جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{لا إلَهَ إلاّ هُوَ} معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله، "الحيّ القيوم": الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية. يقول: «الله» الذي له عبادة الخلق «الحيّ القيوم»، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعني: ولا تعبدوا شيئا سوى الحَيّ القَيّوم الذي لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، والذي صفته ما وصف في هذه الآية. وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض، واختلفوا فيه، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض، وإيمانا به من بعض. فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به.
{الحَيّ}: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أوّل له يحدّ، ولا آخر له يُؤْمَد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر مأمود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها.
{القَيّومُ}: القائم برزق ما خلق وحفظه.
{لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}: لا يأخذه نعاس فينعس، ولا نوم فيستثقل نوما. والوسن: خثورة النوم.
وإنما عنى تعالى ذكره بقوله: {لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} لا تحله الآفات، ولا تناله العاهات. وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه.
فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الحيّ الذي لا يموت، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأحوال وتصريف الليالي والأيام، بل هو الدائم على حال، والقيوم على جميع الأنام، لو نام كان مغلوبا مقهورا، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السموات والأرض وما فيهما دكّا، لأن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته، والنوم شاغل المدبر عن التدبير، والنعاس مانعٌ المقدّر عن التقدير بوسنه. كما: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر، قال: «وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنامُ اللّهُ تَعالى ذِكْرُهُ؟ فأرْسَلَ اللّهُ إلَيْهِ مَلَكا فَأرّقَهُ ثَلاثا، ثُمّ أعْطَاهُ قارُورَتَيْنِ، فِي كُلّ يَدٍ قارُورَةٌ، وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهما» قال: «فَجَعَلَ يَنامُ وَتَكادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى، ثُمّ نَامَ نَوْمَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ القارُورَتَانِ». قال: ضرب الله مثلاً له، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض.
{لَهُ مَا فِي السّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِهِ}: أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنا هو طوع يد مالكه، وليس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول: فجميع ما في السموات والأرض ملكي وخلقي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خلقي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.
{مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ}: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخليه، ويأذن له بالشفاعة لهم. وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السموات وما في الأرض مع السموات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي.
{يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شاءَ}:
يعني تعالى ذكره بذلك أنه المحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علما، لا يخفى عليه شيء منه.
عن الحكم: {وَيَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الدنيا {وَما خَلْفَهُمْ} الاَخرة.
{وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شاءَ} فإنه يعني تعالى ذكره أنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء محيط بذلك كله محص له دون سائر من دونه، وأنه لا يعلم أحد سواه شيئا إلا بما شاء هو أن يعلمه فأراد فعلمه.
وإنما يعني بذلك أن العبادة لا تنبغي لمن كان بالأشياء جاهلاً، فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنم، يقول: أخلصوا العبادة لمن هو محيط بالأشياء كلها يعلمها، لا يخفى عليه صغيرها وكبيرها.
{وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}؛
اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السموات والأرض؛ فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره. وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين.
وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه. ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:
حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة! فعظم الربّ تعالى ذكره، ثم قال: «إنّ كُرْسِيّهُ وَسِعَ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَإنّهُ لَيَقْعُدُ عَلَيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَ» ثم قال بأصابعه فجمعها: «وَإنّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرّحْلِ الجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه».
وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه أنه قال: هو علمه، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُما} على أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علم، وأحاط به مما في السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم: {رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَحمَةً وَعِلْما} فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ}. وأصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب كُرّاسة، ومنه يقال للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعني بذلك أنهم العلماء الذين تصلح بهم الأرض.
والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس، يقال منه: فلان كريم الكِرْس: أي كريم الأرض. {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيّ العَظِيمُ}: ولا يشقّ عليه ولا يثقله... لا يجهده حفظهما.
{وَهُوَ العَلِيّ}: والله العليّ. والعلِيّ: الفعيل من قولك علا يعلو علوّا: إذا ارتفع، فهو عالٍ وعليّ، والعليّ: ذو العلوّ والارتفاع على خلقه بقدرته. وكذلك قوله: {العَظِيمُ} ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{الله لا إله إلا هو}؛ قيل: هو اسم المعبود بحق... ويحتمل أن يكون على الإضمار: أن قل {الله} الذي {لا إله إلا هو} لأنهم كانوا يقرون بالخالق، ويقرون بالإله كقوله جل وعلا: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [العنكبوت: 61] [وكقوله: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}] [لقمان: 25 والزمر: 38] وكقوله: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل أفلا تذكرون} {قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم} {سيقولون لله قل أفلا تتقون} {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون}
{سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [المؤمنون: 84- 89] فإذا كانوا يقرون به، فأخبرهم أن الذي تقرون به، [وتسمونه، هو {الله} الذي {لا إله إلا هو الحي القيوم}] ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا الله تعالى، وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته وصفته أنه {الحي القيوم} إلى آخره.
