استكثر الشيءَ : أخذ منه الكثير .
أولياؤهم : الذين تولوهم أي أطاعوهم في وسوستهم .
الاستمتاع بالشيء : الانتفاع به طويلا .
بلغنا أجلنا : وصلنا يوم البعث والجزاء .
الخلود : المكث الطويل غير المحدود .
في الآيات السابقة بين الله حال الذين سلكوا صراطه المستقيم ، وأن الله شرح صدورهم ، وجزاؤهم الجنّة ، فهم في كفالة ربهم ناعمون . وهنا يعرض سبحانه وتعالى حالَ الذين سلكوا طريق الشيطان . وهو يعرض يوم الحشر في القيامة وما فيه من هول ، في مشهد حيّ حافل بالحوار ، فيقول :
{ وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً . . . } .
يوم يحشر الله تعالى الخلق جميعا من إنس وجنّ ، ويقول جل جلالُه : يا معشر الجن ، قد أكثرتُم من إغراء الإنس حتى تَبعكم منهم عدد كثير . فيقول الذين اتّبعوهم من الإنس { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } . ربنا ، لقد انتفع بعضُنا ببعض ، واستمتعنا بالشهوات ، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذّة والانغماس في الشهوات ، { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا } . ثم إننا قد وصلنا إلى الأجل الذي حدّدته لنا ، وهو يوم البعث والجزاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا فاحكُم فينا بما تشاء .
وما هذا الاعتراف إلا من نوع الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا .
إن النار منزلكم ومقركم خالدين فيها إلا ما شاء الله أن ينقذهم ، فكل شيء بمشيئته واختياره ، فله السلطان الكامل ، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ } وهو حكيم فيما يفعل ويختار ، عليم بما يستحقه كل من الفريقين .
وفي قوله تعالى { إِلاَّ مَا شَاءَ الله } فسحةٌ كبيرة وبشرى عظيمة بسعةِ حلمه ورحمته ، إنه غفور رحيم .
قرأ حفص عن عاصم ، وروح عن يعقوب : «يحشرهم » بالياء ، كما هو في مصحفنا . وقرأ الباقون «نحشرهم » بالنون .
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } نصب على الظرفية والعامل فيه مقدر أي أذكر أو نقول أو كان ما لا يذكر لفظاعته ، وجوز أن يكون مفعولاً به لمقدر أيضاً أي أذكر ذلك اليوم ، والضمير المنصوب لمن يحشر من الثقلين ، وقيل : للكفار . وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب { يُحْشَرُ } بالياء والباقون بنون العظمة على الإلتفات لتهويل الأمر .
وقوله سبحانه : { كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } على إضمار القول ، والمعشر الجماعة أمرهم واحد ، وقال الطبرسي : «الجماعة التامة من القوم التي تشتمل على أصناف الطوائف ومنه العشرة لأنها تمام العقد » ، والمراد بالجن أو بمعشرهم على ما قيل الشياطين ، وذكر بعض الفضلاء أن الجن يقال على وجهين ، أحدهما : للروحانيين المستترين عن الحواس كلها فيدخل فيهم الملائكة والشياطين ، وثانيهما : للروحانيين مما عدا الملائكة ، وقال آخرون : إن الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأوساط فيهم أخيار وأشرار ، وأياً ما كان فالمقصود بالنداء الأشرار الذين يغوون الناس فإنهم أهل للخطاب بقوله سبحانه : { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أي أكثرتم من إغوائهم وإضلالهم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والزجاج ، فالكلام على حذف مضاف أو منهم بأن جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كما يقال : استكثر الأمير من الجنود وهذا بطريق التوبيخ والتقريع . قيل : وإنما ذكر المعشر في جانب الجن دون جانب الإنس لما أن الإغواء كثيراً ما يقتضي التظاهر والتعاون ، وفي المعشر نوع إيماء إليه ولا كذلك الغوى .
{ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم } أي الذين أطاعوهم واتبعوهم { مّنَ الإنس } أي الذين هم من الإنس أو كائنين منهم ، فمن إما لبيان الجنس أو متعلقة بمحذوف وقع حالاً من أولياء { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنس بالجن حيث دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها والجن بالإنس حيث اتخذوهم قادة ورؤساء واتبعوا أمرهم فادخلوا عليهم السرور بذلك . وعن الحسن وابن جريج والزجاج وغيرهم أن استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا إذا سافر أحدهم وخاف الجن قال : أعوذ بسيد هذا الوادي . واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم قادرون على إعاذتهم وإجارتهم . وعن محمد بن كعب أن المراد باستمتاع بعضهم ببعض طاعة بعضهم بعضاً وموافقته له ، وقال البلخي : يحتمل أن يكون الاستمتاع مقصوراً على الإنس فيكون الإنس قد استمتع بعضهم ببعض الجن دون الجن .
{ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } وهو يوم القيامة على ما قاله غير واحد ، وعن الحسن والسدي وابن جريج أنه الموت والأول أولى ، وإنما قال الأولياء ما قالوا اعترافاً بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهاراً للندامة عليها وتحسراً على حالهم واستسلاماً لربهم وإلا ففائدة الخبر ولازمها مما لا تحقق له .
قيل : ولعل الإقتصار على حكاية كلام الضالين للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً . وقرىء { *آجالنا } بالجمع و { فَلْيُؤَدّ الذى } بالتذكير والإفراد ، قال أبو علي : هو جنس أو وقع الذي موقع التي .
{ قَالَ } استئناف بياني كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى : حينئذ ؟ فقيل قال : { النار مَثْوَاكُمْ } أي منزلكم ومحل إقامتكم أو ذات ثوائكم على أن الثوى اسم مكان أو مصدر { خالدين فِيهَا } حال من ضمير الجمع والعامل فيها ( مثوى ) إن كان مصدراً وقدروا عاملاً أي يبوؤن خالدين إن كان مثوى اسم مكان لأنه حيئنذ لا يصلح للعمل . وقال أبو البقاء : إن العامل في الحال على هذا التقدير معنى الإضافة ، وردوه بأن النسبة الإضافية لا تعمل ولا يصح أن تنصب الحال { إِلاَّ مَا شَاء الله } نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوماً قد سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكي وأن ما بمعنى من ، ولا يخفى أن استعمال ما للعقلاء قليل فيبعد ذلك كما يبعد شمول ما تقدم للمستثنى ، وقيل : إن ما مصدرية وقتية على ما هو الظاهر ، والمراد إلا الوقت الذين ينقلون فيه إلى الزمهرير ، فقد روي أنهم يدخلون وادياً ( فيه ) من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ، ورد بأن فيه صرف النار من معناها العلمي وهو دار العذاب إلى اللغوي ، وأجيب عنه بأنه لا بأس به إذا دعت إليه ضرورة ، وقيل عليه : إن المعترض لا يسلم الضرورة لإمكان غير هذا التأويل مع أن قوله سبحانه : { مَثْوَاكُمْ } يقتضي ما ذهب إليه المعترض بحسب الظاهر ، وقيل : إن لهم وقتاً يخرجون فيه من دار العذاب ، وذلك أنه روي أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ويخرجون من النار فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } [ المطففين : 34 ] .
وأنت تعلم أن ظواهر الآيات صادحة بعدم تخفيف العذاب عن الكفار بعد دخولهم النار وفي إخراجهم هذا تخفيف أي تخفيف وإن كان بعده ما يشيب منه النواصي ، ولعل الخبر في ذلك غير صحيح ، والمشهور أن المرائين يدنون من الجنة حتى إذا استنشقوا ريحها ورأوا ما أعد الله تعالى لعباده فيها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها الخبر بتمامه وقد قدمناه ويكون ذلك قبل إدخالهم النار كما لا يخفى على من راجع الحديث .
