مدْين : ببلد في شمال الحجاز معروفة الى الآن .
ورحمةً بأُمك ، هيَّأتُ الظروف حتى جمعتُك بها ، وكانت أُختك تمشي متتبّعةً التابوت حتى علمتْ أينَ ذهب . فجاءت متنكَرة الى قصر فرعون حيث وجدتْهم يطلبون لك مرضعا ، فقالت : هل أدلُّكم على من يرضعه ويحفظه ويربيه ؟ قالوا : نعم ، فجاءت بأُمك ورجعتَ إليها حتى تفرحَ وتُسَرَّ وتقر عينُها بك ، ويزول عنها الحزن والقلق عليك .
وكنتَ قد قتلتَ نفساً من أهل مصر فنجّيناك مما لحقَكَ من الخوْفِ والغم ، كما جاء في سورة القصص 15 : { فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ } وهذا كما يأتي في سورة القصص : حين كبر وشبّ في قصر فرعون ، ونزل المدينةَ يوماً فوجد فيها رجلَين يقتتلان : أحدُهما من شيعته والآخر من شيعة فرعون فاستغاثه الّذي هو من شِيعته ، فوكز موسى المصريَّ بيده فسقط ميتاً . ولم يكن موسى ينوي قتله ، فاغتمّ لذلك فهربَ الى مَدْيَن ، وهذا معنى قوله تعالى :
اختبرناك اختباراً شديداً بالغُربة ومفارقة الأهل والوطن . وامتُحن بالخدمة ورعي الغنم ، وهو ربيبُ القصور عند الملوك ، وجازَ الامتحانَ ونجحَ في كل عمل عمله .
{ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى } .
ونجّيناك من الهمّ الذي لحق بك فذهبتَ الى مدين . وهناك لقيتَ شُعَيْب وتزوّجت ابنته على شرط أن ترعى له الغنم مدة ، وأمضيتَها على أحسنِ حال ، ثم عدتَ من مدين في الموعد الذي قدرناه لإرسالك .
ثم ذكر ظرف الصنع فقال : { إذ } {[49180]}أي حين{[49181]} { تمشي أختك } {[49182]}أي في الموضع الذي وضعوك به لينظروا لك مرضعة{[49183]} { فتقول } بعد إذ رأتك ، لآل فرعون : { هل أدلكم على من يكفله } {[49184]}أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة{[49185]} ، {[49186]}ناصحاً له ، فقالوا : نعم{[49187]} ! {[49188]}فجاءت بأمك فقبلت ثديها{[49189]} { فرجعناك } أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك { إلى أمك } حين دلتهم عليها { كي تقر } {[49190]}أي تبرد وتسكن{[49191]} { عينها } وتربيك آمنة عليك غير خائفة ، ظاهرة غير مستخفية { ولا تحزن } بفراقك أو بعدم تربيتها لك{[49192]} وبذلها الجهد في نفعك { وقتلت نفساً } أي{[49193]} بعد أن صرت رجلاً من القبط دفعاً عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك { فنجيناك } {[49194]}بما لنا من العظمة{[49195]} { من الغم } الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من جريرته ، بأن أخرجناك مهاجراً لديارهم نحو مدين { وفتناك فتوناً } أي خلصناك من محنة بعد محنة مرة بعد مرة ، {[49196]}على أنه جمع فتن أو فتنة ، على ترك الاعتداد بالتاء{[49197]} ، ويجوز أن يكون مصدراً كالشكور ، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفاً يترقب ، ثم إيجار نفسه عشر سنين ، ثم إضلاله الطريق ، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة { فلبثت سنين } أي كثيرة { في أهل مدين } مقيماً عند نبينا شعيب عليه السلام يربيك بآدابه ، وصاهرته على ابنته { ثم جئت } أي الآن { على قدر } أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك ، وهو بلوغ الأشد والاستواء ، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفاً منه ، {[49198]}فجئت غير مستقدم ولا مستأخر{[49199]} { يا موسى *
قوله : ( إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ) ( إذ يمشي ) ، بدل من قوله : ( إذ أوحينا ) وأخته اسمها مريم ؛ فقد خرجت تتعرف خبر أخيها موسى ، وكان موسى في رعاية فرعون وقد طلبت له آسية المراضع لكنه أبى كل مرضعة حتى أشارت عليهم أخته أن ثمة امرأة ترضعه وهي ذات لبن ، تريد بذلك أمها . فلما جاءته قبل ثديها فارتضع منها . وذلك من فضل الله وتوفيقه ومنته على موسى ؛ إذ أعاده إلى أمه وهم لا يدرون بحقيقة الأمر . وهو قوله سبحانه : ( فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ) رد الله على أم موسى ولدها لتقر عينها بلقائه ولا تحزن على فراقه . وكان من لطف الله أيضا أن تنتفع أم موسى ومعها ولدها بطيب العيش في دار فرعون مع الأمن من القتل الذي كان يخشى منه على عامة الصغار البنين من بني إسرائيل ، فكانا كلاهما كأنهما من أهل بيت فرعون من حيث الأمان والراحة والسعة ورغد العيش .
قوله : ( وقتلت نفسا فنجيناك من الغم ) وهذه منة أخرى من منن الله على عبده موسى ؛ إذ قتل قبطيا كافرا من آل فرعون وكان قتله خطأ ، فنجاه الله من الغم وهو القتل قصاصا ، وأذهب عنه الخوف من طغيان فرعون أن يظفر به فمكنه الله من الخروج فرارا بنفسه إلى مدين .
قوله : ( وفتناك فتونا ) أي بلوناك وامتحناك بأشياء قبل أن تبعث في الناس . ومنها ولادته في زمن كان فرعون يذبح فيه الأطفال ، ثم إلقاؤه في اليم ، ثم تناوله الجمرة ليضعها فوق لسانه ، ثم قتله القبطي من آل فرعون ، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب . قوله : ( فلبثت سنين في أهل مدين ) مدين : هي بلدة شعيب عليه السلام ، إلى الشمال من مصر على عدة مراحل ؛ فقد لبث عنده موسى عشر سنين وهي أتم الأجلين وقيل : لبث عنده ثماني وعشرين سنة ، منها عشر مهر امرأته . والبقية أقامها عند شعيب حتى ولد له أولاد .
قوله : ( ثم جئت على قدر يا موسى ) أي جئت على موعد قدرنا لك أن تجيء فيه . أو جئت في الوقت الذي أردنا أن نرسلك فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.