الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه}، يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد، ولكم النصر عليهم، {حتى إذا فشلتم}، يعني ضعفتم عن ترك المركز، {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فنصيب الغنائم، وقال بعضهم: لا نبرح المركز كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، {من بعد ما أراكم ما تحبون} من النصر على عدوكم، فقتل أصحاب الألوية من المشركين، {منكم من يريد الدنيا} الذين طلبوا الغنيمة، {ومنكم من يريد الآخرة} الذين ثبتوا في المركز حتى قتلوا، {ثم صرفكم عنهم} من بعد أن أظفركم عليهم، {ليبتليكم} بالقتل والهزيمة، {ولقد عفا عنكم} حيث لم تقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتكم، {والله ذو فضل} في عقوبته {على المؤمنين} حيث لم يقتلوا جميعا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بقوله تعالى ذكره: ولقد صدقكم الله أيها المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأُحد وعده الذي وعدهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. والوعد الذي كان وعدهم على لسانه بأُحد قوله للرماة: «اثْبُتُوا مَكانَكُمْ وَلا تَبْرَحُوا وَإنْ رأيْتُمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنّا لَنْ نَزاَلَ غالبينَ ما ثَبَتّمْ مَكانَكُمْ»، وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره...

القول في تأويل قوله تعالى: {إذْ تَحُسّوَنَهُمْ بإذْنِهِ}. يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وفى الله لكم أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وعدكم من النصر على عدوّكم بأحُد، حين تحسّونهم، يعني: حين تقتلونهم. يقال منه: حَسّهُ يَحُسّهُ حَسّا: إذا قتله...

وأما قوله: {بإذْنِهِ} فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسليطي إياكم عليهم...

{حتى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أراكُمْ ما تُحِبّونَ}. يعني بقوله جلّ ثناؤه: {حتى إذَا فَشِلْتُمْ}: حتى إذا جبنتم وضعفتم، {وتَنازَعتمْ في الأمْرِ} بقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم وخالفتم بنيكم، فتركتم أمره، وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأُحد، بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين الذين ذكرنا قبلُ أمرهم. وأما قوله: {مِنْ بَعْدِ ما أرَاكُمْ ما تُحِبّونَ} فإنه يعني بذلك: من بعد الذي أراكم الله أيها المؤمنون بمحمد من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المؤمنين من ورائهم... وقيل: معنى قوله: {حتى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْد ما أرَاكُمْ ما تُحِبّونَ} حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون أنه من المقدّم الذي معناه التأخير، وإن الواو دخلت في ذلك، ومعناها: السقوط كما قلنا في: {فَلَمّا أسْلَما وَتَلّهُ للْجَبِينِ وَنادَيْناهُ} معناه: ناديناه، وهذا مقول في «حتى إذا» وفي «فلما أنْ»، ومنه قول الله عزّ وجلّ: {حتى إذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمأجُوجُ} ثم قال: {وَاقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقّ} ومعناه: اقترب...

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيا}: الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب من أحد لخيل المشركين، ولحقوا بمعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الاَخِرَةَ} يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم، والدار الآخرة...

{ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ}. يعني بذلك جلّ ثناؤه: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم، وفي أنفسكم من هزيمتكم إياهم، وظهوركم عليهم، فردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الاَخرة، عقوبة لكم على ما فعلتم، ليبتليكم، يقول: ليختبركم، فيتميز المنافق منكم من المخلص، الصادق في إيمانه منكم...

{وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ على المُؤْمِنِين}. يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ}: ولقد عفا الله أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته، فيما تقدم إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوهكم عنهم إذ لم يستأصل جمعكم... وأما قوله: {وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ على المُؤْمِنِينَ} فإنه يعني: والله ذو طول على أهل الإيمان به وبرسوله بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلا ذريعاً سريعاً شديداً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: {إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ} [آل عمران: 125] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: {سَنُلْقِى في قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم. وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت. وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً. حتى إذا فشلوا. والفشل: الجبن وضعف الرأي. وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا ههنا وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة} ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} لما علم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين} يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة. فإن قلت: أين متعلق {حتى إِذَا} قلت: محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره. ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة: منها وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله تعالى -إن صبروا وجدوا- فصدق الله الوعد أولاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أُحد، فبارز علي بن أبي طالب أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة فهزّا عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن عبد المطلب وعاصم بن أبي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً، فهذا معنى قوله تعالى: {إذ تحسونهم بإذنه} والحس: القتل الذريع، يقال حسهم إذا استأصلهم قتلاً..