وقيل : المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم أبداً إلا ما أمهلكم ، ورده أبو حيان بأنه في الاستثناء يشترط اتحاد زمان المخرج والمخرج منه فإذا قلت قام القوم إلا زيداً فإن معناه إلا زيداً ما قام ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً ما يقوم في المستقبل .
وكذلك سأضرب القوم إلا زيداً معناه إلا زيداً فإني لا أضربه في المستقبل ولا يصح أن يكون المعنى إلا زيداً فإني ما ضربته ؛ وأجيب بأن هذا إذا لم يكن الاستثناء منقطعاً أما إذا كان منقطعاً فإنه يسوغ كقوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } [ الدخان : 56 ] أي لكن الموتة الأولى فإنهم ذاقوها فلعل القائل بأن المستثنى زمان إمهالهم يلتزم انقطاع الاستثناء كما في هذه الآية ولا محذور فيه مع ورود مثله في القرآن وفيه نظر ظاهر . «وذهب الزجاج إلى وجه لطيف إنما يظهر بالبسط فقال : المراد والله تعالى أعلم إلا ما شاء الله من زيادة العذاب ولم يبين وجه استقامة الاستثناء والمستثنى على هذا التأويل ( لم يغاير المستثنى منه في الحكم ) ، قال ابن المنير : ونحن نبينه فنقول : العذاب والعياذ بالله عز وجل على درجات متفاوتة فكأن المراد أنهم مخلدون في جنس العذاب إلا ما شاء ربك من زيادة تبلغ الغاية وتنتهي إلى أقصى النهاية حتى تكاد لبلوغها الغاية ومباينتها لأنواع العذاب في الشدة تعد خارجة عنه ليست من جنس العذاب والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد كما عبروا عن كثرة الفعل برب وقد وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة وذلك أمر يعتاد في لغة العرب .
لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم *** الى المنتهى ومن السرور يكاد
فكأن هؤلاء اذا نقلوا الى غاية اعذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا الى حد الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط ، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده » انتهى ، ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء . وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل ، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك ، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه ، وفي معناه ما قيل : المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكماً وتشديداً للأمر عليهم ، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه : { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } [ هود : 108 ] .
{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله { عَلِيمٌ } بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء أو بكل شيء ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } في عين الجمع المطلق قائلاً { كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } أي القوى النفسانية : { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أي من الحواس والأعضاء الظاهرة أو من الصور الإنسانية بأن جعلتموهم أتباعكم بإغوائكم إياهم وتزيين اللذائذ الجسمانية لهم { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } وانتفع كل منا في صورة الجمعية الإنسانية بالآخر { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } بالموت أو المعاد على أقبح الهيآت وأسوأ الأحوال { قَالَ النار } أي نار الحرمان ووجدان الآلام { مَثْوَاكُمْ خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء الله } ولا يشاء إلا ما يعلم ولا يعلم سبحانه الشيء إلا على ما هو عليه في نفسه
{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } [ الأنعام : 128 ] لا يعذبكم إلا بهيئات نفوسكم على ما تقتضيه الحكمة عليهم بهاتيك الهيئات فيعذب على حسبها
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكره بقوله:"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعا": ويوم يحشر هؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام وغيرهم من المشركين مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يوحون إليهم زخرف القول غرورا ليجادلوا به المؤمنين، فيجمعهم جميعا في موقف القيامة. يقول للجنّ: "يا مَعْشَرَ الجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ "وحذف «يقول للجنّ» من الكلام اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه منه.
وعني بقوله: "قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ "استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم... عن ابن عباس: قوله: "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعا يا مَعْشَرَ الجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ" يعني: أضللتم منهم كثيرا...
"وَقالَ أوْلِياؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا ببَعْضٍ" يقول تعالى ذكره: فيجيب أولياء الجنّ من الإنس، فيقولون: ربنا استمتع بعضنا ببعض في الدنيا. فأما استمتاع الإنس بالجنّ... عن ابن جريج، قال: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة.
