لا تصلِّ أيها الرسول ، في هذا المسجد أبدا . إن المسجد الذي أقيم على التقوى ابتغاءً لوجه الله ، وطلباً لمرضاته من أول يوم ، هو أحقُّ من غيره أن تصلّي فيه وتؤدي شعائر الله وهو مسجد قباء .
إن في مسجد قباء رجالاً يعمُرونه بإقامة الصلاة ، يحبّون أن يطهِّروا أجسادَهم وقلوبَهم بأداء العبادة الصحيحة فيه ، «والله يحب المطهّرين » الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد ، لأن فيهما الكمالَ الإنساني .
{ لاَ تَقُمْ } أي للصلاة { فِيهِ } أي في ذلك المسجد { أَبَدًا } وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير { لاَ تَقُمْ } بلا تصل على أن القيام مجاز عن الصلاة كما في قولهم : فلان يقوم الليل ، وفي الحديث «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له » { لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ } أي بنى أساسه { عَلَى التقوى } أي تقوى الله تعالى وطاعته ، و { على } على ما يتبادر منها ، ولا يخفى ما في جعل التقوى وهي هي أساساً من المبالغة ، وقيل : إنها بمعنى مع ، وقيل : للتعليل لاعتباره فيما تقدم من الاتخاذ ، واللام اما للابتداء أو للقسم أي والله لمسجد . وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ والجملة بعده صفته ، وقوله تعالى : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } متعلق بأسس و { مِنْ } لابتداء الزمان على ما هو الظاهر ، وفي ذلك دليل للكوفيين في أنها تكون للابتداء مطلقاً ولا تتقيد بالمكان ، وخالف في ذلك البصريون ومنعوا دخولها على الزمان وخصوه بمذ ومنذ وتأولوا الآية بأنها على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم . وتعقبه الزجاج وتبعه أبو البقاء بأن ذلك ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون من لابتداء الغاية فيه . وأجيب بأن مرادهم من التأويل الفرار من كونها لابتداء الغاية في الزمان وقد حصل بذلك التقدير ، وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان ، وقال الرضى : لا أرى في الآية ونظائرها معنى الابتداء إذ المقصود منه أن يكون الفعل شيئاً ممتداً كالسير والمشي ومجرور من منه الابتداء نحو سرت من البصرة أو يكون أصلاً لشيء ممتد نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتداً وليس التأسيس ممتداً ولا أصلا لممتد بل هما حدثان واقعان فيما بعد { مِنْ } وهذا معنى في ، و { من } في الظروف كثيراً ما تقع بمعنى في انتهى . وفي كون التأسيس ليس أصلاً لممتد منع ظاهر . نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين ، والحق أن كثيراً من الآيات وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه ، وقوله تعالى : { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } خبر المبتدأ و { أَحَقُّ } افعل تفضيل والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير أو هو على زعمهم ، وقيل : إنه بمعنى حقيق أي حقيق ذلك المسجد بأن تصلي فيه ، واختلف في المراد منه .
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . والضحاك أنه مسجد قباء . وقد جاءت أخبار في فضل الصلاة فيه . فأخرج ابن أبي شيبة . والترمذي . والحاكم وصححه . وابن ماجه عن أسيد بن ظهير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «صلاة في مسجد قباء كعمرة » قال الترمذي . لا نعرف لأسيد هذا شيئاً يصح غير هذا الحديث ، وفي معناه ما أخرجه أحمد . والنسائي عن سهل بن حنيف . وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة » وذهب جماعة إلى أنه مسجد المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستدلوا بما أخرجه مسلم . والترمذي . وابن جرير . والنسائي . وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال : اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى . فقال أحدهما : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا رسول الله عليه الصلاة والسلام فسألاه عن ذلك فقال : هو هذا المسجد لمسجده صلى الله عليه وسلم وقال : في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء . وجاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال : هو مسجدي هذا ، وأيد القول الأول بأنه الأوفق بالسباق واللحاق وبأنه بني قبل مسجد المدينة ، وجمع الشريف السمهودي بين الأخبار وسبقه إلى ذلك السهيلي وقال : كل من المسجدين مراد لأن كلاً منهما أسس على التقوى من أوب يوم تأسيسه ، والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك بما في الحديث دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك ، ولا يخفى بعد هذا الجمع فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه ، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني وأيده بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم وبأن التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه : { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } يستدعي المداومة ، ويعضده توكيد النهي بقوله تعالى : { أَبَدًا } ومداومة الرسول عليه الصلاة والسلام لم توجد إلا في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام .
