تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ قال موسى لفتاه}، يوشع بن نون... {لا أبرح}، يعني: لا أزال أطلب الخضر... {حتى أبلغ مجمع البحرين}...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عز ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد إذ قال موسى بن عمران لفتاه يوشع:"لا أَبْرَحُ" يقول: لا أزال أسير "حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْن."...
وقوله: "أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا "يقول: أو أسير زمانا ودهرا...
وذكر بعض أهل العلم بكلام العرب، أن الحقب في لغة قيس: سنة، فأما أهل التأويل فإنهم يقولون في ذلك ما أنا ذاكره، وهو أنهم اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو ثمانون سنة... وقال آخرون: هو سبعون سنة... عن ابن عباس، قوله: "أوْ أمْضِيَ حُقُبا" قال: دهرا.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال أهل التأويل: {لا أبرح} أي لا أزال حتى أبلغ كذا. فإن كان على هذا فهو ظاهر، ولا حرف البراح عن المكان، أي لا أبرح المكان {حتى أبلغ مجمع البحرين} وهو كأنه على الإضمار، أي لا أبرح أسير معك حتى أبلغ كذا... وقال بعضهم: سماه فتى لأنه كان خادمه يخدمه. وقال بعضهم: سماه فتى لأنه يتبعه ويصحبه، ليتعلم منه العلم. وقوله تعالى: {مجمع البحرين} أي: ملتقى البحرين.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
لِفَتَاهُ... وهو اسمُ كرامةٍ لا اسمُ علامةٍ...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... فإن قلت: {لا أَبْرَحُ} إن كان بمعنى لا أزول -من برح المكان- فقد دلّ على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بدّ من الخبر، قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر؛ لأنّ الحال والكلام معاً يدلان عليه. أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر. وأمّا الكلام فلأن قوله: {حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين} غاية مضروبة وتستدعي ما هي غاية له، فلا بدّ أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان. ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام... {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً} أو أسير زماناً طويلاً...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {وإذ قال موسى} الآية ابتداء قصة ليست من الكلام الأول، المعنى: اذكر واتل، و {موسى} هو موسى بن عمران بمقتضى الأحاديث والتواريخ وبظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران ولو كان في هذه الآية غيره لبينه،... و «الفتي» في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتياناً، قيل للخادم فتى، على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي»، فهذا اندب إلى التواضع، و «الفتى» في الآية هو الخادم،...
الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :
وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أن موسى عليه السلام جَلَسَ يَوْماً في مَجْلِسٍ لَبني إِسْرَائيلَ، وخَطَبَ، فأَبْلَغَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، دُلَّنِي عَلَى السَّبِيلِ إِلى لقيه، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ بطُوِلِ سَيْفِ البَحْرِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإِذَا فَقَدَ الحُوتَ، فإِنَّهُ هُنَالِكَ، وأُمِرَ أَنْ يَتَزَوَّدَ حُوتاً، وَيَرْتَقِبَ زَوَالَهُ عَنْهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وَقَالَ لِفَتَاهُ على جِهَةِ إِمْضَاءِ العَزِيمَةِ: لاَ أَبْرَحُ أَسِيرُ، أي: لاَ أَزَالُ، وإِنما قال هذه المقالَةَ، وهو سائرٌ...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، فلكل شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السلام وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعداً للقائه، ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق الدال على البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السلام من أنه -وهو كليم الله- أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن لم يخبركم فليس بنبي "الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئاً أن من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام خفي عليه جميع ما فعله الخضر عليه السلام، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه السلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين "ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر "
وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعاً للخضر عليه السلام، تكذيباً لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه السلام في وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتاً وحسداً" لو كان نبياً ما قال: أخبركم غداً، وتأخر عن ذلك "بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهما السلام، فقال تعالى عاطفاً على قوله سبحانه {وإذ قلنا للملائكة}: {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال موسى} أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ذلك الحين {لفتاه} يوشع بن نون عليهما السلام: {لا أبرح} أي لا أزال سائراً في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله -كما دل عليه ما يأتي {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، فتعينت البداءة به فألقاه ثَمّ {أو أمضي حقباً} إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعداً لي في لقائه...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
قصة موسى مع الخضر: هذه الحلقة من سيرة موسى -عليه السلام- لا تذكر في القرآن كله إلا في هذا الموضع من هذه السورة. والقرآن لا يحدد المكان الذي وقعت فيه إلا بأنه (مجمع البحرين) ولا يحدد التاريخ الذي وقعت فيه من حياة موسى، هل كان ذلك وهو في مصر قبل خروجه ببني إسرائيل أم بعد خروجه بهم منها؟ ومتى بعد الخروج: قبل أن يذهب بهم إلى الأرض المقدسة، أم بعد ما ذهب بهم إليها فوقفوا حيالها لا يدخلون لأن فيها قوما جبارين؟ أم بعد ذهابهم في التيه، مفرقين مبددين؟ كذلك لا يذكر القرآن شيئا عن العبد الصالح الذي لقيه موسى. من هو؟ ما اسمه؟ هل هو نبي أو رسول؟ أم عالم؟ أم ولي؟ وهناك روايات كثيرة عن ابن عباس وعن غيره في هذه القصة. ونحن نقف عند نصوص القصة في القرآن. لنعيش "في ظلال القرآن "ونعتقد أن لعرضها في القرآن على النحو الذي عرضت به، دون زيادة، ودون تحديد للمكان والزمان والأسماء، حكمة خاصة. فنقف نحن عند النص القرآني نتملاه.. (وإذ قال موسى لفتاه: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا).. والأرجح -والله أعلم- أنه مجمع البحرين: بحر الروم وبحر القلزم. أي البحر الأبيض والبحر الأحمر.. ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح. أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر. فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر. وعلى أي فقد تركها القرآن مجملة فنكتفي بهذه الإشارة. ونفهم من سياق القصة فيما بعد -أنه كان لموسى- عليه السلام -هدف من رحلته هذه التي اعتزمها، وأنه كان يقصد من ورائها أمرا، فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول. وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله: (أو أمضي حقبا) والحقب قيل عام، وقيل ثمانون عاما. على أية حال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه التحديد...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وفي سَوْقِ هذه القصة تعريضٌ بأهل الكتاب بأن الأَوْلَى لهم أن يَدُلّوا الناس على أخبار أنبياء إسرائيل وعلى سَفَرٍ لأجل تحصيل العلم والحكمة لا سفرٍ لأجل بَسْط الملك والسلطان...
فجملة {وإذ قال موسى} معطوفة على جملة {وإذ قلنا للملائكة} [الكهف: 50] عطف القصة على القصة. والتقدير: واذكرْ إذ قال موسى لفتاه، أي اذكرْ ذلك الزمن وما جرى فيه. وناسَبها تقديرُ فِعل "اذْكُر "لأن في هذه القصة موعظةً وذكرى كما في قصة خَلْق آدم...
واستُعير {لا أَبْرَحُ} لِمعنى: لا أَتْرُكُ، أو لا أكُفُّ عن السَّير حتى أبلغ مجمع البحرين... ومَجْمَع البحرين لا ينبغي أن يُختَلَف في أنه مكانٌ من أرض فلسطين. والأظهَر أنه مصبُّ نهر الأردن في بحيرة طبرية فإنه النهر العظيم الذي يمر بجانب الأرض التي نزل بها موسى عليه السلام وقومه. وكانت تسمى عند الإسرائيليين بحر الجليل...