وأما استمتاع الجنّ بالإنس، فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجنّ من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعاذتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الجنّ والإنس.
"وَبَلَغْنا أجَلَنَا الّذِي أجّلْتَ لَنا" يقول تعالى ذكره: قالوا: وبلغنا الوقت الذي وقّت لموتنا، وإنما يعني جلّ ثناؤه بذلك أنهم قالوا: استمتع بعضنا ببعض أيام حياتنا إلى حال موتنا...
"قال النّارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ فِيها إلاّ ما شاءَ اللّهُ إنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ"؛ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عما هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به في الدنيا الأوثان ولقرنائهم من الجنّ، فأخرج الخبر عما هو كائن مخرج الخبر عما كان لتقدّم الكلام قبله بمعناه والمراد منه، فقال: قال الله لأولياء الجنّ من الإنس الذين قد تقدم خبره عنهم: "النّارُ مَثْوَاكُمْ" يعني نار جهنم مثواكم الذي تثوون فيه: أي تقيمون فيه. والمثوى: هو المفعل، من قولهم: ثَوَى فلان بمكان كذا، إذا أقام فيه. "خالدينَ فِيها" يقول: لابثين فيها، إلاّ ما شاءَ اللّهُ يعني: إلا ما شاء الله من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار.
"إنّ رَبّكَ حَكِيمٌ" في تدبيره في خلقه، وفي تصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله. "عَلِيمٌ" بعواقب تدبيره إياهم، وما إليه صائر أمرُهم من خير وشرّ. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يتأوّل في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته...
عن ابن عباس: قالَ: "النّارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ فِيها إلاّ ما شاءَ اللّهُ إنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ" قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزلهم جنة ولا نارا.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
"وَقالَ أوْلِياؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا ببَعْضٍ"
وقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى: هو طاعة بعضهم بعضاً وموافقة بعضهم بعضاً. وقيل: إستمتاع الإنس بالجن بما كانوا يأتون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة، فاستمتاع الجن بالإنس إغراء الجن الإنس واتباع الإنس إياهم...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يعتذرون فلا يسمع، ويحتجون بما لا ينفع، ولقد كانوا من قبل لو أتوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم، لكنْ سبقت القسمة فحقت لهم الشقوة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس} الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم {رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجنّ بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم...
{وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا} يعنون يوم البعث، وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث واستسلام لربهم وتحسر على حالهم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
اشتمل سياق الآيات السابقة لهذه الآيات على وعيد بما أعد الله من العذاب للمجرمين ووعد بالنعيم في دار السلام للمؤمنين في إ ثر بيان أحوالهم وأعمالهم التي استحق بها كل منهما جزاءه. وقفى عليه في هذه الآيات بذكر ما يكون قبل ذلك الجزاء من الحشر وبعض ما يكون في يومه من الحساب وإقامة الحجة على الكفار، وسنة الله في إهلاك الأمم وجعل درجات الجزاء بالعمل...
{بَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا} أي وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا ولك الأمر فينا فالمراد من ذكر بلوغ الأجل لازمه وهو إظهار الحسرة والندامة على ما كان من تفريطهم في الدنيا، والاضطرار إلى تفويضهم الأمر إلى الرب جل وعلا...