. و «التنازع» هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم: الغنيمة الغنيمة، الحقونا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت كما أمرنا {وعصيتم} عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، وقوله تعالى: {من بعد ما أراكم ما تحبون} يعني من هزم القوم، قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم.

وقوله تعالى: {منكم من يريد الدنيا} إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد {منكم من يريد الدنيا} وقوله تعالى: {ومنكم من يريد الآخرة} إخبار عن ثبوت من ثبت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالاً للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى: {ليبتليكم} معناه: لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى: {ولقد عفا عنكم} إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل، وهذا تحذير، والمعنى «ولقد عفا عنكم» بأن لم يستأصلوكم، فهو بمنزلة: ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخباراً بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن: قتل منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{إذ تحسونهم بإذنه} تقتلونهم، من حسه إذا أبطل حسه. {حتى إذا فشلتم} جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل... {ثم صرفكم عنهم} ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. {ليبتليكم} على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإيمان عندها. {ولقد عفا عنكم} تفضلا ولما علم من ندمكم على المخالفة. {والله ذو فضل على المؤمنين} يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة.

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

{وعصيتم} أي: خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظا للجميع، وسترا على من فعل ذلك...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كانت السين في {سنلقي} مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى -عطفاً على قوله: {بلى إن تصبروا وتتقوا} [آل عمران: 125]، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل {ولقد نصركم الله ببدر} [آل عمران: 123] كما مضى -: {ولقد صدقكم الله وعده} أي في قوله {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم} [آل عمران: 120] {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم {بإذنه} فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال- قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحس: {حتى إذا فشلتم} أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم... ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: {وتنازعتم} أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من يد بعض {في الأمر} أي أمر الثغر المأمور بحفظه {وعصيتم} أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر. وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء، وتبشيراً بزوالها فقال: {من بعد ما أراكم ما تحبون} أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم. ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله: {منكم من يريد الدنيا} أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون في مراكزهم، لم يعرجوا على الدنيا. ولما كان التقدير جواباً لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: {ثم صرفكم عنهم} أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة {ليبتليكم} أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله {صرفكم} {ولقد عفا عنكم} أي تفضلاً عليكم لإيمانكم {والله} الذي له الكمال كله {ذو فضل على المؤمنين} أي كافة، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

وحاصل المعنى انه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارا لكم يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيّل بين الأقوياء والضعفاء، كما علم من الآيات السابقة. وقد أسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل، وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق "قل هو من عند أنفسكم "باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان...

قال تعالى: {ولقد عفا عنكم} بذلك التمحيص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد كما علم مما مر وما يأتي {والله ذو فضل على المؤمنين} فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم. أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهنا يردهم السياق إلى مصداق وعد الله هذا في غزوة أحد ذاتها. فقد كان لهم النصر الساحق في أوائلها. ولقد استحر القتل في المشركين حتى ولوا الأدبار، وتركوا وراءهم الغنائم، وسقط لواؤهم فلم تمتد يد لرفعه حتى رفعته لهم امرأة!.. ولم ينقلب النصر هزيمة للمسلمين إلا حين ضعفت نفوس الرماة أمام إغراء الغنائم؛ وتنازعوا فيما بينهم، وخالفوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيهم وقائدهم.. وهنا يردهم السياق إلى صميم المعركة ومشاهدها ومواقفها وأحداثها وملابساتها، في حيوية عجيبة: (ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم -من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. ثم صرفكم عنهم ليبتليكم. ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم. والله خبير بما تعملون. ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ قل: إن الأمر كله لله. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. وليبتلي الله ما في صدوركم. وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. ولقد عفا الله عنهم. إن الله غفور حليم).. إن التعبير القرآني هنا ليرسم مشهدا كاملا لمسرح المعركة، ولتداول النصر والهزيمة. مشهدا لا يترك حركة في الميدان، ولا خاطرة في النفوس، ولا سمة في الوجوه، ولا خالجة في الضمائر، إلا ويثبتها.. وكأن العبارات شريط مصور يمر بالبصر، ويحمل في كل حركة صورا جديدة نابضة. وبخاصة حين يصور حركة الإصعاد في الجبل، والهروب في دهش وذعر، ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للفارين المرتدين عن المعركة، المصعدين للهرب. يصحب ذلك كله حركة النفوس، وما يدور فيها من خوالج وخواطر وانفعالات ومطامع.. ومع هذا الحشد من الصور الحية المتحركة النابضة، تلك التوجيهات والتقريرات التي يتميز بها أسلوب القرآن، ومنهج القرآن التربوي العجيب: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه).. وكان ذلك في مطالع المعركة، حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين، أي يخمدون حسهم، أو يستأصلون شأفتهم. قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم:"لكم النصر ما صبرتم" فصدقهم الله وعده على لسان نبيه.

(حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).. وهو تقرير لحال الرماة. وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة؛ ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهى الأمر إلى العصيان. بعد ما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه. فكانوا فريقين: فريقا يريد غنيمة الدنيا، وفريقا يريد ثواب الآخرة. وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة، ولم يعد الهدف واحدا. وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة. فمعركة العقيدة ليست ككل معركة. إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير. ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير. إنها معركة لله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم له. وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها؛ كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية. ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك- لحكمة يعلمها الله -أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد، فلا يمنحهم الله النصر أبدا، حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا..

وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة، وهذا ما أراد الله- سبحانه -أن يعلمه للجماعة المسلمة، وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح! (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)..

والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم.. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله [ص] يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).. وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها؛ ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة الله وتدبيره، وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها؛ ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم).. لقد كان هناك قدر الله وراء أفعال البشر. فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان، فلاذوا بالفرار.. وقع كل هذا مرتبا على ما صدر منهم؛ ولكن مدبرا من الله ليبتليهم.. ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح؛ وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب، ومن تمحيص النفوس، وتمييز الصفوف- كما سيجيئ. وهكذا تقع الأحداث مرتبة على أسبابها، وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها. بلا تعارض بين هذا وذاك. فلكل حادث سبب، ووراء كل سبب تدبير.. من اللطيف الخبير.. (ولقد عفا عنكم).. عفا عما وقع منكم من ضعف ومن نزاع ومن عصيان؛ وعفا كذلك عما وقع منكم من فرار وانقلاب وارتداد.. عفا عنكم فضلا منه ومنة، وتجاوزا عن ضعفكم البشري الذي لم تصاحبه نية سيئة ولا إصرار على الخطيئة.. عفا عنكم لأنكم تخطئون وتضعفون في دائرة الإيمان بالله، والاستسلام له، وتسليم قيادكم لمشيئته: (والله ذو فضل على المؤمنين).. ومن فضله عليهم أن يعفو عنهم، ما داموا سائرين على منهجه، مقرين بعبوديتهم له؛ لا يدعون من خصائص الألوهية شيئا لأنفسهم، ولا يتلقون نهجهم ولا شريعتهم ولا قيمهم، ولا موازينهم إلا منه.. فإذا وقعت منهم الخطيئة وقعت عن ضعف وعجز أو عن طيش ودفعة.. فيتلقاهم عفو الله بعد الابتلاء والتمحيص والخلاص..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{ولقد صدقكم} عطف على قوله: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} [آل عمران: 151] وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين: تطميناً لهم بذكر نظيره ومماثله السابقِ، فإنّ لذلك موقعاً عظيماً في الكلام على حدّ قولهم (التَّاريخ يعيد نفسه) وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]. وصِدق الوعد: تحقيقُه والوفاءُ به، لأنّ معنى الصدق مطابقة الخبر للواقع...

والوعد هنا وعد النصر الواقعُ بمثل قوله: {يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] أو بخبر خاصّ في يوم أحُد. وإذْن الله بمعنى التقدير وتيسير الأسباب. و (إذ) في قوله: {إذ تحسونهم} نصب على الظرفية لقوله: {صدقكم} أي: صدقكم الله الوعد حين كنتم تحسّونهم بإذنه فإنّ ذلك الحسّ تحقيق لوعد الله إيّاهم بالنَّصر، و (إذْ) فيه للمضيّ، وأتى بعدها بالمضارع لإفادة التجدّد أي لحكاية تجدّد الحسّ في الماضِي...

والفشل: الوهن والإعياء، والتنازع: التخالف، والمُراد بالعصيان هنا عصيان أمر الرسول، وقد رتّبت الأفعال الثلاثة في الآية على حسب ترتيبها في الحصول، إذ كان الفشل، وهو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفهم للطمع في الغنيمة، قد حصل أولاً فنشأ عنه التنازع بينهم في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش للغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقف الَّذي أمرهم الرسول عليه الصلاة والسّلام بملازمته وعدم الانصراف منه، وهذا هو الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإنشاء ما لم يقتض الحال العدول عنه...