وقوله: {الحي القيوم} قيل: هو {الحي} بذاته لا بحياة هي حياة غيره، كالخلق، وهم أحياء بحياة هي حياة غيرهم، حلت فيهم، لا بد من الموت، والله عز وجلا، تعالى عن أن يحل فيه الموت لأنه حي بذاته، وجميع الخلائق أحياء لا بذاتهم، تعالى الله، عز وجلا عما يقول فيه الملحدون. والأصل أن كل من وصف في الشاهد بالحياة وصف بذلك للعظمة له والجلال والرفعة، ويقال: فلان حي، وكذلك الأرض سماها الله تعالى حية إذا اهتزت، وأنبتت لرفعتها على أعين الخلق. فعلى ذلك الله سبحانه وتعالى حي للعظمة، وكذلك، الأرض سماها الله تعالى حية للعظمة والرفعة ولكثرة ما تكون تذكر في المواطن كلها كما سمى الشهداء أحياء لأنهم مذكورون في الملأ من الخلق، ويحتمل أنه يمسى حيا لما لا يغفل عن شيء، ولا يسهو، ولا يذهب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وبالله العصمة.
وقوله: {القيوم} [القائم على مصالح أعمال الخلق وأرزاقهم، وقيل: {القيوم}، هو القيام على كل شيء يحفظه، ويتعاهده كما يقال: فلان قائم على أمر فلان؛ يعنون أنه يحفظ أموره حتى لا يذهب عنه شيء. وقيل: {هو الحي القيوم} أي لا يغفل عن أحوال الخلق.
وقوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم}؛ قيل: السنة النعاس، و] وقيل: السنة بين النوم واليقظة، وسمي وسنان... ويحتمل قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} على نفي الغفلة والسهو عنه؛ إذ لو أخذه صار مغلوبا مقهورا، فيزول عنه وصفه: حي، قيوم كقوله: {لا يعزب عنه مثقال ذرة} [سبأ: 3] على نفي الغفلة، ويحتمل أنه نفي عن نفسه ذلك لأن الخلق إنما ينامون، ويتغشون طلبا للراحة والمنفعة إما لدفع حزن أو وحشة، فأخبر أنه ليس بالذي يحتاج إلى راحة وإلى دفع حزن أو وحشة، وقيل: لا يفتر، ولا ينام... [و] النوم والسنة حالان تدلان على غفلة من حلاَّ به، وعلى حاجته إلى ما فيه راحته وعلى عجزه؛ إذ هما يغلبان، ويقهران...
وقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} أخبر أن ما في السموات والأرض عبيده وإمائه، ليس كما قالوا: فلان ابن الله، والملائكة بنات الله، بل كلهم عبيده وإماؤه، والناس لا يتخذون ولدا من عبيدهم وإمائهم، فالله أحق ألا يتخذ...
وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} أي لا أحد يجترئ على الشفاعة {إلا بإذنه}...
وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}...المراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق، وذلك بالعظمة والقوة، ويقال: {وسع كرسيه} وهو خلق من خلقه، وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به من يشاء من خلقه. فعلى ذلك لا يفهم من قوله: {وسع كرسيه} وغيره من الآيات ما يفهم من الخلق بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11].
وقوله: {وهو العلي العظيم}: {العلي} عن كل موهوم يحتاج إلى عرش أو كرسي، {العظيم} عن أن يحاط به. والله أعلم.
{العلي} عن جميع أحوال الخلق وشبههم و {العظيم} القاهر والغالب...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{الله} اسم تفرّد به الحق -سبحانه فلا سمِيّ له فيه. قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] أي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى "الله "؟. من اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال. قوله: {لا إله إلا هو}: إخبار عن نفي النظير والشبيه، بما استوجب من التقديس والتنزيه. ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته، ولا يشهد من غيره ذرة، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه، ويديم لوجوده انفرادَه، فلا يسمع إلا من الله وبالله، ولا يشهد إلا بالله، ولا يُقْبِلْ إلا على الله، ولا يشتغل إلا بالله، فهو محوٌ عما سِوى الله، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ- البتة -مساغ.
وقوله: {الحي القيوم}: المتولي لأمور عباده، القائم بكل حركة...
{لا تأخذه سنة ولا نوم} لأنه أحدي لا ترهقه غفلة، وصمد لا تمسه علة، وعزيز لا تقاربه قلة، وجبار لا تميزه عزلة، وفَرْدٌ لا تضمه جثة، ووتر لا تحده جهة، وقديم لا تلْحَقُه آفة، وعظيم لا تدركه مسافة. تَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه، وجلالُه جمالُه، وسناؤه بهاؤه، وبهاؤه سناؤه، وأزله أبده، وأبده سرمده، وسرمدهِ قدَمُه، وقدمه وجوده.
قوله جلّ ذكره: {لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} مِلْكاً وإبداعاً، وخَلْقاً واختراعاً.
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}. من ذا الذي يتنفس بنَفَس إلا بإجرائه، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه. ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل، أو تذلل أو أمل، أو قربة أو نسب، أو علة أو سبب- فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} لأنه لا يخرج عن علمه معلوم، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم.
{وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ}. يعني من معلوماته، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه. فأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد، ولا يدركه حَدٌّ؟!.