ولم يذكر هنا قولا للمتبوعين من الشياطين، وعلله بعضهم بأن الاقتصار على حكاية كلام الضالين دون المضلين يؤذن بأن المضلين قد أفحموا فلم يتكلموا. والصواب أن الله تعالى يذكر لنا بعض ما يكون يوم القيامة في آي متفرقة من سور متعددة لأن المراد به وهو العظة والاعتبار ينبغي أن يكون متفرقا لما بيناه من حكمته في مواضع من هذا التفسير. وقد قال تعالى في الفريقين {ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا} (العنكبوت 25) وبين في سورة البقرة كيف يتبرأ بعضهم من بعض، وقال بعده {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} (البقرة 167) وحكى في سورة إبراهيم أقوال كل من الضعفاء التابعين من الناس وقول المتكبرين المتبوعين لهم وقول الشيطان للفريقين وتنصله من استحقاق الملام وكفره بما أشركوه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذّكرون بالآيات، وهو ثواب دار السّلام، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون، وهو جزاء الآخرة أيضاً، فجملة: {ويوم يحشرهم} إلخ معطوفة على جملة: {لهم دار السّلام عند ربّهم} [الأنعام: 127]. والمعنى: وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها. وقد صُوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر، ثمّ أُفضي إلى غاية ذلك الحساب، وهو خلودهم في النّار.
وانتصب: {يومَ} على المفعول به لفعل محذوف تقديره: اذْكُر، على طريقة نظائره في القرآن، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر.
والضّمير المنصوب ب {نحشرهم} عائد إلى {الذين أجرموا} [الأنعام: 124] المذكور في قوله: {سيصيب الذين آجرموا صغار عند الله}، أو إلى {الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125] في قوله: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}. وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون، فإنّ جماعة المسلمين يُعتَبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقاً مبائناً لهم بعيداً عنهم، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأُكّد ب {جميعاً} ليعمّ كلّ المشركين، وسادتهم، وشياطينهم، وسائر عُلَقهم.
ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى: {وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121] إلخ.
وقرأ الجمهور: {نحشرهم} بنون العظمة على الالتفات. وقرأه حفص عن عاصم، ورَوْح عن يعقوب بياء الغيبة ولمّا أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعيّن أنّ النداء في قوله: {يا معشر الجن} من قِبل الله تعالى، فتعيّن لذلك إضمار قول صادر من المتكلّم، أي نقول: يا معشر الجنّ، لأنّ النّداء لا يكون إلاّ قولاً.
وجملة: {يا معشر الجن} إلخ مقول قول محذوف يدلّ عليه أسلوب الكلام، والتّقدير: نقول أو قائلين.
والمعشر: الجماعة الّذين أمرهم وشأنهم واحد، بحيث تجمعهم صفة أو عمل، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وهو يُجمع على معاشر أيضاً، وهو بمعناه، وهو مشتقّ من المعاشرة والمخالطة. والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبيّن الصّفة الّتي اجتمع مسمّاه فيها، وهي هنا صفة كونهم جنّاً، ولذلك إذا عُطف على ما يضاف إليه كان على تقدير تثنية معشراً وجمْعِه: فالتثنية نحو: {يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا} [الرحمن: 33] الآية، أي يا معشر الجنّ ويا معشر الإنس، والجمع نحو قولك: يا معاشر العرب والعجم والبربر.
والجنّ تقدّم في قوله: {وجعلوا لله شركاء الجنّ} في هذه السّورة (100). والمراد بالجنّ الشّياطين وأعوانهم من بني جنسهم الجنّ، والإنس تقدّم عند قوله: {شياطين الإنس والجنّ} في هذه السّورة (112).
والاستكثار: شدّة الإكثار. فالسّين والتّاء فيه للمبالغة مثل الاستسلام والاستخداع والاستكبار، ويتعدى بمن البيانية إلى الشيء المتّخذِ كثيرُه، يقال: استكثر من النَّعم أو من المال، أي أكثر من جمعهما، واستكثر الأمير من الجند، ولا يتعدّى بنفسه تفرقة بين هذا المعنى وبين استكثر الّذي بمعنى عدّ الشّيء كثيراً، كقوله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6].
وقوله: {استكثرتم من الإنس} على حذف مضاف، تقديره: من إضلال الإنس، أو من إغوائهم، فمعنى {استكثرتم من الإنس} أكثرتم من اتّخاذهم، أي من جعلهم أتباعاً لكم، أي تجاوزتم الحدّ في استهوائهم واستغوائهم، فطوّعتم منهم كثيراً جداً.
