تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

عزير : هو الذي يسميه أهل الكتاب عزرا .

يضاهئون : يشابهون ويحاكون .

يؤفكون : يصرفون عن الحق إلى الباطل .

ترك اليهودُ الوحدانية في عقيدتهم وقالوا : عُزيز ابنُ الله ، وترك النصارى الوحدانية كذلك فقالوا : المسيحُ ابن الله . وقولهم هذا مبتدَع من عندهم ، يردّدونه بأفواههم ، لم يأتِهم به كتاب ولا رسول ، وليس عليه حُجّة ولا برهان . وهم في هذا القول يشابهون قول المشركين قبلهم .

عجباً لهم كيف يَضِلّون عن الحق الظاهر ويَعْدِلون إلى الباطل !

وقد تُستعمل جملة «قاتله الله » هذه بالمدح .

روى ابن إسحاق ، وابن جرير وابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مشكم ونعمان بن أوفى وأبو أنس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف ، وهم من رؤساء اليهود وأحبارهم ، فقالوا : كيف نتّبعك وقد تركتَ قِبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عُزَيْراً ابن الله » .

وعُزير هذا كاهن يهودي وكاتب شهير سَكَنَ بابل حوالي سنة 457 ق . م . أسَّس المجمع الكبير ، وجمع أسفار الكتاب المقدس ، وأدخل الأحرفَ الكِلدانية عوضاً عن العِبرية القديمة ، وألّف أسفار الأَيام ، وعِزرا ، ونحِمْيا ، وأحيا الشريعةَ اليهودية بعد أن نُسيت من أجْل هذا فاليهود يقدّسونه حتى إن بعض يهود المدينة أطلق عليه لقب ( ابن الله ) .

وأما النصارى فقد كان القدماء منهم يَعْنُون بقولهم عن المسيح أنه «ابن الله » أنه المحبوبُ أو المكّرم ، كما نقول نحن «الخلق عيال الله » وكان منهم موحِّدون . لكنهم في مَجْمَع نيقية سنة 325م وتحت إشراف الملك قسطنطين ، قرروا عقيدةَ التثليث ، واعتمدوا الأناجيلَ الأربعة ، وأحرقوا ما عداها وكانت تزيد على سبعين إنجيلا . وقد خالف في ذلك خلقٌ كثير منهم يُسَمَّون الموحِّدين أو العقليين ، لكن الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستنتية لا تعتدُّ بنصرانيتهم ولا بدِينهم ، مع أن رسالة المسيح ثابتة في أناجيلهم . ففي إنجيل يوحنا : «وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك ، أنتَ الإلهُ الحقيقي وحدك ، ويسوع المسيحُ الذي أرسلتَه » .

قراءات :

قرأ : «عزير » بالتنوين عاصم والكسائي . والباقون : «عزير » بترك التنوين . وقرأ عاصم : «يضاهئون » بالهمزة والباقون : «يضاهون » بغير همزة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قتالهم الله أنى يؤفكون 30 اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } .

هذه واحدة من افتراءات اليهود والنصارى على الله بما يصمهم العتو الفادح المغالي ويجعلهم في عداد المشركين الكفرة لا محالة . إن ذلك تخريص من تخريصات الفريقين وهم يفترون على الله الكذب ، إذ يزعمون أنه أب لمولود ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . أما عزير : فهي نبي من أنبياء بني إسرائيل بعثه الله فيهم ليجدد لهم التوراة ، وليكون لهم آية بعد ما أماته الله مائة عام ثم بعثه . وذلك بعد أن عزا بختنصر بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل فقتل رجالهم وسبى نساءهم وصغارهم وأحرق توراتهم وسامهم سوء الإذلال والتنكيل . ثم خرج عزير وهو غلام يسيح في الأرض فأتاه جبريل عليه السلام ولقاه التوراة فحفظها ، ثم أملاها على بين إسرائيل دون أن يفقد منها حرفا . فقالوا : ما جمع الله التوراة في صدر عزير وهو غلام إلا لأنه ابنه . وهذا محض باطل وهراء ما ينبغي لذي مسكة عقل أن يجترها لسانه .

وكذلك النصارى قالوا : المسيح ابن الله ؛ وذلك لما اشتبهت عليهم ولادته من غير أب ، فسدروا في الافتراء والضلالة باختلاق هذه الفرية الفظيعة التي تنفر منها أبسط مراتب التفكير السليم . والمسيح برئ من كل هذا اللغط الأحمق الفاجر ؛ إذ كان عليه السلام يزجرهم زجرا ويتبرأ من مقاتلهم المقبوحة ويبين لهم في قطع أبلج أنه عبد الله ورسوله ، وأن أمه مريم العذراء البتول أفضل نساء العالمين طهرا وتقي وعفافا وقد ولدته من غير أب بمشيئة الله .

قوله : { ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل } { يضاهون } بمعنى يشابهون . والمشاهأة تغني المضاهاة وهي المشابهة ؛ ضاهاه : شاكله . وضهيك يعني شبيهك{[1758]} ، والمعنى : أنهم يلغطون بهذا الغلط الظالم المفترى بأفواههم من غير برهان على ذلك ولا حجة ، فليس قولهم هذا إلا الألفاظ المهملة المفرغة من أي مضمون معتبر أو معنى يستحق الذكر ، وهم في ذلك { يضاهون قول الذين كفروا من قبل } أي يشابهون في قوله من حيث العتو وشناعة الكفر قول الذين كفروا من قبلهم وهم المشركون الذين قالوا : الملائمة بنات الله –سبحانه وتعالى عما يقولون- قوله : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } هذا دعاء عليهم ، ولا ريب أن الهلاك حائق بمن قاتلهم الله . وقيل : لعنهم الله . وهو قول ابن عباس .

وفي الجملة : فإن المراد التشنيع على هؤلاء الضالين الساردين في ظلمة الإشراك بالله { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحف إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوح الحجة .


[1758]:القاموس المحيط ص 1684.