والخضر: اسم رجل صالح... {أو أمضي}... المقصود بحرف الترديد تأكيد مُضِيِّه زمناً يتحقق فيه الوصول إلى مجمع البحرين. فالمعنى: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين بِسَيْرٍ قريب أو أسير أزماناً طويلة فإني بالِغ مجمع البحرين لا محالة، وكأنه أراد بهذا تأييس فتاه من محاولة رجوعهما، كما دَلّ عليه قوله بعدُ {لقد لَقِينا من سفرنا هذا نَصَباً} [الكهف: 62]. أو أراد شَحْذَ عزيمةِ فتاه ليُساويَه في صحة العزم حتى يكونا على عزْمٍ متّحِدٍ...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
هذه قصة غريبة في طبيعتها، إذ تشتمل على حوادث غير مألوفة، كرجوع الحوت إلى الحياة، واتباع موسى النبي المرسل إلى الناس عبداً صالحاً عالماً، ليتعلم منه ما يملكه من علم بواطن الأشياء التي لم يعلّمها الله لموسى (عليه السلام)، وصرامة هذا العالم الصالح في حالة الانضباط الذي يجب أن يفرضه موسى على نفسه، بالصبر وترك السؤال في الأمور التي يحاول فيها إثارة فضوله بأعلى الدرجات، في ما لا يمكن الصبر عليه، لا لغرابته، بل لمخالفته للقوانين المألوفة في شريعة موسى (عليه السلام). ثم يحسم الأمر مع موسى (عليه السلام)، فيصر على مفارقته لأنه لم يلتزم بما شرطه عليه من الصبر القاسي، بعد أن يفسر له ما أبهم عليه من القضايا المثيرة للفضول. أسئلة تثار حول القصة وربما كانت هذه القصة مثيرةً لأكثر من سؤالٍ على مستوى التفاصيل العقيدية لما يجب أن تكون شخصية النبي. فكيف يمكن أن يكون النبي موسى (عليه السلام) محتاجاً إلى التعلم من شخص آخر، مع أن الفكرة المطروحة لدى الكثيرين أن النبي لا بد من أن يكون أعلم الناس، لا سيما في القضايا المتصلة بالجوانب العملية التي تتحرك فيها الرسالة؟ وكيف نفسر نسيان موسى (عليه السلام) للحوت، أمام الفكرة التي تقول إن النبي معصوم عن الخطأ والنسيان، حتى في القضايا الحياتية؟ وكيف نواجه مسألة هذا الصبر النبويّ الذي ينفد أمام أيّة حالة غموض، بعد أن أعطى كلمته للعبد الصالح أن يتبعه من دون أيّ سؤال؟ إنها علامات استفهام ترتسم أمام القارئ العادي للقرآن، من خلال ما يملك من تفاصيل معينة في النظرة الإسلامية للشخصية النبوية...
الأولى-قوله تعالى : " وإذ قال موسى لفتاه " الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره . وقالت فرقة منها نوف البكالي : إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبيا قبل موسى بن عمران . وقد رد هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره . وفتاه : هو يوشع بن نون . وقد مضى ذكره في " المائدة " {[10599]} وآخر " يوسف{[10600]} " . ومن قال هو ابن منشا فليس الفتى يوشع بن نون . " لا أبرح " أي لا أزال أسير ، قال الشاعر{[10601]} :
وأَبْرَحُ ما أدام الله قومي*** بحمد الله مُنْتَطِقاً مُجِيدا
وقيل : " لا أبرح " لا أفارقك . " حتى أبلغ مجمع البحرين " أي ملتقاهما . قال قتادة : وهو بحر فارس والروم ، وقال مجاهد . قال ابن عطية : وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان ، فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام هو مجمع البحرين على هذا القول . وقيل : هما بحر الأردن وبحر القلزم . وقيل : مجمع البحرين عند طنجة ، قال محمد بن كعب . وروي عن أبي بن كعب أنه بأفريقية . وقال السدي : الكرّ والرّسّ{[10602]} بأرمينية . وقال بعض أهل العلم : هو بحر الأندلس من البحر المحيط ، حكاه النقاش ، وهذا مما يذكر كثيرا . وقالت فرقة : إنما هما موسى والخضر ، وهذا قول ضعيف ، وحكي عن ابن عباس ، ولا يصح ، فإن الأمر بين من الأحاديث أنه إنما وسم{[10603]} له بحر ماء .
وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك ، قال موسى : يا رب فكيف لي به ؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم . . . ) وذكر الحديث ، واللفظ للبخاري . وقال ابن عباس :( لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر ، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكّرهم بأيام الله ، فخطب قومه فذكرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون ، وأهلك عدوهم ، واستخلفهم في الأرض ، ثم قال : وكلم الله نبيكم تكليما ، واصطفاه لنفسه ، وألقى علي{[10604]} محبة منه ، وآتاكم من كل ما سألتموه ، فجعلكم أفضل أهل الأرض ، ورزقكم العز بعد الذل ، والغنى بعد الفقر ، والتوراة بعد أن كنتم جهالا ، فقال له رجل من بني إسرائيل : عرفنا الذي تقول ، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله ؟ قال : لا ، فعتب عليه حين لم يرد العلم إليه ، فبعث الله جبريل : أن يا موسى وما يدريك أين [ أضع ]{[10605]} علمي ؟ بلى إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك . . . ) وذكر الحديث . قال علماؤنا : قوله في الحديث ( هو أعلم منك ) أي بأحكام وقائع مفصلة ، وحكم نوازل معينة ، لا مطلقا بدليل قول الخضر لموسى :( إنك على علم علمكه الله لا أعلمه أنا ، وأنا على علم علمنيه لا تعلمه أنت ) وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما ولا يعلمه الآخر ، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة ، وهمته العالية ، لتحصيل علم ما لم يعلم ، وللقاء من قيل فيه : إنه أعلم منك ، فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف{[10606]} السبيل ، فأمر بالارتحال على كل حال وقيل له : احمل معك حوتا مالحا في مكتل - وهو الزنبيل فحيث يحيا وتفقده فثم السبيل ، فانطلق مع فتاه لما واتاه ، مجتهدا طلبا قائلا : " لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين " . " أو أمضي حقبا " بضم الحاء والقاف وهو الدهر{[10607]} ، والجمع أحقاب . وقد تسكن قافه فيقال حقب . وهو ثمانون سنة . ويقال : أكثر من ذلك . والجمع حقاب والحقبة بكسر الحاء واحدة الحقب وهي السنون .
الثانية-في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم ، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب ، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم ، وذلك كان في دأب السلف الصالح ، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح ، وحصلوا على السعي الناجح ، فرسخت لهم في العلوم أقدام ، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام قال . البخاري : ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث .
الثالثة-قوله تعالى : " وإذ قال موسى لفتاة " للعلماء فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه كان معه يخدمه ، والفتى في كلام العرب الشاب ، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتيانا قيل للخادم فتى على جهة حسن الأدب ، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي ) فهذا ندب إلى التواضع ، وقد تقدم هذا في " يوسف " {[10608]} . والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام . ويقال : هو ابن أخت موسى عليه السلام . وقيل : إنما سمي فتى موسى ؛ لأنه لزمه ليتعلم منه وإن كان حرا ، وهذا معنى الأول . وقيل : إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو العبد ، قال الله تعالى : " وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم . . . " [ يوسف : 62 ] وقال : " تراود فتاها عن نفسه . . . " قال ابن العربي : فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد ، وفي الحديث :( أنه كان يوشع بن نون ) وفي التفسير : أنه ابن أخته ، وهذا كله مما لا يقطع به ، والتوقف فيه أسلم .
الرابعة-قوله تعالى : " أو أمضي حقبا " قال عبد الله بن عمر :( والحقب ثمانون سنة ) مجاهد : سبعون خريفا . قتادة : زمان ، النحاس : الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود ، كما أن رهطا وقوما مبهم غير محدود : وجمعه أحقاب .