والكلام توبيخ للجنّ وإنكار، أي كان أكثر الإنس طوعاً لكم، والجنّ يشمل الشّياطين، وهم يغوون النّاس ويطوّعونهم: بالوسوسة، والتخييل، والإرهاب، والمسّ، ونحو ذلك، حتّى تَوهّم النّاس مقدرتهم وأنّهم محتاجون إليهم، فتوسّلوا إليهم بالإرضاء وترك اسم الله على ذبائحهم وفي شؤونهم، وحتّى أصبح المسافر إذا نزل وادياً قال: « أعوذ بسَيِّد هذا الوادي، أو بربّ هذا الوادي، يعني به كبير الجنّ، أو قال: يَا ربّ الوادي إنِّي أستجير بك» يعني سيّدَ الجنّ. وكان العرب يعتقدون أنّ الفيافي والأودية المتّسعة بين الجبال معمورة بالجنّ، ويتخيّلون أصوات الرّياح زَجل الجنّ...
وفي الكلام تعريض بتوبيخ الإنس الّذين اتَّبعوهم، وأطاعوهم، وأفرطوا في مرضاتهم، ولم يسمعوا مَن يدعوهم إلى نبذ متابعتهم، كما يدلّ عليه قوله الآتي: {يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] فإنَّه تدرّج في التّوبيخ وقطععِ المعذرة.
والمراد بأوليائهم أولياء الجنّ: أي الموالون لهم، والمنقطعون إلى التعلّق بأحوالهم. وأولياء الشّياطين هم المشركون الّذين وافوا المحشر على الشّرك. وقيل: أريد به الكفّار والعصاة من المسلمين، وهذا باطل لأنّ العاصي وإن كان قد أطاع الشّياطين فليس وليّاً لها {اللَّهُ ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] ولأنّ الله تعالى قال في آخر الآية: {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] وقال: {وشَهِدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا كافرين}.
و {من الإنس} بيان للأولياء. وقد اقتصر على حكاية جواب الإنس لأنّ النّاس المشركين هم المقصود من الموعظة بهذه الآية.
ومعنى: {استمتع بعضنا ببعض} انتفع وحَصّل شهوته وملائِمَهُ: أي استمتع الجنّ بالإنس، وانتفع الإنس بالجنّ، فكلّ بعض مراد به أحد الفريقين لأنَّه بعض مجموع الفريقين. وإنَّما قالوا: استمتع بعضنا ببعض، ولم يكن الإنس هم المخاطبين بالتّوبيخ، لأنَّهم أرادوا الاعتذار عن أوليائهم من الجنّ ودفع التّوبيخ عنهم، بأنّ الجنّ لم يكونوا هم المستأثرين بالانتفاع بتطويع الإنس، بل نال كلّ من الفريقين انتفاعاً بصاحبه، وهؤلاء المعتذرون يحتمل أنّهم أرادوا مشاطرة الجناية إقراراً بالحقّ، وإخلاصاً لأوليائهم، أو أرادوا الاعتذار عن أنفسهم لما علموا من أن توبيخ الجنّ المُغوين يُعرّض بتوبيخ المغوَيْن بفتح الواو. فأقرّوا واعتذروا بأنّ ما فعلوه لم يكن تمرّداً على الله، ولا استخفافاً بأمره، ولكنّه كان لإرضاء الشّهوات من الجانبين، وهي المراد بالاستمتاع.
ولكونهم ليسوا بمخاطبين ابتداء. وكون كلامهم دخيلاً في المخاطبة، لم تفصل جملة قولهم كما تفصل جملة المحاورة في السؤال والجواب، بل عطفت على جملة القول المقدّر لأنَّها قول آخر عَرض في ذلك اليوم.
وجيء في حكاية قولهم بفعل {وقال أولياؤهم} مع أنّه مستقبل من أجللِ قوله: {يحشرهم} تنبيها على تحقيق وقوعه، فيعلم من ذلك التّنبيه على تحقيق الخبر كلّه، وأنّه واقع لا محالة، إذ لا يكون بعضه محقّقاً وبعضه دون ذلك.