ومعنى {من بعد ما أراكم ما تحبون} أراد به النَّصر إذ كانت الريح أوّل يوم أُحُد للمسلمين، فهزموا المشركين، وولوا الأدبار، حتَّى شوهدت نساؤهم مشمّرات عن سوقهنّ في أعلى الجبل هاربات من الأسر، وفيهنّ هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان، فلمَّا رأى الرماة الَّذين أمرهم الرسول أن يثبتوا لحماية ظهور المسلمين، الغنيمة، التحقوا بالغزاة، فرأى خالد بن الوليد، وهو قائد خيل المشركين يومئذ، غرّة من المسلمين فأتاهم من ورائهم فانكشفوا واضطرب بعضهم في بعض وبادروا الفرار وانهزموا، فذلك قوله تعالى: {من بعد ما أراكم ما تحبون} فيكون المجرور متعلّقاً بفشلهم. والكلام على هذا تشديد في الملام والتنديم. والأظهر عندي أن يكون معنى ما تحبّون هو الغنيمة فإنّ المال محبوب، فيكون المجرور يتنازعه كُلّ من (فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم)، وعدل عن ذكر الغنيمة باسمها، إلى الموصول تنبيهاً على أنَّهم عجّلوا في طلب المَال المحبوب، والكلام على هذا تمهيد لبساط المعذرة إذ كان فشلهم وتنازعهم وعصيانهم عن سبب من أغراض الحرب وهو المعبّر عنه ب (إحدى الحسنيين) ولم يكن ذلك عن جبن، ولا عن ضعف إيمان، أو قصد خذلان المسلمين، وكلّه تمهيد لما يأتي من قوله: {ولقد عفا عنكم}...

والمراد بقوله: {منكم من يريد الدنيا} إرادة نعمة الدنيا وخيرها، وهي الغنيمة، لأنّ من أراد الغنيمة لم يحرص على ثواب الامتثال لأمر الرسول بدون تأويل، وليس هو مفرّطاً في الآخرة مطلقاً، ولا حاسباً تحصيل خير الدنيا في فعله ذلك مفيتاً عليه ثواب الآخرة في غير ذلك الفعل، فليس في هذا الكلام ما يدلّ على أنّ الفريق الَّذين أرادوا ثواب الدنيا قد ارتدّوا عن الإيمان حينئذ، إذ ليس الحرص على تحصيل فائدة دنيوية من فعل من الأفعال، مع عدم الحرص على تحصيل ثواب الآخرة من ذلك الفعل بِدالَ على استخفاف بالآخرة، وإنكار لها، كما هو بيّن، ولا حاجة إلى تقدير: منكم من يريد الدنيا، فقط. وإنَّما سمّيت مخالفة من خالف أمر الرسول عصياناً، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف، إذ كانوا قالوا: إنّ رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور المسلمين، فلمَّا نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتَّى تفوتنا الغنائم، فكانوا متأوَّلين، فإنَّما سمّيت هنا عصياناً لأنّ المقام ليس مقام اجتهاد، فإنّ شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل، أو لأنّ التأويل كان بعيداً فلم يعذروا فيه، أو لأنَّه كان تأويلاً لإرضاء حبّ المال، فلم يكن مكافئاً لدليل وجوب طاعة الرّسول. وإنَّما قال: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ليدلّ على أنّ ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء، ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره، ولأنّ في الابتلاء أسراراً عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه. وعُقب هذا الملام بقوله: {ولقد عفا عنكم} تسكيناً لخواطرهم، وفي ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين، وأعظم من ذلك تقديم العفو على الملام في ملام الرسول عليه السلام في قوله تعالى: {عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43]، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو، وفيه أيضاً دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفاً من غضب الله تعالى. وفي تذييله بقوله: {والله ذو فضل على المؤمنين} تأكيد ما اقتضاه قوله: {ولقد عفا عنكم} والظاهر أنَّه عفو لأجل التأويل، فلا يحتاج إلى التَّوبة، ويجوز أن يكون عفواً بعدما ظهر منهم من الندم والتَّوبة، ولأجل هذا الاحتمال لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين بأنّ المعصية تسلب الإيمان.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وكان التعبير بكلمة (صرفكم) بدل (هزمتم) لأن ما حدث في أحد لم يكن هزيمة، وإن لم يكن نصرا؛ لن الهزيمة تقتضي ان يولى المسلمون الأدبار، وأن يتحكم الأعداء، وليس ما حدث أكثر من ان القتلى في المؤمنين كانوا أكثر من القتلى في المشركين، ولم ينل المشركون بذلك مأربا، فكان الله سبحانه وتعالى يشير لهم بأن ما حدث لا يصح ان تبتئسوا له، ولا يصيبكم الحزن؛ لأنه ليس هزيمة، بل هو نوع من الصرف عن الغاية التي من اجلها خرجتم. وكان هذا لا بد منه ليمحص قلوبكم، وليختبركم بالشدائد التي تصقل نفوسكم، وتجعلها مستعدة لما يأتي به القدر، ولبيان ان الطاعة للقائد الحكيم هي أساس الظفر، والعصيان سبب للاندحار.

{ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} في هذا النص السامي... أكد سبحانه وتعالى عفوه بعدة تأكيدات أولها: بالتعبير ب"قد"، فإنها للتحقيق، واستعمالها في أكثر آي القرآن للتحقيق، وثانيها:باللام. وثالثها: بالتعبير بالماضي. ولماذا أكد سبحانه وتعالى عفوه بهذا التأكيد؟ لأن أولئك الأبرار الذين اخلصوا دينهم لله تعالى قد تجسم في نفوسهم خطؤهم، حتى توهموا انه غير قابل للغفران، فإن المؤمن التقى يستكثر هفوته، ويستصغر حسنته؛ لأنه يحس بحق الله تعالى عليه، ووجوب شكر النعم التي انعم بها، وبمقدار قوة الإيمان يغلب المؤمن خوف العقاب على رجاء الثواب. ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى: {والله ذو فضل على المؤمنين} لبيان فضل الله تعالى العميم على عباده المؤمنين، فكل شيء بفضله، فنصرهم في بدر بفضل منه، ونصرهم في الابتداء في احد كان بفضل منه، وخذلانهم بفشلهم وتنازعتم فيه فضل بتعليمهم حق الجهاد وواجبه، وعفوه عنهم هو الفضل كله، ولقد تأكد فضل الله تعالى في الآية بقوله: {ذو فضل} أي صاحب فضل، والمرمى ان الفضل يلازمه، ولا ينقطع عنه سبحانه وتعالى أبدا.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وينتهي هذا الربع بوضع اليد على سبب المتاعب التي لقيها المسلمون يوم أحد، وذلك بغية تنبيه الجيل الإسلامي الأول إلى تجنب عوامل الهزيمة وأسبابها، بالنسبة لما ينتظره من جهاد طويل في سبيل الله، ثم تنبيه كل الأجيال الإسلامية اللاحقة إلى نفس العوامل والأسباب، حتى يتجنبها، ولا تبتلى بها ولا بنتائجها الحتمية، وهذه الأسباب يلخصها كتاب الله في أربعة أشياء: 1-الفشل الذي يصيب بعض ضعفاء النفوس، فيجرون الهزيمة على من معهم {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}.

- التنازع بين المحاربين وعدم الاتفاق فيما بينهم {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ}.

- عصيان المحاربين لأوامر القيادة العليا وعدم تنفيذهم لتلك الأوامر تنفيذا حرفيا {وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}.

- اختلاف الوجهة وعدم الاتحاد في الهدف {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ}. فهذه الأسباب الأربعة التي حددها كتاب الله أوضح تحديد هي الأسباب المباشرة في كل هزيمة لحقت المسلمين، في يوم أحد أولا، وفي كل الغزوات والفتوحات التي أخل فيها المسلمون بشروط النصر وأسبابه...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

الهزيمة بعد الانتصار:

قاتل المسلمون في المرحلة الأُولى من معركة «أُحد» بشجاعة خاصّة، ووقفوا وقفة رجل واحد فأحرزوا انتصارا سريعاً، وبددوا جيش العدو في أقرب وقت، فدب السرور والفرح في المعسكر الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه كما أسلفنا، إلاّ أنّ تجاهل فريق من الرماة لأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المشددة بالبقاء عند ثغر الجبل والمحافظة عليه سبّب في أن تنقلب الآية.

