تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (83)

الضُر : الضرر بالنفس كالمرض ونحوه . والضَر : بالفتح الضرر من كل شيء .

اذكر أيها النبي ، قصة أيوب حين دعا ربه وقد أضناه المرض ، ومسّه البلاء ، فقال :

يا رب ، قد أصابني الضر وأنت الكريم الجواد ، وأنت أرحم الراحمين .

وقصة أيوب من القصص الرائعة ، والنصوصُ القرآنية تشير إلى مجملها دون تفصيل . وقد ذُكر صاحبها في القرآن أربع مرات : في سورة النساء ، والأنعام ، والأنبياء ، وص وله سِفر خاص به في العهد القديم يحتوى على 42 إصحاحا في خمسة فصول كبيرة :

الأول : يتضمن تقوى أيوب وأملاكه وأقاربه وصفاته ، الثاني : يتضمن ما جرى بينه وبين أصحابه من الجدال ، الثالث : يذكر أقوال الحكمة التي نطق بها ( الياهو ) اصغر أصحاب أيوب ، الرابع : يذكر مخاطبة الله إياه من العاصفة ، الخامس : يتضمن خضوعه وشفاءه وتعويض ما فقده من المال والأهل .

وأيوب من أنبياء العرب كان يسكن أرض ( عُوص ) في شرق فلسطين أو في حوران . وهو من بني إبراهيم ، كما جاء في سورة الأنعام الآية 84 : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وموسى وَهَارُونَ } ، وسِفر أيوب عربي الأصل بما فيه من أسماء للأشخاص والأماكن ، ومن وصف لبادية الشام وحيواناتها ونباتاتها . . . . يقول الأب لويس شيخو في كتابه : ( النصرانية وآدابها ) وهو يذكر علم النجوم : ولنا شاهدٌ في سِفر أيوب على معرفة العرب لأسماء النجوم وحركاتها في الفلك ، إذ كان أيوب النبي عربي الأصل عاش غربي الجزيرة حيث امتحن الله صبره .

ويقول الدكتور جواد علي في كتابه : ( تاريخ العرب قبل الإسلام ) : من القائلين بأن سفر أيوب عربي الأصل والمتحمسين في الدفاع عن هذا الرأي المستشرقُ : ( مرجليوث ) . وقد عالج هذا الموضع بطريقة المقابلات اللغوية ودراسة الأسماء الواردة في سفر أيوب . وقد أكد هذا الرأي كثير من المؤرخين .

وخلاصة قصته أنه كان صاحب أموال كثيرة ، وابتلاه الله بان أذهبَ أمواله حتى صار فقيرا ، وابتلاه بجسده حتى نفر عنه أقاربه ، وبقي طريحاً مدة من الزمن ، وهو صابر مستمرٌّ على عبادته وشكره لربه .

ثم إن الله تعالى عافاه ورزقه وردّ له أحسن مما ذهب عنه من المال والولد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (83)

ولما أتم سبحانه ذكر من سخر لهم العناصرالأربعة التي منها الحيوان {[51531]}المحتوم ببعثته تحقيقاً{[51532]} لذلك ، ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك ، إما بإعادة أو حفظ أو ابتداء ، بدأهم بمن أعاد{[51533]} له ما كان أعدمه من أهل ومال ، وسخر له عنصر الماء في إعادة لحمه وجلده ، لأن الإعادة هي المقصودة بالذات في هذه السورة فقال : { وأيوب } {[51534]}أي واذكر أيوب ، قالوا : وهو ابن أموص{[51535]} بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، وكان صاحب البثنية{[51536]} من بلاد الشام ، وكان الله قد بسط عليه الدنيا فشكره{[51537]} سبحانه ثم ابتلاه فصبر{[51538]} { إذ نادى ربه } أي المحسن إليه في عافيته وضره بما آتاه{[51539]} من صبره { أني مسني الضر } بتسليطك الشيطان عليّ في بدني وأهلي ومالي وقد طمع الآن في ديني ، وذلك أنه زين لامرأة أيوب عليه السلام أن تأمره{[51540]} أن يذبح لصنم{[51541]} فإنه يبرأ ثم يتوب ، ففطن لذلك وحلف : ليضربنها إن برأ ، وجزع من ذلك ، {[51542]}والشكوى إلى الله تعالى ليست من الجزع فلا تنافي الصبر ، وقال سفيان بن عيينة : ولا من شكا إلى{[51543]} الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله تعالى .