{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. خطاب لهم على قدر فهمهم. وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته؟ جلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي.
{وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِىُّ العَظِيمُ}. كَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلق الذرة والكون بجملته -له سواء؛ فلا من القليل له تَيَسُّر، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر...
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
-... آية الكرسي سيدة القرآن [جواهر القرآن ودرره: 48]. 141- لعلك تقول: لم خصصت آية الكرسي بأنها السيدة؟... [نفسه: 64]. آية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المتبوعة والمقصودة، التي يتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيدة بها أليق.
- أقول: هل لك أن تتفكر في آية الكرسي أنها لم تسمى سيدة الآيات؟ فإن كنت تعجز عن استنباطه بتفكرك فارجع إلى الأقسام التي ذكرناها والمراتب التي رتبناها. وقد ذكرنا لك أن معرفة الله تعالى ومعرفة ذاته وصفاته هي المقصد الأقصى من علوم القرآن، وأن سائر الأقسام مرادة لنفسه لا لغيره، فهو المتبوع وما عداه التابع، وهي سيدة الاسم المقدم الذي يتجوه إليه وجوه الأتباع وقلوبهم، فيحذون حذوه وينحون نحوه ومقصده، وآية الكرسي تشتمل عل ذكر الذات والصفات والأفعال فقط ليس فيها غيرها.
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
{اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} روى مسلم في " "صحيحه "" عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله أعظم؟} قال: قلت: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. قال: فضرب صدري، وقال: "" ليهنك العلم يا أبا المنذر "" قال أبو عبيدة: القيوم: الذي لا يزول، لاستقامة وصفه بالوجود، حتى لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقال الزجاج: القيوم: القائم بتدبير أمر الخلق. وقال الخطابي: القيوم: هو القائم الدائم بلا زوال...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
... لما ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى بذكر الذات، ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات، ثم رقى الخطاب إلى التعريف بالصفات، ثم أعلاه رجوعاً إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في النفوس لا سيما عند العرب، ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها. فلما لم يبق لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللاً ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم، إذ كان المألوف من ملوك الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء والراغبين من الأصدقاء، إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفتّ في عضده فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومداراتهم، بين سبحانه وتعالى صفة الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره، ولأجل هذه الأغراض ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل: هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك فمن الملك في ذلك اليوم؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحاً لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم يتسم به غيره، وذلك لما تأهل السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائداً إلى مظهر الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته: {الله} أي هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزهاً عن شوائب النقص مفتتحاً لها بالتفرد فقال: {لا إله إلا هو} مقرراً لكمال التوحيد، فإنه المقصود الأعظم من جميع الشرائع، ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه، فخلل سبحانه وتعالى آي التوحيد بالأحكام والقصص، والأحكام تفيد الأعمال الصالحة فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد، والقصص تلزم بمواعظها واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد، وكان هذا التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم.
قال الحرالي: لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة، فكانت نسبة هذه الآية من آية الإلهية في قوله سبحانه وتعالى
{وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان الاعتبار بآية {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى يقين العيان باسمه {الله} وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة...
ولما وحّد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال: {الحي} أي الذي له الحياة وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر {القيوم} أي القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة.
قال الحرالي: فيعول زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه العلوي...
ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله: {لا تأخذه سنة} قال الحرالي: هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر القلب {ولا نوم} وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه...
ولما عبر بالأخذ الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة، كما لو قيل: فلان لا يغلبه أمير ولا سلطان، ثم بين هذه الجملة بقوله: {له} أي بيده وفي تصرفه واختصاصه {ما في السماوات} الذي من جملته الأرض {وما في الأرض} أي من السنة والنوم وغيرهما إبداعاً ودواماً وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه.
قال الحرالي: وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره، وسلب بالجملة الثانية الآثار والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته...
ثم بين ما تضمنته هذه الجملة بقوله منكراً على من ربما توهم أن شيئاً يخرج عن أمره فلا يكون مختصاً به {من ذا الذي يشفع} أي مما ادعى الكفار شفاعته وغيره {عنده إلا بإذنه} أي بتمكينه لأن من لم يقدر أحد على مخالفته كان من البيّن أن كل شيء في قبضته، وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية. قال الحرالي: وحقيقة الشفاعة وصلة بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده، فكان الإذن في باطن الشفاعة حظاً من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي شفع عند نفسه بنفسه، فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير حجاب، فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الشفعاء...
ثم بين جميع ما مضى بقوله: {يعلم ما بين أيديهم} أي ما في الخافقين ممن ادعت شفاعته وغيرهم. قال الحرالي: أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم وغيرهم، لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه، وما علمه أيضاً فكأنه بين يدي قلبه يحيط به علمه {وما خلفهم} وهو ما لم ينله علمهم، لأن الخلف هو ما لا يناله الحس، فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما لم يعلموا...
ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال: {ولا يحيطون بشيء} أي قليل ولا كثير {من علمه إلا بما شاء} فبان بذلك ما سبقه، لأن من كان شامل العلم ولا يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة، فكان كل شيء في قبضته، فكان منزهاً عن الكفوء متعالياً عن كل عجز وجهل، فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق إلاّ بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده.
ثم بين ما في هذه الجملة من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصوراً لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته بما اعتاده الناس في ملوكهم: {وسع كرسيه} ومادة كرس تدور على القوة والاجتماع والعظمة...
قال الأصفهاني: الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وقال الحرالي: معنى الكرس هو الجمع، فكل ما كان أتم جمعاً فهو أحق بمعناه... فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال: {ولا يؤوده} أي يثقله.
قال الحرالي: من الأود أي بلوغ المجهود ذوداً، ويقابله ياء من لفظ الأيد أي وهو القوة، وأصل معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله {حفظهما} في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيراً ولقدر غيره ولو يوماً ما على غير ما يريده. والحفظ قال الحرالي: الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله... ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصراً فيما تقدم عطف عليه قوله: {وهو} أي مع ذلك كله المتفرد بأنه {العلي} أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته {العظيم} كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علواً وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي: كان باسم {الله} إلاحة، وختمها كان بذلك إفصاحاً.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
بعد أن أمرنا تعالى بالإنفاق في سبيله قبل أن يأتي يوم لا مال فيه ولا كسب، ولا ينجي من عقابه فيه شفاعة ولا فداء، انتقل كدأب القرآن إلى تقرير أصول التوحيد والتنزيه التي تشعر متدبرها بعظيم سلطانه تعالى ووجوب الشكر له والإذعان لأمره والوقوف عند حدوده وبذل المال في سبيله وتحول بينه وبين الغرور والاتكال على الشفاعات والمكفرات التي جرأت الناس على نبذ كتاب الله وراء ظهورهم فقال:
{الله لا إلاه إلا هو الحي القيوم}. فسر الجلال الإله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه. وقد استحسن الأستاذ الإمام قوله في تفسير كلمة التوحيد وقال إن تفسيره لكلمة (إله) هو الشائع وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي لا تحيط به علما، ولا تعرف له كنها، فهذا هو معنى التأليه في نفسه وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى سلطانا. ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة. وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له، لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه. فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدا. وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم. ذلك أن الإنسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئا صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف، يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك، حتى أن الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد... يعدون عابدين لها حقيقة.
والحاصل أن معنى "لا إله إلا الله "ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرا منها معتقدا أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو بإبطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.
قال الأستاذ الإمام: وأما الحي فهو ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو. ومثل لذلك بالنبات والحيوان. فإن كلا منهما حي وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت في الحيوان أكمل منها في النبات. قال والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه. ولذلك فسر مفسرنا "الحي" بالدائم البقاء وهو بعيد جدا لا يفهم من اللفظ مطلقا إنما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة أي الوصف الذي يعقل معه الاتصاف بالعلم والقدرة. وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأ عنها من الأفعال والآثار. أي إن هذا النظام والأحكام في الخلق من آثار المادة الميتة التي لا شعور لها ولا علم...
{له ما في السماوات وما في الأرض} فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته وهو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم
{من ذا الذي يشفع عنده} منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته، وقضت به حكمته وأوعدت به شريعته، من تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض، وأعرض عن السنة والفرض، من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده {إلا بإذنه} والأمر كله له صورة وحقيقة. وليس هذا الاستثناء نصا في أن الأذن سيقع، وإنما هو كقوله: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود: 105] فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} [التكوير: 19] ولهذا قال البيضاوي في تفسير الجملة: "بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقل بأن يدفع ما يريد شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة". وقال الأستاذ الإمام ما محصله: إن في هذا الاستثناء قطعا لأمر الشافعين والمتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه.
ثم قال تعالى: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس أو أمور الدنيا التي خلفوها وأمور الآخرة التي يستقبلونها أو ما يدركون وما يجهلون. وهذا دليل على نفي الشفاعة بالمعنى المعروف. وبيان ذلك أنه لما كان عالما بكل شيء فعله العباد في الماضي وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيا على هذا العلم كانت الشفاعة المعهودة مما يستحيل عليه تعالى. لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له، وما يستحق ما لم يكن يعلم. مثال ذلك: إذا أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينفي رجلا من المدينة ولا يمكن أن يريد ذلك وهو عادل إلا إذا كان يعتقد المصلحة فيه بأن يكون الرجل مفسدا ضارا بالناس. فإذا شفع له شافع ولم يبين لعمر ما لم يكن يعلم من أن المصلحة في بقائه دون نفيه. فإنه لا يقبل شفاعته. هذا إذا كانت الشفاعة عند سلطان عادل كعمر. وأما إذا كانت عند سلطان جائر فيجوز أن تقبل ويترك نفي المفسد الضار بالناس لأجل مرضاة الشفيع، كأن يكون من أعوان السلطان وبطانته الذين يؤثر مرضاتهم على المصلحة العامة لأنهم يؤثرون هواه على المصلحة الحقيقية. وفي هذه الحال يظن الغافل أن الشفاعة ليس فيها إعلام المشفوع عنده بما لم يكن يعلم ولو رجع نظر البصيرة لرأى أن الشفيع قد أعلم السلطان أن هذا الرجل الجاني ممن يلوذ به ويهمه شأنه ويرضيه بقاؤه ولم يكن يعلم ذلك. فالشفاعة المعروفة التي يغتر بها الكافرون والفاسقون ويظنون أن الله تعالى يرجع عن تعذيب من استحق العذاب منهم لأجل أشخاص ينتظرون شفاعتهم هي مما يستحيل على الله تعالى لأنها وهي من شأن أهل الظلم والبغي وتستلزم الجهل وهو ذو العلم المحيط...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن {لا إله إلا هو} أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة.