وأما ما رواه الترمذي . وأبو داود عن أبي هريرة من أن قوله جل وعلا : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء فهو لا يعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما ما رواه ابن ماجه عن أبي أيوب .
وجابر . وأنس من أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثني عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا ؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال : فهل مع ذلك غير ؟ قالوا : لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي باملاء . قال عليه الصلاة والسلام : هو ذاك فعليكموه " فلا يدل على اختصاص أهل قباء ولا ينافي الحمل على أهل مسجده صلى الله عليه وسلم من الأنصار ، وأنا أقول : قد كثرت الأخبار في نزول هذه الآية في أهل قباء . فقد أخرج أحمد . وابن خزيمة . والطبراني . وابن مردويه . والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال : " إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به ؟ فذكروا أنهم كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط "
وأخرج أحمد . وابن أبي شيبة . والبخاري في تاريخه . والبغوي في معجمه . وابن جرير . والطبراني عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه نحو ذلك ، وأخرج عبد الرزاق . والطبراني عن أبي أمامة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأهل قباء ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } ؟ قالوا : يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته » .
/ وأخرج عبد الرزاق . وابن مردويه عن عبد الله بن الحرث بن نوفل نحوه إلى غير ذلك ، وروى القول بنزولها في أهل قباء عن جماعة من الصحابة وغيرهم كابن عمر . وسهل الأنصاري . وعطاء . وغيرهم . وأما الأخبار الدالة على كون المراد بالمسجد المذكور في الآية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة أيضاً وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون أيضاً ، والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر ، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفاً فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عول على الأقوى . وظاهر كلام البعض يشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أن المراد من المسجد مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم أن تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده لا حادثاً بعده ولا يمكن أن يراد من أول الأيام مطلقاً ضرورة . نعم قال الذاهبون إلى أن المراد بالمسجد مسجد قباء : إن المراد من أول أيام الهجرة ودخول المدينة .
قال السهيلي : ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وبنيت المساجد وعبد الله تعالى كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل ، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله تعالى : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن ، فإن كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات ، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس ههنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتدبره ففيه معتبر لمن أدكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر انتهى .
ولا يخفى على المطلع على التاريخ أن ما وقع كان عن اجتهاد وأن قوله : وليس ههنا إضافة الخ محل نظر ، ويستفاد من الآية أيضاً على ما قيل النهي عن الصلاة في مساجد بنيت مباهاة أو رياء وسمعت أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى ، وألحق بذلك كل مسجد بني بمال غير طيب .
وروي عن شقيق ما يؤيد ذلك . وروي عن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه ، ومن حمل التطهير فيها على ما نطقت به الأخبار السابقة قال : يستفاد منها سنة الاستنجاء بالماء ، وجاء من حديث البزار تفسيره بالجمع بين الماء والحجر وهو أفضل من الاقتصار على أحدهما ، وفسره بعضهم بالتخلص عن المعاصي والخصال المذمومة وهو معنى مجازي له ، وإذا فسر بما يسمل التطهير من الحدث الأكبر والخبث والتنزه من المعاصي ونحوها كان فيه من المدح ما فيه ، وجوز في جملة { فِيهِ رِجَالٌ } ثلاثة أوجه أن تكون مستأنفة مبينة لأحقية القيام في ذلك المسجد من جهة الحال بعد بيان الأحقية من جهة المحل ، وأن يكون صفة للمبتدأ جاءت بعد خبره ، وأن تكون حالاً من الضمير في { فِيهِ } وعلى كل حال ففيها تحقيق وتقرير لاستحقاق القيام فيه ، وقرىء { أنٍ } بالادغام .
{ يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين } أي يرضى عنهم ويكرمهم ويعظم ثوابهم وهو المراد بمحبة الله تعالى عند الأشاعرة وأشياعهم وذكروا أن المحبة الحقيقية لا يوصف بها سبحانه ، وحمل بعضهم التعبير بها هنا على المشاكلة ، والمراد من المطهرين إما أولئك الرجال أو الجنس ويدخلون فيه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } لأن النفس تتأثر فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما إذا كان مبنياً على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض .
وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون لنيات النفوس وهيأتها تأثير فيما تباشره من الأعمال ، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت محلا للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى عليه الصلاة والسلام بنية صادقة ونفس شريفة ، ونحن نجد أيضاً أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها ، ولست أعني إلا وجود ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس ما تجده أرباب تلك النفوس ، والصفراوي يجد السكر مرا ، والجعل يستخبث رائحة الورد : ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه كالسمكة في الماء { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } أي أهل إرادة وسعى في التطهر عن الذنوب ، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم ، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان والإخوان في حصول الجمعية ، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة الزمان في حصول ما ذكر { والله يُحِبُّ المطهرين } [ التوبة : 108 ] ولو محبته إياهم لما أحبوا ذلك . وعن سهل الطهارة على ثلاثة أوجه : طهارة العلم من الجهل ، وطهارة الذكر من النسيان ، وطهارة الطاعة من المعصية . وقال بعضهم : الطهارة على أقسام كثيرة : فطهارة الأسرار من الخطرات ، وطهارة الأرواح من الغفلات ، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهالات ، وطهارة النفوس من الكفريات ، وطهارة الأبدان من الزلات . وقال آخر : الطهارة الكامل طهارة الأسرار من دنس الأغيار والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{لا تقم فيه أبدا} يعني في مسجد المنافقين إلى الصلاة أبدا...
{لمسجد} يعني مسجد قباء، وهو أول مسجد بني بالمدينة، {أسس} يعني بُنِيَ، {على التقوى من أول يوم} يعني أول مرة، {أحق أن تقوم فيه} إلى الصلاة؛ لأنه كان بني من قبل مسجد المنافقين، ثم قال: {فيه رجال}، يعنى في مسجد قباء، {يحبون أن يتطهروا} من الأحداث والجنابة، {والله يحب المطهرين}، نزلت في الأنصار...
قال مالك: المسجد الذي ذكر الله أنه أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان يقوم رسول الله ويأتيه أولئك من هنالك وقال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- القرطبي: قال مالك: هو مسجد قباء رواه عنه ابن وهب، وأشهب، وابن القاسم. قوله تعالى: {وفيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}.
- قال مالك: إذا قضيت الحاجة فلا تبرأ بشيء حتى تغسل فرجك بالماء...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تقم يا محمد في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون ضرارا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله. ثم أقسم جلّ ثناؤه فقال:"لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ أحَقّ أنْ تَقُومَ" أنت فيه. يعني بقوله: "أُسّسَ على التّقْوَى "ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته من أوّل يوم ابتدئ في بنائه "أحَقّ أنْ تَقُومَ فِيهِ" يقول: أولى أن تقوم فيه مصليا. وقيل: معنى قوله: "مِنْ أوّلِ يَوْمٍ" مبدأ أوّل يوم كما تقول العرب: لم أره من يوم كذا، بمعنى مبدؤه، ومن أوّل يوم يراد به من أول الأيام، كقول القائل: لقيت كلّ رجل، بمعنى كلّ الرجال.
واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه: "لَمَسْجِدٌ أُسّسَ على التّقْوَى مِنْ أوّلِ يَوْمٍ"؛
فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره اليوم...
وقال آخرون: بل عني بذلك مسجد قباء...
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قالّ: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لصحة الخبر بذلك عن رسول الله...
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو نعيم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبيّ بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس علي التقوى، فقال: «مَسْجِدِي هَذَا»...
"فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أنْ يَتَطَهّرُوا وَاللّهُ يُحِبّ المُطّهّرِينَ":
يقول تعالى ذكره: في حاضري المسجد الذي أسس على التقوى من أوّل يوم رجال يحبون أن ينظفوا مقاعدهم بالماء إذا أتوا الغائط والله يحبّ المتطهرين بالماء...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
... قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) يحتمل أي فيه رجال يؤثرون التطهر بالإيمان والتوحيد و الصلاة فيه، وفي كل مسجد هذا فهو مؤسس على التقوى، أي تقوى الشرك والخلاف لأمر الله ومناهيه، أو يقول: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ) أي يؤثرون التطهر بالتقوى والأعمال الصالحة على غيرها من الأعمال التي تنجسهم. ويحتمل ما ذكر أهل التأويل من التطهير من الأقذار والأنجاس؛ كأنه قال: فيه رجال يؤثرون الإبلاغ في التطهر من الأقدار والأنجاس التي تصيبهم.
وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أوْلى بفعل الصلاة فيه من بعض وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها، ويدل على فضيلة الصلاة في المسجد بحسب ما بني عليه في الأصل، ويدل على فضيلتها في المسجد السابق لغيره لقوله: {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} وهو معنى قوله تعالى: {أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} لأن معناه أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا المسجد الذي أُسس على التقوى أحق بالقيام فيه من غيره؛ وذلك أن مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهي الله تعالى نبيه عن ذلك، فلو لم يكن المعنى ما ذكرنا لكان تقديره: لَمَسْجِدٌ أسس على التقوى أحق أن تقوم فيه من مسجد لا يجوز القيام فيه، ويكون بمنزلة قوله فِعْلُ الفرض أصْلَحُ من تركه، وهذا قد يسوغ، إلاّ أن المعنى الأول هو وجه الكلام.
{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} فيه دلالة على أن فضيلة أهل المسجد فضيلة للمسجد وللصلاة فيه.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
المقام في أماكن العصيان، والتعريج في أوطان أهل الجحود والطغيان -من علامات الممالأة مع أربابها وسُكَّانِها وقُطَّانِها. والتباعدُ عن مَسَاكِنِهم، وهجرانُ مَنْ جَنَحَ إلى مَسالِكهم عَلَمٌ لِمَنْ أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سِرَّه عداوتُهم. {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا}: يتطهرون عن المعاصي، وهذه سِمَة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
{لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى} بنيت جدره ورفعت قواعده على طاعة الله تعالى...
{والله يحب المطهرين} من الشرك والنفاق..
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى} قيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة... فإن قلت: ما معنى المحبَّتَيْن؟ قلت: محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له على إيثاره، ومحبة الله تعالى إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحبّ بمحبوبه...
ثم قال تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين:
أحدهما: أنه بني على التقوى، وهو الذي تقدم تفسيره.
والثاني: إن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان:
الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين لوجوه:
أولها: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه.
والثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي.
والثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} هذا نهي للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالتبع له عن الصلاة فيه مؤكد بلفظ الأبد الذي يستغرق الزمن المستقبل، وتفسير القيام بالصلاة هنا مروي عن ابن عباس وهو معهود في التنزيل كقوله: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] وقوله: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2]، والنهي عن القيام المطلق يتضمن النهي عن القيام للصلاة، ولكنها هي المقصودة بالنهي لطلبهم لها به صلى الله عليه وسلم.
{لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَولِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} اللام الداخلة على المسجد للقسم أو للابتداء. والتأسيس وضع الأساس الأول للبناء الذي يقوم عليه ويرفع، والمراد منه هنا القصد والغرض من البناء، والتقوى الاسم الجامع لما يرضي الله ويقي من سخطه، أي أن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى الله تعالى بإخلاص العبادة له، وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى، هو أحق أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين من غيره، ولاسيما ذلك المسجد الذي وضع أساسه على المقاصد الأربعة الخبيثة، والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد قباء، وقد صح في أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة، ففي رواية مسلم عن أبي سعيد أنه لما سأله أخذ صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال:"هو مسجدكم هذا"، وفي رواية لأحمد عنه وعن سهل بن سعد "هو مسجدي هذا"، ولفظ الآية لا يمنع من إرادة كل من المسجدين، لأن كلا منهما قد بناه النبي صلى الله عليه وسلم ووضع أساسه على التقوى من أو يوم شرع فيه ببنائه، أو من أول يوم وجد في موضعه (والتحقيق أن "من "تدخل على الزمان والمكان).