وأنت } أي والحال أنك أنت { أرحم الراحمين* } فافعل بي ما يفعل الرحمن بالمضرور ، {[51544]}وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب{[51545]} الرحمة ، وربّه بأبلغ صفاتها ولم يصرح ، فكان ذلك ألطف في السؤال ، فهو أجدر بالنوال


[51531]:العبارة من هنا إلى "على ذلك" ساقطة من مد.
[51532]:زيد من ظ.
[51533]:من ظ ومد وفي الأصل: ادعا.
[51534]:العبارة من هنا إلى "ثم ابتلاه" ساقطة من ظ.
[51535]:من مد ومعالم التنزيل بهامش اللباب 4 / 249، وفي الأصل: موصر، وزيد في المعالم: بن تاريخ.
[51536]:راجع معجم البلدان 6 / 60.
[51537]:من مد، وفي الأصل: لشكرة.
[51538]:زيد من ظ.
[51539]:من ظ ومد، وفي الأصل: القاه.
[51540]:زيد في الأصل: لي ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[51541]:من ظ ومد، وفي الأصل: لغنم.
[51542]:العبارة من هنا إلى "بقضاء الله تعالى" ساقطة من ظ.
[51543]:زيد من مد ومعالم التنزيل بهامش اللباب 4 / 255.
[51544]:العبارة من هنا إلى "بالنوال" ساقطة من ظ.
[51545]:من مد، وفي الأصل: يوجبه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (83)

قوله تعالى : { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ( 83 ) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضرب وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ( 84 ) } .

نبي الله أيوب ، ذكر أنه رومي من نسل إسحاق بن إبراهيم . وهو ذو قصة عجيبة مثيرة تتردد على ألسنة البشرية طوال الدهر بما كرّمه الله به من حسن الثناء والذكر لفرط ما كان عليه من بالغ الصبر والعزيمة ؛ فقد لقي هذا النبي العظيم من كبير البلاء ما يعزّ على البشر أن يحتملوه . فواجه ذلك بالاصطبار والثبات دون زعزعة أو خور أو تبرم إلا الدعاء والتضرع إلى الله .

وهو قوله : ( وأيوب إذ نادى ربه ) أي اذكر أيوب حين دعا ربه في خشوع وتوسل ورضى بما صنع فيه . وجملة ذلك : أن الله بعثه للناس نبيا ورسولا ، وبسط عليه من الدنيا الخير الكثير ؛ فكان كثير الأهل والمال والولد . وقد ابتلاه الله أشد ابتلاء ؛ إذ أمات كل ولده وأذهب عنه ماله جميعا ، وابتلاه بالمرض في بدنه سنين طويلة ، قيل : سبع سنين ، وقيل أكثر . وقيل : ابتلاه الله بمرض الجذام أصاب سائر بدنه ، فنفر منه الناس وعافوه وزهدوا في الدنو منه أو مجالسته باستثناء زوجته الصالحة ؛ فقد كانت تقوم بأمره ، وتصلح شأنه ما استطاعت . وقيل : إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله .

وفي هذه الحال العصيبة من شدة البأساء والضراء ، وموت الأهل والولد ، وانقطاع الصحب والخلان يتوجه هذا النبي العظيم الصابر إلى الله متضرعا متوسلا يدعوه في غاية الخضوع والصبر والطاعة بقوله : ( أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) الألف واللام في الضر للجنس لتعم الضر في الأهل والمال والبدن وقيل : الضر بالضم خاص بما في النفس من مرض وهزال . وبالفتح ، ما كان شائعا في كل ضرر .

قوله : ( وأنت أرحم الراحمين ) لم يصرح بل اكتفى بذكر ما حل به من بلاء ، وما يتجلى في ربه من صفة الرحمة البالغة . وهو يرتجي بذلك أن يكشف الله عنه ما أصابه . وهذا غاية في كمال الطاعة والتأدب مع الله في حسن الطلب .