدالله قال : الحفدة : الأصهار ، وقاله إبراهيم ، والمعنى متقارب . قال الأصمعي : الختن : من كان من قبل المرأة ، مثل أبيها وأخيها وما أشبههما ، والأصهار منها جميعا . يقال : أصهر فلان إلى بني فلان وصاهر . وقول عبد الله هم الأختان ، يحتمل المعنيين جميعا . يحتمل : أن يكون أراد أبا المرأة وما أشبهه من أقربائها ، ويحتمل أن يكون أراد وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوجونهن ، فيكون لكم بسببهن أختان . وقال عكرمة : الحفدة : من نفع الرجال من ولده ، وأصله : من حفد يحفد - بفتح العين في الماضي ، وكسرها في المستقبل - إذا أسرع في سيره ، كما قال كثير{[9975]} :

حَفد الولائد بينهن . . . البيت

ويقال : حفدت وأحفدت ، لغتان إذا خدمت . ويقال : حافد وحفد ، مثل خادم وخدم ، وحافد وحفدة ، مثل كافر وكفرة . قال المهدوي : ومن جعل الحفدة الخدم ، جعله منقطعا مما قبله ينوي به التقديم ، كأنه قال : جعل لكم حفدة ، وجعل لكم من أزواجكم بنين .

قلت : ما قال الأزهري : من أن الحفدة أولاد الأولاد ، هو ظاهر القرآن بل نصه ، ألا ترى أنه قال : " وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة " ، فجعل الحفدة والبنين منهن . وقال ابن العربي : الأظهر عندي في قوله : " بنين وحفدة " ، أن البنين أولاد الرجل لصلبه ، والحفدة أولاد ولده ، وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا ، ويكون تقدير الآية على هذا : وجعل لكم من أزواجكم بنين ، ومن البنين حفدة . وقال معناه الحسن .

الثالثة : إذا فرعنا على قول مجاهد وابن عباس ومالك وعلماء اللغة ، في قولهم إن الحفدة الخدم والأعوان ، فقد خرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان ، قاله ابن العربي . روى البخاري وغيره ، عن سهل بن سعد ، أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه ، فكانت امرأته خادمهم . . . الحديث ، وقد تقدم في سورة " هود " {[9976]} . وفي الصحيح عن عائشة قالت : أنا فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي . الحديث . ولهذا قال علماؤنا : عليها أن تفرش الفراش ، وتطبخ القدر ، وتقم الدار ، بحسب حالها وعادة مثلها ، قال الله تعالى : " وجعل منها زوجها ليسكن إليها{[9977]} " [ الأعراف : 189 ] ، فكأنه جمع لنا فيها السكن ، والاستمتاع ، وضربا من الخدمة ، بحسب جري العادة .

الرابعة : ويخدم الرجل زوجته فيما خف من الخدمة ويعينها ، لما روته عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج . وهذا قول مالك : ويعينها . وفي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصف النعل ، ويقم البيت ، ويخيط الثوب . وقالت عائشة ، وقد قيل لها : ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت : كان بشرا من البشر يفلي{[9978]} ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه .

الخامسة : وينفق على خادمة واحدة ، وقيل على أكثر ، على قدر الثروة والمنزلة . وهذا أمر دائر على العرف ، الذي هو أصل من أصول الشريعة ، فإن نساء الأعراب ، وسكان البوادي ، يخدمن أزواجهن في استعذاب الماء وسياسة الدواب ، ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجته فيما خف ويعينها ، وأما أهل الثروة فيخدمون{[9979]} أزواجهن ، ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ذلك ، فإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك ، فتشهد أنه قد عرف أنها ممن لا تخدم نفسها فالتزم إخدامها ، فينفذ ذلك وتنقطع الدعوى فيه .

قوله تعالى : " ورزقكم من الطيبات " ، أي : من الثمار والحبوب والحيوان . " أفبالباطل " ، يعني : الأصنام ، قاله ابن عباس . " يؤمنون " ، قراءة الجمهور بالياء . وقرأ أبو عبد الرحمن بالتاء . " وبنعمة الله " ، أي : بالإسلام . " هم يكفرون " .


[9969]:راجع ج 8 ص 301.
[9970]:كذا في نسخ الأصول وأحكام القرآن لابن العربي، والصواب أنه عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن مناة، قال علياء بن أرقم: يا قبح الله بني السعلاة *** عمرو بن يربوع شرار النات راجع شرح التنوير على سقط الزند في شرح بين أبي العلاء المعري: إذا لاح إيماض سترت وجوهها *** كأني عمرو والمطي سعالي
[9971]:السعلاة: أخبث الغيلان.
[9972]:الأكساء: جمع كسي (بالضم) وهو مؤخر العجز.
[9973]:هو جميل.
[9974]:في البحر: لأصحاب.
[9975]:تقدم استشهاد ابن عباس به فلا يصح أن يكون لكثير عزة.
[9976]:راجع ج 9 ص 68.
[9977]:راجع ج 7 ص 337.
[9978]:يفلي ثوبه مما يناله من بعض الجلساء؛ لأن عنصره صلوات الله عليه في غاية الصفا والنقاء الخالص.
[9979]:كذا في ابن العربي والعبارة له.