الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال فبما أغويتني} قال: أما إذ أضللتني. {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم، يعني الإسلام.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه: قال إبليس لربه:"فَبِما أغْوَيْتَنِي" يقول: فبما أضللتني... وكان بعضهم يتأوّل قوله: "فَبِما أغْوَيْتَنِي": بما أهلكتني، من قولهم: غَوِيَ الفصيل يَغْوَى غَوًى، وذلك إذا فقد اللبن فمات... وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده غارّا له... وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم، كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، كما يقال: بالله لأفعلن كذا. وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى المجازاة، كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني، أو فبأنك أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم...

وأما قوله: "لأَقْعُدَنّ لَهُمْ صرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ "فإنه يقول: لأجلسنّ لبني آدم "صراطك المستقيم"، يعني: طريقك القويم، وذلك دين الله الحقّ، وهو الإسلام وشرائعه.

وإنما معنى الكلام: لأصدنّ بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأُضِلّنهم كما أضَللْتَني. وذلك كما رُوي عن سَبْرة بن الفاكه أنه سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشّيْطانَ قَعَد لاِبْنِ آدَمَ بأطْرَقَةٍ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلام، فَقالَ: أتُسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدينَ آبائِك؟ فَعَصَاهُ فَأسْلَم. ثُمّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيق الهجْرَةِ، فَقالَ: أتهاجِرُ وَتَذَرُ أرْضَكَ وَسَماءَكَ، وإنمَا مَثَلُ المُهاجرِ كالفَرَسِ فِي الطّوَلِ؟ فَعَصَاه وَهاجَرَ. ثُمّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ، وَهُوَ جَهْدُ النّفْسِ والمَالِ، فقالَ: أتُقاتلُ فتُقْتَلَ فَتُنْكَحُ المَرأةُ ويُقَسّمُ المَالُ؟ قالَ: فَعَصَاهُ فَجاهَدَ»...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وقوله تعالى: {لأقعدنّ لهم} ليس على حقيقة القعود، ولكن على المنع عن السلوك في الطريق، أو على التلبيس عليهم الطريق المستقيم والستر عليهم؛ لأن من قعد في الطريق منع الناس عن السلوك فيه.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{لأقعدن لهم صراطك المستقيم} على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة بأن أزين لهم الباطل...

جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :

{لأقعدن لهم صراطك المستقيم} قيل: هو طريق الشكر.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الإغواء إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل.

قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} فيه أبحاث. البحث الأول: المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود. ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها.

والبحث الثاني: إن هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج الصحيح، لأنه قال: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

البحث الثالث: الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: {فبما أغويتني}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر وأخبر عن نفسه بذلك بأن {قال} مسبباً عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين {فبما أغويتني} أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي و اعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم، والله {لأقعدن لهم} أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف {صراطك} أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض {المستقيم} وهو الإسلام بجميع شعبه...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

الإغواء: الإيقاع في الغواية وهي ضد الرشاد لأنها في أصل اللغة بمعنى الفساد المردي، وصراط الله المستقيم هو الطريق الذي يصل سالكه إلى السعادة التي أعدها سبحانه لمن تتزكى نفسه بهداية الدين الحق وتكميل الفطرة...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وهذا الكلام يدلّ على أنّ إبليس عَلِم أنّ الله خلق البشر للصّلاح والنّفعِ، وأنّه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سُمِّيت أعمال الخير، في حكاية كلام إبليس، صراطاً مستقيماً، وأضافه إلى ضمير الجلالة، لأنّ الله دعا إليه وأراد من النّاس سلوكه، ولذلك أيضاً ألزم {لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم}. وبهذا الاعتبار كان إبليس عدواً لبني آدم، لأنّه يطلب منهم ما لم يُخلقوا لأجله وما هو منافٍ للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّغيير، وذلك ما أفصح عنه الجَعل الإلهي المشار إليه بقوله: {بعضكم لبعض عدو} [البقرة: 36]، وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبُّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " قال فبما أغويتني " الإغواء إيقاع الغي في القلب ، أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار . وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل ، بل هو كفر عناد واستكبار . وقد تقدم في " البقرة " {[7031]} قيل : معنى الكلام القسم ، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك ، أو في صراطك ، فحذف . دليل على هذا القول قوله في ( ص ) : " فبعزتك لأغوينهم أجمعين{[7032]} " [ ص : 82 ] فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد ، فأقسم به إعظاما لقدره عنده . وقيل : الباء بمعنى اللام ، كأنه قال : فلإغوائك إياي . وقيل : هي بمعنى مع ، والمعنى فمع إغوائك إياي . وقيل : هو استفهام ، كأنه سأل بأي شيء أغواه ؟ . وكان ينبغي على هذا أن يكون : فبم أغويتني ؟ . وقيل : المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي . والإغواء الإهلاك ، قال الله تعالى : " فسوف يلقون غيا{[7033]} " [ مريم : 59 ] أي هلاكا . وقيل : فبما أضللتني . والإغواء : الإضلال والإبعاد ، قاله ابن عباس . وقيل : خيبتني من رحمتك ، ومنه قول الشاعر{[7034]} :

ومن يغو لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لاَئِمَا

أي من يخب . وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي{[7035]} غيا إذا فسد عليه أمره ، أو فسد هو في نفسه . وهو أحد معاني قوله تعالى : " وعصى آدم ربه فغوى{[7036]} " [ طه : 121 ] أي فسد عيشه في الجنة . ويقال : غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه .

الثانية - مذهب أهل السنة أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ؛ ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى . وهو الحقيقة ، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له ، صادر عن إرادته تعالى . وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه ، تعالى الله عن ذلك . فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم ، وهو نوح عليه السلام حيث قال لقومه : " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون{[7037]} " [ هود : 34 ] وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام ، وكان متهما بالقدر ، وكان من الفقهاء الكبار ، فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ؟ فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه ! فقال : إبليس أفقه منه ، يقول إبليس : رب بما أغويتني . ويقول هذا : أنا أغوي نفسي .

الثالثة - قوله تعالى : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم " أي بالصد عنه ، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضل ، أو يخيبوا كما خيب ، حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في " أغويتني " . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة . و " صراطك " منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله : " صراطك المستقيم " ؛ كما حكى سيبويه " ضرب زيد الظهر والبطن " . وأنشد :

لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب{[7038]}


[7031]:راجع ج 1 ص 295.
[7032]:راجع ج 15 ص 228
[7033]:راجع ج 11 ص 125.
[7034]:هذا عجز بيت للمرقش، وصدره كما في اللسان مادة غوى: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره.
[7035]:من ج.
[7036]:راجع ج11 ص 255
[7037]:راجع ج9 وص 28.
[7038]:البيت لساعدة ابن جؤية: يريد في الطريق وصف في البيت رمحا لين الهز، فشبه اضطرابه في نفسه أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والعسل العسلان (بالتحريك) سير سريع في اضطراب واللدن: الناعم اللين. (عن شرح الشواهد).