وقوله: {الحي القيوم} هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن {لا تأخذه سنة ولا نوم} والسنة النعاس {له ما في السماوات وما في الأرض} أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن،
ثم قال {يعلم ما بين أيديهم} أي: ما مضى من جميع الأمور {وما خلفهم} أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض} وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: {ولا يؤوده} أي: يثقله {حفظهما وهو العلي} بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته {العظيم} الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وكل صفة من هذه الصفات تتضمن قاعدة من قواعد التصور الإسلامي الكلية. ومع أن القرآن المكي في عمومه كان يدور على بناء هذا التصور، فإننا نلتقي في القرآن المدني كذلك في مناسبات شتى بهذا الموضوع الأصيل إلهام. الذي يقوم على أساسه المنهج الإسلامي كله، ولا يستقيم هذا المنهج في الحس إلا أن يستقيم ذلك الأساس، ويتضح، ويتحول إلى حقائق مسلمة في النفس، ترتكن إلى الوضوح واليقين...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... وجملة « لا إله إلاَّ هو» خبر أول عن اسم الجلالة، والمقصود من هذه الجملة إثبات الوحدانية...
والمقصود بوصف الله هنا بالحيّ إبطال عقيدة المشركين إلاهية أصنامهم التي هي جمادات، وكيف يكون مدبّر أمور الخلق جماداً...
والقيّوم فيعول من قام يقوم وهو وزن مبالغة، وأصله قَيْوُوم فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمتا، والمراد به المبالغة في القيام المستعملِ مجازاً مشهوراً في تدبير شؤون الناس، قال تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبتْ} [الرعد: 33]. والمقصود إثبات عموم العلم له وكمالِ الحياة وإبطالُ إلاهية أصنام المشركين، لأن المشركين كانوا يعترفون بأن مدبّر الكون هو الله تعالى، وإنّما جعلوا آلهتهم شفعاء وشركاء ومقتسمين أمور القبائل...
وجملة {لا تأخذه سِنة ولا نوم} مُقرّرة لمضمون جملة « الله الحيّ القيوم» ولرفع احتمال المبالغة فيها، فالجملة منزّلة منزلة البيان لمعنى الحي القيوم ولذلك فصلت عن التي قبلها...
وجملة {له ما في السماوات وما في الأرض} تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها. واللامُ للمِلك. والمراد بالسماوات والأرض استغراق أمكنة الموجودات، فقد دلت الجملة على عموم الموجودات بالموصول وصلته، وإذا ثبت ملكه للعموم ثبت أنّه لا يشذّ عن مِلكه موجود فحصل معنى الحصر، ولكنّه زاده تأكيداً بتقديم المسند أي لا لِغيره لإفادة الردّ على أصناف المشركين، من الصابئة عبدة الكواكب كالسريان واليونان ومن مشركي العرب لأن مجرّد حصول معنى الحصر بالعموم لا يكفي في الدلالة على إبطال العقائد الضّالة. فهذه الجملة أفادت تعليم التوحيد بعمومها، وأفادت إبطال عقائد أهل الشرك بخصوصية القصر، وهذا بلاغة معجِزة...
وجملة {من ذا الذي يشفع عنده ألا بإذنه} مقرّرة لمضمون جملة {له ما في السموات وما في الأرض} لما أفادُه لام الملك من شمول ملكه تعالى لِجميع ما في السماوات وما في الأرض، وما تضمنّه تقديم المجرور من قَصْر ذلك الملك عليه تعالى قصرَ قلب، فبطل وصف الإلهية عن غيره تعالى، بالمطابقة. وبطل حق الإدلال عليه والشفاعة عنده التي لا تردّ بالالتزام، لأنّ الإدلال من شأن المساوي والمقارب، والشفاعة إدلال. وهذا إبطال لمعتقد معظم مشركي العرب لأنّهم لم يثبتوا لإلهتهم وطواغيتهم ألوهية تامة، بل قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] وقالوا: {ما نعبدهم إلاَّ ليقرّبونا إلى الله زُلْفى} [الزمر: 3]، فأكّد هذا المدلول بالصريح، ولذلك فصلت هذه الجملة عمّا قبلها...
