كل واحدٍ من الناس له ملائكة تحفَظه بأمرِ الله ، وتتناوبُ عل حفظه في كل حال .
إن الله تعالى لا يغير النعمة على قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهِم ، وكذلك لا يغير ذلة أو مهانة إلا أن يغير الناس من أعمالهم وواقع حياتهم ، وأكبر دليلٍ على ذلك واقُعنا اليوم من تفكّك وتمزق . . . فنحن العربَ والمسلمين نملك أكبر ثروة في العالم ، ونعيش على أعظم بقاع الأرض ، ومع ذلك نعاني من الذل والفقر والمرض والجهل وكل ذلك بسبب تردي أحوالِنا وبُعدِنا عن ربّنا ، وفي ذلك عبرة كبيرة لنا .
{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .
إذا أراد اللهُ أن يُنزلَ بقومٍ ما يسوءهم فليس لهم ناصرٌ يحمِيهم من أمْرِه ، ولا من يتولّى أمورَهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم .
{ له معقبات } المعقبات هنا : جماعة الملائكة ، وسميت معقبات لأن بعضهم يعقب بعضا ، والضمير في { له } يعود على من المتقدمة ، كأنه قال : لمن أسر ومن جهر ، ولمن استخفى ومن ظهر له معقبات ، وقيل : يعود على الله ، وهو قول ضعيف لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق .
{ يحفظونه } صفة للمعقبات ، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به حفظ أعماله أو حفظه وحراسته من الآفات .
{ من أمر الله } صفة للمعقبات أي : معقبات من أجل أمر الله أي : أمرهم بحفظه ، وقرئ بأمر الله ، وهذه القراءة تعضد ذلك ، ولا يتعلق من أمر الله على هذا ليحفظوه ، وقيل : يتعلق به على أنهم يحفظونه من عقوبة الله إذا أذنب بدعائهم له واستغفارهم .
{ إن الله لا يغير ما بقوم } من العافية والنعم { حتى يغيروا ما بأنفسهم } بالمعاصي فيقتضي ذلك أن الله لا يسلب النعم ولا يترك النقم إلا بالذنوب .
{ له } أي لذلك المستخفي أو السارب - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما{[43604]} { معقبات } أي أعوان وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل{[43605]} واحد منهم{[43606]} صاحبه ويكون بدلاً منه .
ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين والشمال وكان ملأ كل من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذراً ، قال آتياً بالجار : { من بين يديه } أي من قدامه { ومن خلفه } واستأنف بيان فائدة المعقبات{[43607]} فقال : { يحفظونه } أي في زعمه من{[43608]} كل شيء يخشاه { من أمر الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة .
ولما دل هذا على غاية القدرة ، وجرت عادة المتمكنين{[43609]} من ملوك الأرض بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم والعسف في شأنهم ، زيادة في المكنة وتوسعاً في الملك ، ولا سيما إذا كان ذلك الجار ظاناً مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانع من أخذه ، أخبر تعالى من كأنه سأل عن ذلك أنه{[43610]} على غير هذا لغناه عنه ، فقال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة و{[43611]} الكمال كله { لا يغير ما بقوم } أي خيراً كان أوشراً { حتى يغيروا ما }{[43612]} أي الذي{[43613]} { بأنفسهم } مما{[43614]} كانوا يزينونها به{[43615]} من التحلي{[43616]} بالأعمال الصالحة والتخلي من أخلاق{[43617]} المفسدين ، فإذا غيروا ذلك غير ما{[43618]} بهم{[43619]} إذا أراد وإن كانوا في غاية القوة .
ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالباً من جميع مراداتهم لكثرة المعارضين{[43620]} من الأمثال الصالحين للملك ، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره : فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء : { وإذا أراد الله } أي الذي له صفات الكمال { بقوم } أي{[43621]} وإن كانوا في غاية القوة { سوءاً فلا مرد له } من أحد سواه ، وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان .
ولما كان كل أحد{[43622]} دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه ، قال : { وما لهم } وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال{[43623]} : { من دون } وأعرق في النفي فقال{[43624]} : { من }{[43625]} ولما كان السياق ظاهراً في أنه لا منفذ لهم مما أراده ، أتى بصيغة فاعل منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف{[43626]} بما فوقها فقال : { وال * } أي من{[43627]} ملجأ يعيذهم ، بأن الفعل معهم من الإنجاء{[43628]} والنصرة{[43629]} ما يفعل القريب مع وليه الأقرب إليه ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.