{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} هذه جملة وصف بها المسجد الذي أسس على التقوى تؤكد ترجيح القيام مع أهله المطهرين في مقابل أهل مسجد الضرار وهم رجس، والمعنى: فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف وإقامة الصلاة، وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، يحبون أن يتطهروا بذلك من كل ما يعلق بأنفسهم من درن الآثام، أو التقصير في إقامة دعائم الإسلام، كما تطهر المتخلفون منهم عن غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ومن لوازم عمارته المعنوية والعكوف فيه طهارة الثوب والبدن الحسية، وطهارة الوضوء والغسل الحكمية، فالتطهر صيغة مبالغة تشمل الطهارتين النفسية والبدنية، ووردت الروايات بكل منهما، ولكل من الاستعمالين موضع من التنزيل، والجمع بينهما هو الأولى.
{واللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} أي المبالغين في الطهارة الروحية والجسدية، وإنما يبالغون فيها إذا أحبوها، وحينئذ تكمل إنسانيتهم المؤلفة من الروح والجسد. ولا يطيق نجاسة البدن وقذارته إلا ناقص الفطرة والأدب، وأنقص منه من يطيق خبث النفس بالإصرار على المعاصي والعادات القبيحة، والتخلق بالأخلاق الذميمة. دع رجس المنافقين المرائين في الأعمال، الأشحة الباخلين بالأموال. وأما حب الله المستحقين لحبه، فهو من صفات كماله، لأن العالم بتفاوت الأشياء في الحسن والقبح، والكمال والنقص، يكون من أفضل صفاته حب الجمال والكمال والحق والخير، وبغض أضدادها وكراهتها، وحبه اللائق بربوبيته منزه عن مشابهة حبنا، كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ولكن يظهر أثره في المحبوبين من عباده في أخلاقهم وأعمالهم، ومعارفهم وآدابهم، وأعلاه ما أشار إليه حديث البخاري القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" الخ.
وقد قال الله تعالى معللا ما وعظ به نساء نبيه صلى الله عليه وسلم من أمره ونهيه لهن بما يليق بمكانتهن من رسوله {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب: 33]...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... والتعبير القرآني الفريد يرسم هنا صورة حافلة بالحركة، تنبئ عن مصير كل مسجد ضرار يقام إلى جوار مسجد التقوى، ويراد به ما أريد بمسجد الضرار؛ وتكشف عن نهاية كل محاولة خادعة تخفي وراءها نية خبيثة؛ وتطمئن العاملين المتطهرين من كل كيد يراد بهم، مهما لبس أصحابه مسوح المصلحين...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{لا تقم فيه أبداً}...وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياً مولى المُطعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال: « انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه»، ففعلوا...
وقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادةٍ في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعَوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قُباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم. وفيه أيضاً دفع مكيدةِ المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع..ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمُجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه {أسس على التقوى} أن هذا أسس على ضدها.
{فيه رجال يحبون أن يتطهروا}... فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم. وجملة: {والله يحب المطهرين} تذييل، وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى، وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} في صلاةٍ أو في اجتماع، أو في أيّ نشاط آخر يوحي بالرضا والتأييد، لأن القيادة لا يمكن أن تدعم الوجود المنحرف، بل يجب عليها العمل على القضاء عليه، وتوجيه الأمة كلها إلى هذا الاتجاه، في عملية توعيةٍ فكريةٍ من جهة، وقدوةٍ عمليّةٍ من جهةٍ أخرى، ليتحوّل الدعم والإخلاص إلى الوجود المستقيم الخالص لله في كل شيء، وهذا ما يفرض الإصرار على القيام في مسجد قبا وأمثاله من مساجد الله الخالصة. {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} لأنه هو الذي يحقّق للصلاة غاياتها، ويركّز للدين قواعده على أساس الحق، ويبني للمسلمين علاقاتهم على أساس التقوى، ويدفع الحياة إلى أن تتحرر من عبوديّتها للشيطان، ليبقى لها الخط الذي تتحرك فيه من خلال عبوديّتها لله، في حركة الإنسان في حرّيته وعبوديّته.
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} الذين يعملون للطهارة الروحية على مستوى الفرد والمجتمع والحياة كلها، في الطريق إلى الله في رحابه الفسيحة الشاملة.