وجملة {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه} تقرير وتكميل لما تضمنّه مجموع جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ولما تضمنّته جملة {من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه}، فإنّ جملتي {الحيّ القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} دلتا على عموم علمه بما حدث ووُجد من الأكوان ولم تَدُلاّ على علمه بما سيكون فأُكد وكمل بقوله يعلمُ الآية، وهي أيضاً تعليل لجملة من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه إذ قد يتّجه سؤال لماذا حُرموا الشفاعة إلاّ بعد الإذن فقيل لأنّهم لا يعلمون من يستحقّ الشفاعة وربّما غرّتهم الظواهر، والله يعلم من يستحقّها فهو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولأجل هذين المعنيين فصلت الجملة عما قبلها.
والمراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما هو ملاحظ لهم من المعلومات وما خفي عنهم أو ذهلوا عنه منها، أو ما هو واقع بعدهم وما وقع قبلهم. وأما علمه بما في زمانهم فأحرى [بما سواه]... وضمير {أيديهم} و {خلفهم} عائد إلى {ما في السماوات وما في الأرض} بِتغليب العقلاء من المخلوقات لأنّ المراد بما بين أيديهم وما خلفهم ما يشمل أحوال غير العقلاء، أو هو عائد على خصوص العقلاء من عموم ما في السموات وما في الأرض فيكون المراد ما يختصّ بأحوال البشر وهو البعض، لضمير ولا يحيطون لأنّ العلم من أحوال العقلاء.
وعطفت جملة {ولا يحيطون بشيء من علمه} على جملة {يعلم ما بين أيديهم} لأنّها تكملة لمعناها كقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216]. ومعنى يحيطون يعلمون علماً تاماً، وهومجاز حقيقته أنّ الإحاطة بالشيء تقتضي الاحتواء على جميع أطرافه بحيث لا يشذّ منه شيء من أوله ولا آخره، فالمعنى لا يعلمون علم اليقين شيئاً من معلوماته، وأمَّا ما يدّعونه فهو رجم بالغيب. فالعلمُ في قوله: {من علمه} بمعنى المعلوم، كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإضافته إلى ضمير اسم الجلالة تخصيص له بالعلوم اللدُنية التي استأثر الله بها ولم ينصب الله تعالى عليها دلائل عقلية أو عادية. ولذلك فقوله: {إلا بما شاء} تنبيه على أنّه سبحانه قد يُطلع بعض أصفيائه على ما هو من خواصّ علمه كقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول}
وقوله: {وسّع كرسيّه السموات والأرض} تقرير لما تضمّنته الجمل كلّها من عظمة الله تعالى وكبريائه وعلمِه وقدرته وبيان عظمة مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه، أو لبيان سعة ملكه كذلك كما سنبيّنه، وقد وقعت هذه الجمل مترتبة متفرّعة...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
فهذه آية الكرسي، أعظم آية في كتاب الله، كما ورد في بعض الآثار المثبتة في الصحاح، وإنها لتدل على وحدانية الله تعالى بكل شعبها، ذلك بأن الوحدانية لها شعب ثلاثة:
وحدانية الألوهية، وقد دلت عليها بقوله تعالى: {الله لا إله إلا هو}
ووحدانية الخلق والتكوين فلا خالق مع الله تعالى، ولا إرادة تمنع إرادته، وقد دل على ذلك بأكثر ما في الآية الكريمة كقوله سبحانه: {الحي القيوم} وقوله تعالى: {ما في السماوات وما في الأرض}
والشعبة الثالثة وحدانية الذات والصفات، بمعنى أنه لا يشبهه شيء أو أحد من خلقه:"ليس كمثله شيء" (الشورى 11) وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله تعالى: "لا تأخذه سنة ولا نوم "وبقوله تعالى: "وهو العلي العظيم" تعالى الله رب العالمين علوا كبيرا؛ تولانا سبحانه بعنايته وتوفيقه وهدايته...
قوله تعالى : " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية ، كما تقدم بيانه في الفاتحة ، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها . روي عن محمد بن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا ، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم ، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض{[2376]} إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك ، فجاؤوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت . وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ) ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ) ؟ قال : قلت : " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " فضرب في صدري وقال : ( ليهنك العلم يا أبا المنذر ) . زاد الترمذي الحكيم أبو عبدالله : ( فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش ) . قال أبو عبدالله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره ، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا ، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات ، وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله . يريد يُدعى قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا ، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع ، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع ، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته . وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه ، فقال له الجني : خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا ، فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي .
