تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (37)

النسيء : التأخير ، تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر كان العرب في الجاهلية يؤخرون شهراً إلى شهر آخر فكانوا مثلا يؤخرون المحرَّم إلى صفر ، وهكذا وقد أبطله الإسلام .

ورثت العربُ من ملّة إبراهيم وإسماعيل تحريمَ القتال في الأشهر الحرم لتأمين الحجّ وطُرُقه . ولما طال عليهم الأمد غيّروا وبدّلوا في المناسك وفي تحريم الأشهر ، إذ كان يشِقُّ عليهم تركُ القتال وشنّ الغارات مدة ثلاثة أشهر متواليات ، فكانوا يحلُّون شهر المحرَّم ويؤخرون تحريمه إلى صَفَرَ لتبقى الأشهر الحُرُم أربعة .

وقال ابن كثير : إنما كانت الأشهر المحرمة أربعة : ثلاثة سَرْد متوالية ، وواحد فَرْدٌ وهو رَجَب ، وذلك لأجل أداء المناسك ، فحُرِّم قبلَ أشهرِ الحج شهرٌ وهو ذو القعدة لأنهم يقعُدون فيه عن القتال ، وحُرّم ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداءِ المناسك . وحُرّم بعده شهر آخر هو المحرَّم ليرجِعوا فيه إلى أقصى بلادِهم آمنين . وحرم رجَبُ في وسط الحول ، لأجل زيارة البيت والاعتمار به ، لمن يَقْدَم إليه من أقصى الجزيرة فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا .

قال ابن إسحاق : كان أولَ من نَسأَ الشهور على العربِ ، فأحلَّ منها ما حرّم اللهُ ، وحرَم منها ما أحلّ الله عز وجل ، «القَلَمَّس » وهو حُذَيفة بن فقيم الكِناني ، ثم قام بعده أولاده وأحفاده بذلك . وكان آخرَهم جُنادةُ بن عوف ، أبو ثمامة ، وعليه قام الإسلام .

فكانت العرب إذا فرغت من حجّها اجتمعت إليه ، فقام فيهم خطيباً فحرَّم رجَباً وذا القعدة وذا الحجة ويُحِلَّ المحرّم عاماً ويجعل مكانه ( صَفَرا ) ، ويحرّمه عاما ليواطئ عدةَ ما حرّم الله ، فيحلّ ما حرّم الله ، ويحرّم ما أحلّ الله .

ومعنى : { إِنَّمَا النسيء زِيَادَةٌ فِي الكفر . . . الآية } .

إن تأخير هذه الأشهر الحُرُم أو بعضِها مما رتّبها الله عليه ( كما كان يفعل أهل الجاهلية ) هو إمعانٌ في الكفر ، به يزداد الذين كفروا ضلالاً فوق ضلالهم ، وذلك لجعلهم الشهر الحرام حلالا . لقد زيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم بهذه الشُّبهة الباطلة ، واللهُ لا يهدي القوم الضالين المصرّين على كفرهم إلى طريق الخير .

قراءات :

قرأ نافع برواية ورش : إنما النسيُّ ، والباقون : «النسيء » بالهمزة . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : «يُضَلُّ » بضم الياء وفتح الضاد ، وقرأ يعقوب : «يُضِل » بضم الياء وكسر الضاد . والباقون : «يَضِل » بفتح الياء وكسر الضاد .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (37)

شرح الكلمات :

{ إنما النسيء } : تأخير حرمة شهر المحرم إلى صفر .

{ يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } : أي النسيء عاماً يحلونه عاماً ويحرمونه .

{ ليواطئوا عدة ما حرم الله } : أي ليوافقوا عدد الشهور المحرمة وهي أربعة .

{ زين لهم سوء عملهم } : أي زين لهم الشيطان هذا التأخير للشهر الحرام وهو عمل سيء لأنه افتيات على الشارع واحتيال على تحليل الحرام .

المعنى :

وقوله عز وجل { إنما النسيء زيادة في الكفر } أي إنما تأخير حرمة محرم إلى صفر كما يفعل أهل الجاهلية ليستبيحوا القتال في الشهر الحرام بهذه الفُتيا الشيطانية هذا التأخير زيادة في كفر الكافرين ، لأنه محاربة لشرع الله وهي كفر قطعاً لقوله تعالى { يضل به الذين كفروا } أي بالنسيء يزدادون ضلالاً فوق ضلالهم . وقوله { يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } يعني النسيء وهو الشهر الذي أخروه أي أخروا حرمته إلى الشهر الذي بعده ليتمكنوا من القتال في الشهر الحرام ، فعاماً يحلون وعاماً يحرمون حتى يوافقوا عدة الأشهر الحُرُم بلا زيادة ولا نقصان ، ظناً منهم أنهم ما عصوا مستترين بهذه الفتيا الإِبليسية كما قال تعالى { زين لهم سوء أعمالهم } والمزين للباطل قطعاً هو الشيطان .

وقوله تعالى { والله لا يهدي القوم الكافرين } يخبر تعالى أنه عز وجل لا يهدي القوم الكافرين لما هو الحق والخير وذلك عقوبة لهم على كفرهم به وبرسوله ، وإصرارهم على ذلك .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الاحتيال على الشرع بالفتاوى الباطلة لإحلال الحرام ، وأن هذا الاحتيال ما هو إلا زيادة في الإِثم .

- تزيين الباطل وتحسين المنكر من الشيطان .

- حرمان أهل الكفر والفسق من هداية الله تعالى وتوفيقه لما هو حق وخير حالاً ومآلاً .