تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ} (41)

بعد ذلك شرع يوسف يفسّر لهما الرؤيا فقال : يا صاحبي السجن ، أما أحدُكما فسيعود إلى ما كان عليه ، ساقيَ الملك وصاحبَ شرابه ، وأما الثاني فيُصْلَب ويُترك مصلوباً ، فتقع عليه الطير وتأكل من رأسه ، إن الأمر الذي يهُّمكما ويُشكل عليكما وتستفتيانني فيه قد اتّضح وانتهى حكمه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ} (41)

{ يَا صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } أراد به الشرابي ، وإنما لم يعينه عليه السلام ثقة بدلالة التعبير مع ما فيه من رعاية حسن الصحبة { فَيَسْقي رَبَّهُ } أي سيده { خَمْراً } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده ، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه . وقرئ { فيسقى } بضم الياء والبناء للفاعل من أسقى قال صاحب «اللوامح » : يقال : سقى وأسقى بمعنى ، وقرئ في السبعة وأسقاه جعل له سقياً ، ونسب ضم الياء لعكرمة والجحدري ، وذكر بعضهم أن عكرمة قرأ { فيسقى } بالبناء للمفعول ، و - ريه - بالياء المثناة والراء المكسورة ، والمراد به ما يروى به وهو مفعول ثان - ليسقى - والمفعول الأول الضمير النائب عن الفاعل العائد على ( أحد ) ، ونصب { خمراً } حينئذ على التمييز { وَأَمَّا الآخَرُ } وهو الخباز { فَيُصْلَبُ فتأكُلُ الطَّيْرُ من رَّأسه } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثة أيام تمر ثم تخرج فتصلب .

{ قُضيَ } أتم وأحكم { الأَمْرُ الَّذي فيه تَسْتَفْتيَان } وهو ما يؤول إليه حالكما وتدل عليه رؤياكما من نجاة أحدكما وهلاك الآخر ، ومعنى استفتائهما فيه سؤالهما عنه ، أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : ما رأى صاحبا يوسف شيئاً إنما تحالما ليجريا علمه فلما أول رؤياهما قالا : إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً ، فقال عليه السلام قضي الأمر الخ يقول : وقعت العبارة اه . وقيل : المراد بالأمر ما اتهما به ، والكلام حينئذ على حذف مضاف أي عاقبة ذلك . وذهب بعض المحققين غلى أن المراد به ما رأياه من الرؤييين ، ونفى أن يكون المراد ما يؤول إليه أمرهما ، قال : لأن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة لا في حكمها يقال : استفتي الفقيه في الحادثة أي طلب منه بيان حكمها ولا يقال : استفتاه في حكمها وكذا الإفتاء ، يقال : أفتى في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال : أفتى في حكمها بكذا ، ومما هو علم في ذلك قوله تعالى : { يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي } [ يوسف : 43 ] ومعنى استفتائهما فيه طلبهما لتأويله بقولهما { نبئنا بتأويله } [ يوسف : 36 ] وعبر عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويله بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم المبهمة الجواب . وإيثار صيغة المضارع لما أنهما بصدد الاستفتاء إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره وإسناد القضاء إليه مع أنه

من أحوال مآله لأنه في الحقيقة عين ذلك المآل ، وقد ظهر في عالم المثال بتلك الصورة ، وأما توحيده مع تعدد رؤياهما فوارد على حسب ما وحداه في قولهما :

{ نبئنا بتأويله } [ يوسف : 36 ] لا لأن الأمر ما اتهما به وسجنا لأجله من سم الملك فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته بلفيما هو صورة لمآله وعاقبته فتأمل اه .