واستمتاع الإنس بالجنّ هو انتفاعهم في العاجل: بتيسير شهواتهم، وفتح أبواب اللّذّات والأهواء لهم، وسلامتهم من بطشتهم. واستمتاع الجنّ بالإنس: هو انتفاع الجنّ بتكثير أتباعهم من أهل الضّلالة، وإعانتُهم على إضلال النّاس، والوقوفُ في وجه دعاة الخير، وقطع سبيل الصّلاح، فكلّ من الفريقين أعان الآخر على تحقيق ما في نفسه ممّا فيه ملائم طبعه وارتياحه لقضاء وطره.
وقوله: {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} استسلام لله، أي: انقضَى زمن الإمهال، وبلغْنا الأجلَ الذي أجلَّت لنا للوقوع في قبضتك، فسُدّت الآن دوننا المسالكُ فلا نجد مفرّاً. وفي الكلام تحسّر وندامة. عند ظهور عدم إغناء أوليائهم عنهم شيئاً، وانقضاء زمن طغيانهم وعتوّهم، ومَحين حِين أن يَلْقَوا جزاء أعمالهم كقوله: {ووجد الله عنده فوفّاه حسابه} [النور: 39].
وقد أفادت الآية: أنّ الجنّ المخاطبين قد أُفحموا، فلم يجدوا جواباً، فتركوا أولياءهم يناضلون عنهم، وذلك مظهر من مظاهر عدم إغناء المتبوعين عن أتباعهم يومئذٍ {إذ تَبرّأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا} [البقرة: 166].
وجملة: {قال النار مثواكم} فصلت عن الّتي قبلها على طريقة القول في المحاورة، كما تقدّم عند قوله تعالى: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} في سورة البقرة (30).
وضمير الخطاب في قوله: النار مثواكم} موجَّه إلى الإنس فإنَّهم المقصود من الآية، كما في قوله تعالى: {بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النّار التي كنتم بها تكذّبون} [سبأ: 41، 42] وقوله: {وتمَّت كلمة ربّك لأملأن جهنّم من الجِنّة والنّاسِ أجمعين} [هود: 119].
ومجيء القول بصيغة الماضي: للتّنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة قوله: {يحشرهم} كما تقدّم. وإسناده إلى الغائب نظرٌ لما وقع في كلام الأولياء: {ربنا استمتع} إلخ.
والمثوى: اسم مكان من ثَوى بالمكان إذا أقام به إقامةَ سكنى أو إطالة مكث، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله: {خالدين فيها}.
وقوله: {خالدين فيها} هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة، لأنَّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله.
وأمّا قوله: {إلا ما شاء الله} فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم. لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجاً ممّا قبله من الكلام. ويجوز أن يكون من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضاً بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر، وبين قوله له: {إن ربك حكيم عليم} ويكون الوقف على قوله: {خالدين فيها}.
والاستثناء في قوله: {إلا ما شاء الله} على التّأويلين استثناء إمَّا من عموم الأزمنة الّتي دلّ عليها قوله: {خالدين فيها} إذ الخلود هو إقامة الأبد والأبَد يعمّ الأزمان كلّها، ف (ما) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل بعدها في تأويل مَصدر، أي إلاّ وقت مشيئة الله إزالة خلودكم، وإمَّا من عموم الخالدين الّذي في ضمير {خالدين} أي إلاّ فريقاً شاء الله أن لا يخلدوا في النّار.
وبهذا صار معنى الآية موضع إشكال عند جميع المفسّرين، من حيثُ ما تقرّر في الكتاب والسنّة وإجماع الأمّة؛ أنّ المشركين لا يُغفر لهم وأنَّهم مخلّدون في النّار بدون استثناء فريق ولا زمان.
