غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (16)

11

{ قال فبما أغويتني } الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن . ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله : { لأقعدن } لأن لام القسم تأبى ذلك . لا يقال : والله يريد لأمرنّ . لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها . وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و «ما » مصدرية تقديره : فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم . ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن . ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن . وقال في الكشاف : إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال . قال مشايخ العراق : الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين ، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً . ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال : رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب . وقال بعضهم : ما للاستفهام كأنه قيل : بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال : { لأقعدن } ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما » الاستفهامية قليل . قيل : إن إبليس أضاف الإغواء هاهنا إلى الله وفي قوله :

{ فبعزتك لأغوينهم } [ ص : 82 ] أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر ، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة . أجابت المعتزلة عن قوله : { فبما أغويتني } بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله . وقد يقال : لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده ، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن . وقالت الأشاعرة : نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء هاهنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود . أما قوله : { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } فانتصابه على الظرف كقوله :

لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب

قال الزجاج : هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن . والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله : { ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم } على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة ، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود .

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل . فمن قائل بالأول لقوله : { صراطك المستقيم } وصراط الله المستقيم هو دينه الحق . ومن قائل بالثاني لقوله : { فبما أغويتني } فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية ، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد ، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم ، قالت الأشاعرة : في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك ، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال ، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض . إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله تعالى : { فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم } [ الصافات : 162 ] ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة . وقال أبو هاشم : يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب . وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق . وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه تعالى لا يراعي المصلحة ، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأب ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب . فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها .

/خ25