وتعقب بأنه لا مانع من أن يراد بالأمر المآل كما يقتضيه ظاهر إسناد القضاء إليه وإليه ذهب الكثير ، وتجعل - في - للسببية مثلها في قوله عليه الصلاة والسلام : «دخلت امرأة النار في هرة » ويكون معنى الاستفتاء فيه الاستفتاء بسببه أي طلب بيان حكم الرؤييين لأجله ، وهما إنما طلبا ذلك لتعرف حالهما ومآل أمرهما . وإن أبيت ذلك فأي مانع من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أن الاستفتاء إنما يكون في الحادثة ، وهي هنا الرؤييان لما أن بين الأمر وتلك الحادثة اتحاداً كما ادعاه

هو ، ووجه به إسناد القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه من أحوال مآله ، وليس له أن يقول بصحة اعتبار العينية في إسناد القضاء وعدم صحة اعتبارها في تعلق الاستفتاء إذ بعد اعتبارالعينية بين شيئين يكون صحة نسبة ما هو من أحوال أحدهما إلى الآخر دون صحة نسبة ما هو من أحوال ذلك الآخر إليه ترجيحاً بلا مرجح ، ومنع ذلك مكابرة ، ويرجح ما ذهب إليه الكثير أن فيه سلامة من نزع الخف قبل الوصول إلى الماء كما لا يخفى على من تيمم كعبة الإنصاف ، وبأن ما ذكره في تعليل عدم صحة تفسير الأمر بما اتهما به وسجنا لأجله لا يخلو عن دغدغة على أن ذلك كان تعريضاً بصاحب «الكشاف » / وهو على ما قال الطيبي : ما عنى بالأمر إلا العاقبة ، نعم صدر كلامه ظاهر فيما ذكر والأمر فيه سهل ، ولعل وجه الأمر بالتأمل في كلام هذا المحقق مجموع ما ذكرناه فتأمل . ثم إن هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للرد عليهما حسبما ورد في الأثر يحتمل أن يكون تحقيقاً لتعبيرة وتأكيداً له ، ولا يشكل على الأول أنه لا داعي لجحود الشرابي لأنا نقول على تقدير كذبهما في ذلك يحتمل أن يكون لمراعاة جانب صاحبه الخباز . وجاء في بعض الآثار أن الذي جحد هو الخباز . فحينئذ الأمر واضح . واستدل بذلك على ما هو المشهور من أ ن الرؤيا تقع كما تعبر ، ولذا قيل : المنام على جناج طائر إذا قص وقع .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ} (41)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا}، وهو الساقي، قال له يوسف: تكون في السجن... ثم تخرج فتكون على عملك، فتسقي سيدك خمرا،

{وأما الآخر}، وهو الخباز، {فيصلب فتأكل الطير من رأسه}...

{قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}، رأيتما أو لم تريا، فقد وقع بكما ما عبرت لكما.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول جلّ ثناؤه، مخبرا عن قيل يوسف للّذَيْن دخلا معه السجن: {يا صَاحِبَيِ السّجْنِ أمّا أحَدُكمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْرا}، هو الذي رأى أنه يعصر خمرا، {فيسقي ربه}، يعني: سيده، وهو ملكهم، {خمرا}، يقول: يكون صاحب شرابه...

وأما الآخر، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزا تأكل الطير منه {فيصلب فتأكل الطير من رأسه}...

{قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ}، يقول: فرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية. أقبل على حاجتهما تمكيناً لما ذكره وتأكيداً للذي قرره، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير، فقال: {ياصاحبي السجن} أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص فيه المودة. ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز، أبهم ليجوّز كل واحد أنه الفائز، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذراً له في الخروج عن الأليق فقال: {أما أحدكما} وهو الساقي فيخلص ويقرب {فيسقي ربه} أي سيده الذي في خدمته {خمراً} كما كان {وأما الآخر} وهو الخباز. ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك، بنى للمفعول قوله: {فيصلب} ويعطب {فتأكل} أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل {الطير من رأسه} والآية من الاحتباك: ذكر ملزوم السلامة والقرب أولاً دليلاً على العطب ثانياً، وملزوم العطب ثانياً دليلاً على السلامة أولاً... فكأنه قيل: انظر جيداً ما الذي تقول! وروي أنهما قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب، فقال مشيراً بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه: {قضي الأمر} وبينه بقوله: {الذي فيه} أي لا في غيره {تستفتيان} أي تطلبان الإفتاء فيه عملاً بالفتوة، فسألتما عن تأويله، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما، لم أقله عن جهل ولا غلط. وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر.