قلت : هذا صحيح ، وفي الخبر : من قرأ الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام ، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد . وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر : ( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله ) . وفي البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله ، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله ، قال : ( ما هي ) ؟ قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " . وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا{[2377]} أحرص شيء على الخير . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) ؟ قال : لا ، قال : ( ذاك شيطان ) . وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبدالله بن مسعود : لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي ، فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلا شِخِّيتا كأن ذُرَيْعَتَيْكَ ذُرَيْعَتَا كلب فكذلك أنتم معشر الجن ، أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال : لا والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك ، قال نعم ، فصرعه ، قال : تقرأ آية الكرسي : " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ؟ قال : نعم ، قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح . أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي . وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر ؟ فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر . قال أبو محمد الدارمي : الضئيل : الدقيق ، والشِّخِّيت : المهزول ، والضليع : جيد الأضلاع ، والخَبَج : الريح . وقال أبو عبيدة : الخبج : الضراط ، وهو الحبج أيضا بالحاء . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ) قال : حديث غريب . وقال أبو عبدالله الترمذي الحكيم : وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة . عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي{[2378]} الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ) قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه ؟ قال : ( إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه{[2379]} أو رجل أريد قتله في سبيلي ) . وعن أبي بن كعب قال : قال الله تعالى : ( يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء ) قال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء ، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء . وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا ، وهي خمسون كلمة ، وفي كل كلمة خمسون بركة ، وهي تعدل ثلث القرآن ، ورد بذلك الحديث ، ذكره ابن عطية . و " الله " مبتدأ ، و " لا إله " مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود . و " إلا هو " بدل من موضع لا إله . وقيل : " الله لا إله إلا هو " ابتداء وخبر ، وهو مرفوع محمول على المعنى ، أي ما إله إلا هو ، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه ، نصب على الاستثناء . قال أبو ذر في حديثه الطويل : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . وقال ابن عباس : أشرف آية في القرآن آية الكرسي . قال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة .
قوله : " الحي القيوم " نعت لله عز وجل ، وإن شئت كان بدلا من " هو " ، وإن شئت كان خبرا بعد خبر ، وإن شئت على إضمار مبتدأ . ويجوز في غير القرآن النصب على المدح . و " الحي " اسم من أسمائه الحسنى يسمى به ، ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم . ويقال : إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا قيوم . ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم . ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أيا هيا شرا هيا ، يعني يا حي يا قيوم . ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به . قال الطبري عن قوم : إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه ، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه . وقيل : سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها . وقال قتادة : الحي الذي لا يموت . وقال السدي : المراد بالحي الباقي . قال لبيد :
فإما تَرَيْنِي اليوم أصبحت سالما *** فلستُ بأحيا من كلابٍ وجعفر
وقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم . " القيوم " من قام ، أي القائم بتدبير ما خلق ، عن قتادة . وقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها ، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها . وقال ابن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول ، قال أمية بن أبي الصلت :
لم تخلقِ السماءُ والنجومُ *** والشمس معها قمر يقوم
قدَّرَهُ مهيمن قيُّوم *** والحشر والجنة والنعيم
قال البيهقي : ورأيت في " عيون التفسير " لإسماعيل الضرير تفسير القيوم قال : ويقال هو الذي لا ينام ، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي : " لا تأخذه سنة ولا نوم " . وقال الكلبي : القيوم الذي لا بدئ{[2380]} له ، ذكره أبو بكر الأنباري . وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء ؛ ولا يكون قيوم فعولا ؛ لأنه من الواو فكان يكون قيووما . وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي " الحي القيام " بالألف ، وروي ذلك عن عمر . ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة . والقيام منقول عن القوام إلى القيام ، صرف عن الفعال إلى الفيعال ، كما قيل للصواغ الصياغ . قال الشاعر :
إن ذا العرش لَلَّذي يرزق النا *** س{[2381]} وحيٌّ عليهمُ قيوم
ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم . والسنة : النعاس في قول الجميع . والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما . قال عدي بن الرقاع يصف امرأة{[2382]} بفتور النظر :
وَسْنَانُ أقصَدَهُ النعاس فَرَنَّقَت{[2383]} *** في عينه سِنَةٌ وليس بنائم
وفرق المفضل بينهما فقال : السنة من الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب . وقال ابن زيد : الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل ، حتى ربما جرد السيف على أهله . قال ابن عطية : وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر ، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب . وقال السدي : السنة : ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان .
قلت : وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله . والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال . والأصل في سِنَة وسْنَة حذفت الواو كما حذفت من يسن{[2384]} . والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر . والواو للعطف و " لا " توكيد .
قلت : والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال : ( وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرَّقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يدٍ قارورة ، وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة ، فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك{[2385]} السماء والأرض ) ولا يصح هذا الحديث ، ضعفه غير واحد منهم البيهقي .
قوله تعالى : " له ما في السماوات وما في الأرض " أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة ب " ما " وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود . قال الطبري : نزلت هذه الآية لما قال الكفار : ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى .
قوله تعالى : " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " " من " رفع بالابتداء و " ذا " خبره ؛ و " الذي " نعت ل " ذا " ، وإن شئت بدل ، ولا يجوز أن تكون " ذا " زائدة كما زيدت مع " ما " لأن " ما " مبهمة فزيدت " ذا " معها لشبهها بها . وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة ، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، كما قال : " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " {[2386]} [ الأنبياء : 28 ] قال ابن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين ، أو وصل ولكن له أعماله صالحة . وفي البخاري في " باب بقية من أبواب الرؤية " : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا . وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره ، وكما يشفع الطفل المحبنطئ{[2387]} على باب الجنة . وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم . وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا{[2388]} والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء . وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له .
