تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (152)

6- ولا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بأحسنِ تصرُّف يحفظه وينميه ، فاحفظوا مال اليتيم ، وثمّروه ، وأنفقوا منه على تربيته وتعليمه ما يصلُح به معاشه . واستمرّوا على ذلك حتى يبلغ رُشده ، ويستطيع أن يستغل ماله بالتصرف السليم . فإذا بلغ فسلِّموه إليه كما قال تعالى في آية أخرى . { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .

7- وأتِمّوا الكيل إذا كِلتم للناس ، أو اكتلتم لأنفسكم . وأوفوا الميزانَ إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون ، أو لغيركم فيما تبيعون ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفهم الله بقوله : { الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } .

{ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } فالله تعالى لا يكلّف نفساً إلا ما تستطيعه دون حرج .

وهذا الأمر وقع في الأُمم التي قبلَنا قديماً كما حكى الله تعالى عن قوم شعيب بقوله : { ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ } .

وقال صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان : «إنكم وُلِّيتم أمراً هلكتْ فيه الأمم السالفةُ قَبلكم » . ولا يزال ذلك يقع من كثير من ضعاف النفوس .

8- { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } إذا قلتم قولاً في حكمٍ أو شهادة أو خير أو نحو ذلك ، فلا تميلوا عن العدل والصدق ، دون مراعاة لصِلة القرابة أو المصاهرة أو الجنس . فبالعدل والصدق تصلح شئون الأمم والأفراد ، فلا يحلُّ لأحد أن يحابي أحداً لقرابة أو غيرها { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بالقسط } .

9- { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } وأوفوا بعهد الله ، فلا تنقُضوا عهده الذي أخذه عليكم بالتكاليف ، ولا العهود التي تأخذونها بينكم ، فيما يتعلق بالمصالح المشروعة . { والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ } . فمن آمن فقد عاهد الله حين الإيمان به أن يمتثل أوامره ونواهيه ، وما شرعه للناس ووّصاهم به .

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النِفاق حتى يدَعَها : إذا حدَّث كذَب ، وإذا وعَد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » .

{ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } إن ذلك الذي تلوتُه عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء أن يذكره بعضكم لبعض مثل قوله تعالى : { وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } .

{ وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (152)

قوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } أي لا تقربوا ماله إلا لإصلاحه وتثميره وما فيه تحقيق لمصلحته . وقيل : النهي عن قربان مال اليتيم { إلا بالتي هي أحسن } يعني الاتجار فيه لتنميته وتكثيره . والخطاب هنا للأولياء والأوصياء ، لأنه قال بعده : { حتى يبلغ أشده } أي احفظوه له فإذا بلغ سلموه إليه . والأشد واحد لا جمع له . وقيل : شد بضم الشين . وقيل جمع شد بفتح الشين . وكيفما كان ذلك فإن الأشد من القوة {[1316]} والمراد بذلك بلوغ الحلم . وقيل : أن يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة . وقيل : أن يبلغ خمسا وعشرين سنة . وهو قول الإمام أبي حنفية . وجملة المقصود أن يبلغ اليتيم سن الوعي والفهم وتمام الإدراك والخبرة .

قوله : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } أي أتموا الكيل وهو المكيل ، { والميزان } أي موزون الميزان { بالقسط } في محل نصب حال ، أي بالعدل . والمعنى : لا تبخسوا الناس الكيل إذا كلتموهم ، والوزن إذا وزنتموهم بل أوفوهم حقوقهم بإعطائها لهم كاملة غير منقوصة . وذلك بالقسط ، أي بالعدل .

قوله : { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن . بما يسعها ولا يعسر عليها . وقد جيء بهذه الجملة عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل . والمراد أن هذا الأمر يراعى فيه اقتدار البشر وطاقته من التحفظ والتحرز لتمام الإيفاء . فما لا يمكن الاحتراز عنه كما بين الكيلين من تفاوت فهو معفو عنه ولا يؤاخذ به المرء . وقيل : المراد أن من اجتهد في أداء الحق أو أخذه فأخطأ بعد ما استفرغ وسعه وبذل جهده فلا حرج عليه ولا إثم .

قوله : { وإذا قلتم فأعدلوا ولو كان ذا قربى } يتضمن ذلك وجوب العدل في الأحكام والشاهادات بعيدا عن الجور والاعتساف والزور . فقد أوجب الله أن تجري الأحكام بين الناس بالعدل في غير ميل ولا جنوح . وكذلك في الشهادات لتؤدى في صدق واستقامة لا تعرف اللين أو الكذب أو المحاباة على حساب أهل الحقوق .

ومن واجب المسلم كيفما كان شأنه أو قدره إذا ما حكم أن يقضي بالحق ، وإذا ما شهد أن يقول الحق مهما تكن الظروف . ومثل هذا الواجب منوط بكل مسلم أن يلتزمه ليقول الحق إذا علمه . وأن يقضي بالحق إذا كان من القضاة أو الولاة . ولا يميل حاكم أو قاض أو شاهد لقريبه أو صديقه . وإذا مال لا جرم أنه من المفرطين الآثمين أو المائلين الخاطئين .

قوله : { وبعهد الله أوفوا } العهد معناه : اليمين والموثق والأمان والذمة والوصية{[1317]} . والمعنى : أوفوا بكل ما عهده الله إليكم وذلك أن تطيعوه فيما أمركم به وأن تنزجروا عما نهاكم عنه وأن تعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وذلك هو الوفاء بعهد الله . وقيل : المراد ما انعقد بين الناس من العهود والعقود والمواثيق . فهم مأمورون بالوفاء بها دون نقض أو غدر أو تفريط . وقيل : ما عهدتم الله عليه من أيمانكم ونذوركم ونحو ذلك .

قوله : { ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون } الإشارة عائدة إلى ما فصله الله لعباده من الأحكام والتكاليف . فقد { وصكم به } أي أمركم بمراعاته وامتثال أمر الله فيه لعلكم تتعظون وتنتهون عما زجركم وحذركم منه الله .


[1316]:- مختار الصحاح ص 332.
[1317]:- المصباح المنير ج 2 ص 86 ومختار الصحاح ص 460.