والأحد: المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف...

والفتيا: الجواب بحكم المعنى، وهو غير الجواب بعلته -ذكره الرماني...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{يا صاحبي السجن أما أحدكما} وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا {فيسقي ربه خمرا} يعني بربه مالك رقبته وهو الملك لا ربوبية العبودية فملك مصر في عهد يوسف لم يدع الربوبية والألوهية كفرعون موسى وغيره، بل كان من ملوك العرب الرعاة الذين ملكوا البلاد عدة قرون {وأما الآخر} وهو الذي رأى أنه يحمل خبزا تأكل الطير منه {فيصلب فتأكل الطير من رأسه} أي الطير التي تأكل اللحوم كالحدأة، وهذا التأويل قريب من أصل رؤيا كل منهما وقد يكون من خواطرهما النومية وتأويلهما على كل حال من مكاشفات يوسف ويؤكد قوله. {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} فهذا نبأ زائد على تعبير رؤياهما ورد مورد الجواب عن سؤال كأنه يخطر ببالهما أو أسئلة في صفة ذلك التعبير وهل هو قطعي أم ظني يجوز غيره ومتى يكون؟ فهو يقول لهما: إن الأمر الذي يهلكهما أو يشكل عليكما وتستفتياني فيه قد قضي وبت فيه وانتهى حكمه. والاستفتاء في اللغة السؤال عن المشكل المجهول، والفتوى جوابه سواء أكان نبأ أم حكما، وقد غلب في الاستعمال الشرعي في السؤال عن الأحكام الشرعية، ومن الشواهد على عمومه {أفتوني في رؤياي} [يوسف: 43] وهي مشتقة من الفتوة الدالة على معنى القوة والمضاء والثقة. قلت إن هذه الفتوى من يوسف عليه السلام زائدة على ما عبر به رؤياهما داخلة في قسم المكاشفة ونبأ الغيب مما علمه الله تعالى وجعله آية له ليثقوا بقوله وهم أولو علم وفن وسحر، ومعناها أنه علم بوحي ربه أن الملك قد حكم في أمرهما بما قاله لا من باب تأويل الرؤيا على تقدير كون ما رأيا من النوع الصادق منها لا من أضغاث الأحلام...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

افتتح خطابهما بالنداء اهتماماً بما يلقيه إليهما من التعبير، وخاطبهما بوصف {صاحبي السجن} أيضاً.

ثم إذا كان الكلام المحكي عن يوسف عليه السّلام في الآية صدر منه على نحو النظم الذي نظم به في الآية وهو الظاهر كان جَمع التأويلَ في عبارة واحدة مجملة، لأن في تأويل إحدى الرؤيين ما يسوء صاحبَها قصداً لتلقيه ما يسوء بعدَ تأمل قليل كيلا يفجأه من أول الكلام، فإنه بعد التأمل يعلم أن الذي يسقي ربه خمراً هو رَائي عَصر الخمر، وأن الذي تأكل الطير من رأسه هو رائي أكل الطير من خبزٍ على رأسه.

وإذا كان نظم الآية على غير ما صَدر من يوسف عليه السّلام كان في الآية إيجاز لحكاية كلام يوسف عليه السّلام، وكان كلاماً معيّناً فيه كل من الفتيين بأن قال: أما أنتَ فكيْت وكيْت، وأما أنت فكَيْت وكيْت، فحُكي في الآية بالمعنى.

وجملة {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} تحقيق لما دلت عليه الرؤيا، وأن تعبيرها هو ما أخبرهما به فإنهما يستفتيان في دلالة الرؤيا على ما سيكون في شأن سجنهما لأن ذلك أكبر همهما، فالمراد بالأمر تعبير رؤياهما.

والاستفتاء: مصدر استفتَى إذا طلب الإفتاء. وهو: الإخبار بإزالة مشكل، أو إرشاد إلى إزالة حيرة. وفعله أفتى مُلازم للهمز ولم يسمع له فعل مُجرد، فدلا ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنًى، قالوا: أصل اشتقاق أفتى من الفتى وهو الشاب، فكأنّ الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فَتِيّا أي قوياً...