قلت : قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا ، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب ، فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها ، أجارنا الله منها . فذكر من حديث أبي سعيد الخدري : ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دحض{[2389]} مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة{[2390]} تكون بنجد فيها شويكة يقال لها : السعدان ، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب{[2391]} فناج مسلم ومخدوش{[2392]} مرسل ومكدوس{[2393]} في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار ، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون ، فيقال لهم : أخرجوا من عرفتم ، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ، ثم يقولون : ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول عز وجل : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول : ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون : ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا - وكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم " إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما " {[2394]} [ النساء : 40 ] ( فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ){[2395]} وذكر الحديث . وذكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك - أو قال ليس ذلك إليك - وعزتي وكبريائي وعظمتي [ وجبريائي ]{[2396]} لأخرجن من قال لا إله إلا الله ) . وذكر من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ) الحديث بطوله .
قلت : فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها ، أجارنا الله منها وقول ابن عطية : " ممن لم يصل أو وصل " يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر ، والله أعلم . وقد خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصف الناس يوم القيامة صفوفا - وقال ابن نمير أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟ قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا ؟ فيشفع له - قال ابن نمير - ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟ فيشفع له ) . وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها ؛ فقيل ثلاث ، وقيل اثنتان ، وقيل : خمس ، يأتي بيانها في " سبحان " {[2397]} إن شاء الله تعالى . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .
قوله تعالى : " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : " له ما في السماوات وما في الأرض " . وقال مجاهد : " ما بين أيديهم " الدنيا " وما خلفهم " الآخرة . قال ابن عطية : وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به ؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ، وبنحو قول مجاهد قال السدي وغيره .
قوله تعالى : " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء " العلم هنا بمعنى المعلوم ، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته ، وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر . فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات ؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض{[2398]} . ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه .
قوله تعالى : " وسع كرسيه السماوات والأرض " ذكر ابن عساكر في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله{[2399]} ) . وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه . يقال كُرسي وكرسي والجمع الكراسي . وقال ابن عباس : كرسيه علمه . ورجحه الطبري ، قال : ومنه الكراسة التي تضم العلم ؛ ومنه قيل للعلماء : الكراسي ؛ لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض .
يَحُفُّ بهم بيضُ الوجوه وعُصْبَةٌ *** كَرَاسِيّ بالأحداث حين تَنُوبُ
أي علماء بحوادث الأمور . وقيل : كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ، كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسيا ، أي ما يعمده . وهذا قريب من قول ابن عباس في قوله " وسع كرسيه " . قال البيهقي : وروينا عن ابن مسعود{[2400]} وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله " وسع كرسيه " قال : علمه . وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش . وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله " وسع كرسيه السماوات والأرض " قال : إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها ، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسماوات ، ورؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش . قال البيهقي : في هذا إشارة إلى كرسيين : أحدهما تحت العرش ، والآخر موضوع على العرش . وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " وسع كرسيه السماوات والأرض " فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش . وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان ، وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء . وأهل الحق يجيزونهما ؛ إذ في قدرة الله متسع فيجب الإيمان بذلك . قال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل{[2401]} . قال البيهقي : قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير ، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى . وعن ابن بريدة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعجب شيء رأيته ) ؟ قال : رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام ، فمر فارس فأذراه{[2402]} فقعدت تجمع طعامها ، ثم التفتت إليه فقالت له : ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها : ( لا قدست أُمَّةٌ - أو كيف تقدس أمة - لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ) . قال ابن عطية : في قول أبي موسى " الكرسي موضع القدمين " يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك ، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك . وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه ، وهذا ليس بمرضي ، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه . وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، أي ما أنزل عليك أعظم ؟ قال : ( آية الكرسي - ثم قال - يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ) . أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح . وقال مجاهد : ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة . وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى ، ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم .
و " يؤوده " معناه يثقله ، يقال : آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة ، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم . قال الزجاج : فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل ، وجائز أن تكون للكرسي ؛ وإذا كانت للكرسي ، فهو من أمر الله تعالى . و " العلي " يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ؛ لأن الله منزه عن التحيز . وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه . قال ابن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه ألا يحكى . وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى : سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى . والعلي والعالي : القاهر الغالب للأشياء ؛ تقول العرب : علا فلان فلانا أي غلبه وقهره ، قال الشاعر :
فلما علونا واستوينا عليهم *** تركناهم صَرْعَى لنَسْرٍ وكاسر
ومنه قوله تعالى : " إن فرعون علا في الأرض " {[2403]} [ القصص : 4 ] . و " العظيم " صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف ، لا على معنى عظم الأجرام . وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم ، كما يقال : العتيق بمعنى المعتق ، وأنشد بيت الأعشى :
فكأن الخمر العتيق من الإِسْ *** *** فِنْطِ{[2404]} ممزوجةً بماءٍ زلال
وحكي عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب ألا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم ؛ إذ لا معظم له حينئذ .