فقد أقدم ذلك الفريق من الرماة الذين كلّفهم النبي القائد (صلى الله عليه وآله وسلم) بحراسة الثغر الموجود في جبل «عينين» بقيادة «عبد الله بن جبير» على ترك موقعهم المهم جداً عندما عرفوا بهزيمة قريش، واشتغال المسلمين بجمع الغنائم، وفسح هذا الأمر المجال لكمين من قريش في أن يهاجموا المسلمين من الخلف فيتحمل الجيش الإسلامي ضربة نكراء.

وعندما عاد المسلمون بعد تحمل خسائر عظيمة إلى المدينة كان يسأل أحدهم رفيقه: ألم يعدنا الله سبحانه بالفتح والنصر، فلماذا هزمنا في هذه المعركة؟

فكانت الآيات الحاضرة جواباً على هذا السؤال، وتوضيحاً للعلل الحقيقية التي سببت تلك الهزيمة،

وإليك فيما يلي تفسير جزئيات هذه الآيات وتفاصيلها:

قال سبحانه: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتّى إذا فشلتم).

ففي هذه العبارة يشير القرآن الكريم بل ويصرح بأن الله قد صدق وعده وأنزل النصر على المسلمين في بداية تلك المعركة، فقتلوا العدو، وفرقوا جمعهم ومزقوا شملهم ما داموا كانوا يتبعون تعاليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتقيدون بأوامره، وما داموا كانوا يتحلون بالثبات والاستقامة، فلم تلحق بهم الهزيمة إلاّ عندما وهنوا وتجاهلوا أوامر القيادة النبوية الدقيقة. وهذا يعنى أن عليهم أن لا يتوهموا بأن الوعد بالتأييد والنصر مطلق لا قيد له ولا شرط، بل كل الوعود الإلهية بالنصر مقيدة باتباع تعاليم الله بحذافيرها، والتمسك بأهدافها.

أما متى وعد الله المسلمين بالنصر في هذه المعركة، فهناك احتمالان:

الأوّل: أن يكون المراد هو تلك الوعود العامة التي يعد الله بها المؤمنين دائماً حيث يخبرهم بأنّه سبحانه ينصرهم على الكافرين والأعداء.

الآخر: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وعد المسلمين بصراحة قبل أن يخوضوا معركة «أُحد» بأنهم منتصرون في تلك المعركة، ووعد النبي هو الوعد الإلهي بلا ريب.

ثمّ إنه سبحانه يقول: بعد بيان هذه الحقيقة حول النصر الإلهي (وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون).

ومن هذه العبارة التي هي إشارة إلى ما طرأ على وضع الرماة في جبل «عينين» يستفاد بوضوح بأن الرماة الذين كلفوا بحراسة الثغر قد اختلفوا فيما بينهم في ترك ذلك الثغر ومغادرة ذلك الموقع في الجبل فعصى فريق كبير منهم، (وهذا قد يستفاد من لفظة عصيتم التي تفيد أن الأغلبية والأكثرية من الرماة قد عصت وتجاهلت تأكيدات النبي بالبقاء هناك).

ولهذا يقول القرآن الكريم بأنّكم عصيتم من بعد ما أراكم النصر الساحق الذي كنتم تحبون، أي أنّكم بذلتم غاية الجهد لتحقيق النصر، ولكنكم وهنتم في حفظه، وتلك حقيقة ثابتة أبداً أن الحفاظ على الانتصارات أصعب بكثير من تحقيقها.

أجل لقد اختلفتم فيما بينكم وتنازعتم في تلك اللحظات الحساسة البالغة الأهمية (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).

ففي الوقت الذي كان البعض -وهم الأغلب كما قلنا- يفكرون في الغنائم وقد سال لعابهم لها حتّى أنهم تركوا موقعهم الخطير في الجبل، بينما بقيت جماعة أخرى قليلة مثل «عبد الله بن جبير» وبعض الرماة ثابتين في مكانهم يذبون عنه الأعداء ويطلبون الآخرة والثواب الإلهي العظيم.

وهنا تغير مجرى الأُمور، وانعكست القضية فبدل الله الانتصار إلى الهزيمة ليمتحنكم وينبهّكم، ويربّيكم: (ولقد صرفكم عنهم ليبتليكم).

ثمّ إنه سبحانه غفر لكم كلّ ما صدر وبدر عنكم من عصيان وتجاهل لأوامر الرسول وما ترتب على ذلك من التبعات في حين كنتم تستحقون العقاب، وما ذلك إلاّ لأن الله لا يضن بنعمة على المؤمنين، ولا يبخل عليهم بموهبة (ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين).