وقد أحصَيْتُ لهم عشرة تأويلات، بعضها لا يتمّ، وبعضها بعيد إذا جُعل قوله: {إلا ما شاء الله} من تمام ما يقال للمشركين وأوليائهم في الحشر، ولا يستقيم منها إلاّ واحد، إذا جعل الاستثناء معترَضاً بين حكاية ما يقال للمشركين في الحشر وبين ما خوطب به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا الاعتراض خطاباً للمشركين الأحياءِ الّذين يسمعون التّهديد، إعذاراً لهم أن يسلموا، فتكون (ما) مصدرية غير ظرفية: أي إلاّ مشيئة الله عدمَ خلودهم، أي حالَ مشيئته. وهي حال توفيقه بعض المشركين للإسلام في حياتهم، ويكون هذا بياناً وتحقيقاً للمنقول عن ابن عبّاس: استثنى الله قوماً سبق في علمه أنَّهم يُسلمون. وعنه أيضاً: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار، وإذا صح ما نقل عنه وجب تأويله بأنه صدر منه قبل علمه بإجماع أهل العلم على أنّ المشركين لا يغفر لهم.
ولك أن تجعل (ما) على هذا الوجه موصولة، فإنَّها قد تستعمل للعاقل بكثرة. وإذا جعل قوله: {خالدين} من جملة المقول في الحشر كان تأويل الآية: أنّ الاستثناء لا يقصد به إخراج أوقات ولاَ حالةٍ، وإنَّما هو كناية، يقصد منه أنّ هذا الخلود قدّره الله تعالى، مختاراً لا مكره له عليه، إظهاراً لتمام القدرة ومحض الإرادة، كأنَّه يقول: لو شئت لأبطلتُ ذلك. وقد يعْضد هذا بأنّ الله ذكر نظيره في نعيم أهل الجنّة في قوله: {فأمَّا الذين شَقُوا ففي النّار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك إنّ ربّك فعَّال لما يريد وأمّا الذين سعِدوا ففي الجنّة خالدين فيها ما دامت السّماوات والأرض إلاّ ما شاء ربّك عطاء غير مجذوذ} [هود: 106، 108] فانظر كيف عقّب قوله: {إلا ما شاء ربّك} في عقاب أهل الشّقاوة بقوله: {إنّ ربّك فعَّال لما يريد} [هود: 107] وكيف عقَّب قوله: {إلا ما شاء ربّك} في نعيم أهل السّعادة بقوله: {عَطاء غير مجذوذ} [هود: 108] فأبْطل ظاهر الاستثناء بقوله: {عطاء غير مجذوذ} فهذا معنى الكناية بالاستثناء، ثمّ المصير بعد ذلك إلى الأدلّة الدّالة على أنّ خلود المشركين غيرُ مخصوص بزمن ولا بحال.
ويَكونُ هذا الاستثناء من تأكيد الشّيء بما يشبه ضدّه.
وقوله: {إن ربك حكيم عليم} تذييل، والخطاب للنّبي صلى الله عليه وسلم فإن كان قوله: {خالدين فيها إلا ما شاء الله} من بقية المقول لأولياء الجنّ في الحشر كان قوله: {إن ربك حكيم عليم} جملة معترضة بين الجمل المقولة، لبيان أنّ ما رتّبه الله على الشرّك من الخلود رتّبه بحكمته وعِلْمه، وإن كان قوله: {خالدين} إلخ كلاماً مستقلاً معترضاً كان قوله: {إن ربك حكيم عليم} تذييلاً للاعتراض، وتأكيداً للمقصود من المشيئة من جعل استحقاق الخلود في العذاب منوطاً بالموافاة على الشّرك. وجَعْل النّجاة من ذلك الخلودِ منوطة بالإيمان.
والحكيم: هو الّذي يضع الأشياء في مناسباتها، والأسباب لمسبّباتها. والعليم: الّذي يعلم ما انطوى عليه جميع خلقه من الأحوال المستحقّة للثّواب والعقاب.