أجل، إنه تعالى يحب المؤمنين، ولا يتركهم وشأنهم ولا يكلهم إلى أنفسهم إلاّ في بعض الأحيان ليتنبهوا، ويتوبوا إلى رشدهم فيزدادوا التصاقاً بالشريعة، واهتماما بالمسؤوليات، ويقظة وإحساساً.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (152)

قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ! فنزلت هذه الآية . وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء ، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة ، وترك بعض الرماة أيضا مركزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة . روى البخاري عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : ( لا تبرحوا من مكانكم [ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ]{[3573]} وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم ) قال : فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن{[3574]} في الجبل ، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون : الغنيمة الغنيمة . فقال لهم عبد الله : أمهلوا ! أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا ، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا . ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجيبوه ) حتى قالها ثلاثا . ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تجيبوه ) ثم قال : أفي القوم عمر بن الخطاب{[3575]} ؟ ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تجيبوه ) ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا . فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال : كذبت يا عدو الله ! قد أبقى الله لك من يخزيك به . فقال : اعْلُ هُبَل{[3576]} ، مرتين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أجيبوه ) فقالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال : ( قولوا الله أعلى وأجل ) . قال أبو سفيان : لنا العزى{[3577]} ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ( أجيبوه ) . قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا ( الله مولانا ولا مولى لكم ) . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني . وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال . وفي رواية عن سعد : عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد . يعني جبريل وميكائيل . وفي رواية أخرى : يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده . وعن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر . قال البيهقي : إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به . وعن عروة بن الزبير قال : وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين : وكان قد فعل ، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألا يبرحوا من منازلهم ، وأرادوا الدنيا ، رفع عنهم مدد الملائكة ، وأنزل الله تعالى : " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه " [ آل عمران : 152 ] فصدق الله وعده وأراهم الفتح ، فلما عصوا أعقبهم البلاء . وعن عمير بن إسحاق قال : لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه ، وفتى ينبل له ، كلما ذهبت نبلة أتاه بها . قال ارم أبا إسحاق . فلما فرغوا نظروا من الشاب ؟ فلم يروه ولم يعرفوه{[3578]} . وقال محمد بن كعب : ولما قتل صاحب لواء المشركين وسقط لواؤهم ، رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية ، وفي ذلك يقول حسان :

فلولا لواءُ الحارثية أصبحوا *** يباعون في الأسواق بيع الجَلاَئِبِ

و " تحسونهم " معناه تقتلونهم وتستأصلونهم ، قال الشاعر :

حسَسْناهم بالسيف حَسّاً فأصبحت *** بَقيّتُهم قد شُرِّدُوا وتبددوا

وقال جرير :

تَحُسُّهُمُ السيوف كما تسامى *** حَريقُ النار في الأَجَمِ الحَصِيدِ

قال أبو عبيد : الحَسُّ الاستئصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد . والبرد محسة للنبت . أي محرقة له ذاهبة به . وسنة حسوس أي جدبة تأكل كل شيء ، قال رؤبة :

إذا شكونا سَنَةً حَسُوسَا *** تأكل بعد الأخضر{[3579]} اليَبِيسَا

وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة . فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل . " بإذنه " بعلمه ، أو بقضائه وأمره . " حتى إذا فشلتم " أي جبنتم وضعفتم . يقال فشل يفشل فهو فشِل وفشْل . وجواب " حتى " محذوف ، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم . ومثل هذا جائز كقوله : " فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء " {[3580]} [ الأنعام : 35 ] فافعل . وقال الفراء : جواب " حتى " ، " وتنازعتم " والواو مقحمة زائدة ، كقوله " فلما أسلما وتله للجبين . وناديناه " {[3581]} [ الصافات : 103 - 104 ] أي ناديناه . وقال امرؤ القيس :

فلما أجَزْنَا ساحةَ الحَيّ وانتَحَى

أي انتحى . وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من " وعصيتم " . أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم . وعلى هذا فيه تقديم وتأخير ، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشلتم . وقال أبو علي : يجوز أن يكون الجواب " صرفكم عنهم " ، و " ثم " زائدة ، والتقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر :

أراني إذا ما بِتُّ بِتّ على هوى *** فثُمّ إذا أصبحت أصبحت عاديا

وجوز الأخفش أن تكون زائدة ، كما في قوله تعالى : " حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم " {[3582]} [ التوبة : 118 ] . وقيل : " حتى " بمعنى " إلى " وحينئذ لا جواب له ، أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم ، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات . ومعنى " تنازعتم " اختلفتم ، يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض : نلحق الغنائم . وقال بعضهم : بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه . " وعصيتم " أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت . " من بعد ما أراكم ما تحبون " يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحد أول أمرهم ، وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما تقدم ، وذلك أنه لما صرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب متفرقة فحاسوا{[3583]} العدو ضربا حتى أجهضوهم{[3584]} عن أثقالهم . وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة{[3585]} ، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا . فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم قالوا : والله ما نجلس ههنا لشيء ، قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين . وقال طوائف منهم : علام نقف وقد هزم الله العدو ؟ فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتركوها ، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت{[3586]} الخيل فيهم قتلا . وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم ، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر ، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام . ثم بين سبب التنازع . فقال : " منكم من يريد الدنيا " يعني الغنيمة . قال ابن مسعود : ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد . " ومنكم من يريد الآخرة " وهم الذين ثبتوا في مركزهم ، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبد الله بن جبير ، فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه ، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي ، رحمهم الله . والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت ، فإن من ثبت فاز بالثواب ، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون ، ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة ، بل هو سبب المثوبة . والله أعلم .

قوله تعالى : " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم " أي بعد أن استوليتم عليهم ردكم عنهم بالانهزام . ودل هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى . وقالت المعتزلة : المعنى ثم انصرفتم ، فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم . قال القشيري : وهذا لا يغنيهم ؛ لأن إخراج الرعب من قلوب الكافرين حتى يستخفوا بالمسلمين قبيح ولا يجوز عندهم ، أن يقع من الله قبيح ، فلا يبقى لقوله : " ثم صرفكم عنهم " معنى . وقيل : معنى " صرفكم عنهم " أي لم يكلفكم طلبهم .

قوله تعالى : " ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين " أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة . والخطاب قيل هو للجميع . وقيل : هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به ، واختاره النحاس . وقال أكثر المفسرين : ونظير هذه الآية قوله : " ثم عفونا عنكم " {[3587]} [ البقرة : 52 ] . " والله ذو فضل على المؤمنين " بالعفو والمغفرة . وعن ابن عباس قال : ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد ، قال : وأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل ، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد : " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه - يقول ابن عباس : والحَس القتل - حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين " وإنما عنى بهذا الرماة . وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال : ( احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا ) . فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون ، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا - وشبك أصابع يديه - والتبسوا . فلما أخل الرماة تلك الخلة{[3588]} التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون نحو الجبل ، ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغار{[3589]} ، إنما كانوا تحت المهراس{[3590]} وصاح الشيطان : قتل محمد . فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين{[3591]} ، نعرفه بتكفئه{[3592]} إذا مشى . قال : ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا . قال : فرقي نحونا وهو يقول : ( اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم ){[3593]} . وقال كعب بن مالك : أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ، عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ! ابشروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل . فأشار إليّ أن اسكت .


[3573]:- زيادة عن صحيح البخاري. والذي فيه: "لا تبرحوا إن رأيتمونا".
[3574]:- أي يسرعن المشي.
[3575]:- في جـ وهـ ود.
[3576]:- أي أظهر دينك، أو زد علوا، أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت.
[3577]:- العزى: اسم صنم لقريش.
[3578]:- في د: نقله محمد بن كعب.
[3579]:- في اللسان: الخضرة.
[3580]:- راجع جـ6 ص 417.
[3581]:- راجع جـ 15 ص 99.
[3582]:- راجع جـ 8 ص 281.
[3583]:- الحوس: شدة الاختلاط ومداركة الضرب. أي بالغوا النكاية فيهم، في هـ و د: جاسوا.
[3584]:- أي نحوهم عنها وأزالوهم.
[3585]:- في د: مفلولة.
[3586]:- الإيجاف: سرعة السير.
[3587]:- راجع جـ1 ص 397.
[3588]:- أخل بالمكان وبمركزه: غاب عنه وتركه. والخلة: الطريق.
[3589]:- كذا في الأصول. والذي في الدر المنثور، والمستدرك للحاكم: "...الغاب" بالباء بدل الراء.
[3590]:- المهراس: ماء بجبل أحد.
[3591]:- السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
[3592]:- التكفؤ: التمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها.
[3593]:- في د و هـ وجـ: وجه رسوله.