قوامون : يقومون عليهن ويهتمون بأمرهن وجميع شئونهن .
نشوزهن : عصيانهن ، وترفّعهن على أزواجهن .
في هذا الآية الكريمة تنظيم لشئون الأُسرة ، وتحديد اختصاص أعضائها . فللرجال حق الصيانة والرعاية للنساء والقيام بشؤونهن ، كي يمكن المرأة أن تقوم بوظيفتها الفطرية وهي الحمل وتربية الأطفال وهي آمنة مكفيّة ما يهمّها من أمور أرزاقها وحاجاتها .
ثم فصّل حال النساء في الحياة المنزلية وبين أنهن قسمان : فالنساء الصالحات مطيعات للأزواج حافظات لما يجري بينهن وبينهم في الشؤون الخاصة بالزوجية ، وكذلك بحفظ بيوتهن وأموال أزواجهن ، خضوعاً لأمر الله في ذلك . والذي يُرزق واحدة منهن يعيش في نعيم مقيم .
والقسم الثاني : الزوجات اللاتي تظهر منهن بوادر العصيان والترفع ، وتخافون ألاّ يقمن بحقوق الزوجية ، فانصحوهن بالقول الليّن المؤثر واعتزِلوهن في الفراش . وإذا لم ينفع ذلك كله عاقبوهن بضرب خفيف غير مبرّح ، فإن رجعن إلى طاعتكم فلا تبغوا عليهِنَّ ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيره .
{ إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } إن سلطان الله عليكم فوق سلطانكم على نسائكم ، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم .
{ الرجال قوامون على النساء } قوام بناء مبالغة من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه ، قال ابن عباس : " الرجال أمراء على النساء " .
{ بما فضل الله } الباء للتعليل ، وما مصدرية ، والتفضيل بالإمامة والجهاد ، وملك الطلاق وكمال العقل وغير ذلك .
{ وبما أنفقوا } هو الصداق والنفقة المستمرة .
{ فالصالحات قانتات } أي : النساء الصالحات في دينهن مطيعات لأزواجهن أو مطيعة لله في حق أزواجهن .
{ حافظات للغيب } أي : تحفظ كلما غاب عن علم زوجها فيدخل في ذلك صيانة نفسها وحفظ ماله وبيته وحفظ أسراره .
{ بما حفظ الله } أي : بحفظ الله ورعايته ، أو بأمره للنساء أن يطعن الزوج ويحفظنه ، فما مصدرية أو بمعنى الذي .
{ واللاتي تخافون نشوزهن } قيل : الخوف هنا اليقين .
{ فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } هذه أنواع من تأديب المرأة إذا نشزت على زوجها وهي على مراتب : بالوعظ في النشوز الخفيف والهجران فيما هو أشد منه ، والضرب فيما هو أشد ومتى انتهت عن النشوز بوجه من التأديب لم يتعد إلى ما بعده والهجران هنا هو ترك مضاجعتها ، وقيل : ترك الجماع إذا ضاجعها ، والضرب غير مبرح .
{ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي : إذا أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب .
ثم بين سبحانه وجه استحقاق بعض المفضلين ، فقال - جوباً لسؤال من كأنه قال : ما للرجال فضلوا ؟ - { الرجال قوامون } أي قيام الولاة { على النساء } في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي ، وبين سببي ذلك بقوله : { بما فضل الله } أي الذي{[21343]} له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى ، هبة منه وفضلاً نم غير تكسب { بعضهم } وهم الرجال ، في العقل والقوة والشجاعة ، ولهذا كان فيهم الأنيباء والولاة والإمامة{[21344]} الكبرى والولاية في النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين { على بعض } يعني النساء ، فقال للرجال{ انفروا خفافاً وثقالاً{[21345]} }[ التوبة : 41 ] وقال للنساء :
{ و{[21346]}قرن في بيوتكن{[21347]} }[ الأحزاب : 33 ] .
ولما ذكر السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال : { وبما أنفقوا } أي من المهور والكسى{[21348]} وغيرها { من أموالهم } أي عليهن ، فصارت الزيادة في أحد{[21349]} الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر .
ولما بان بذلك{[21350]} فضلهم ، {[21351]}فأذعنت النفس{[21352]} لما فضلوا به في{[21353]} الإرث وغيره ، وكان قد تقدم ذكر نكاحهم للنساء والحث على العدل فيهن ؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من حقوقهم وتأديب من جحدت الحق ، فقال مسبباً لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من فضلهم { فالصالحات قانتات } أي مخلصات في طاعة الأزواج ، ولذلك ترتب عليه { حافظات للغيب } أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن { بما } أي بالأمر الذي { حفظ الله } أي المحيط علماً وقدرة به غيبتهم بفعله فيه فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما{[21354]} يرضي الله والترهيب{[21355]} من عصيانهم بما يسخطه ، ورعي الحدود التي أشار إليها سبحانه من البقرة ، وشرحتها سنة{[21356]} {[21357]}رسول الله{[21358]} صلى الله عليه وسلم .
ولما عرف{[21359]} بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال : { واللاّتي تخافون نشوزهن } أي ترفعهن{[21360]} عليكم عن الرتبة التي أقامهن الله بها ، وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق ، وأصل النشوز : الانزعاج في ارتفاع ، قال الشافعي : دلالات النشوز قد تكون قولاً ، وقد تكون{[21361]} فعلاً ، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ، ثم تغيرت ؛ والفعل مثل أن كانت تقوم له إذا دخل إليها ، أو كانت تسارع إلى أمره ، وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها{[21362]} ، ثم إذا{[21363]} تغيرت فحينئذ ظن نشوزها ؛ ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز { فعظوهن } أي ذكروهن من أمر الله بما يصدع قلوبهن و{[21364]}يرققها ويخيفهن من جلال الله .
ولما كان الوعظ موجباً لتحقق الطاعة أو المعصية قال : { واهجروهن } أي إن لم يرجعن بالوعظ { في المضاجع } أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت ، وفي ضمن الهجر امتناعه من كلامها ؛ قال الشافعي : ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث { واضربوهن } أي إن أصررن{[21365]} ضرب تأديب غير مبرح ، وهو ما لا يكسر عظماً ولا يشين عضواً ، ويكون مفرقاً على بدناه ولا يوالي به في موضع واحد ، ويتقي الوجه لأنه مجمع{[21366]} المحاسن ، ويكون دون الأربعين ؛ قال الشافعي : الضرب مباح وتركه أفضل { فإن أطعنكم } أي بشيء من الوعظ ، والهجر في موضع المبيت من البيت ، أو الضرب { فلا تبغوا } أي تطلبوا { عليهن سبيلاً } أي طريقاً إلى الأذى على ما سلف من العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه ، بما لكم عليهن من العلو ، بل اغفروا{[21367]} لهن ما سلف ، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي وقد علمتم ما له من الكمال { كان } ولم يزل { علياً كبيراً * } أي له العلو والكبر على الاطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة ، فهو{[21368]} لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه ، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن ، وهو مع ذلك يعفو عمن{[21369]} عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه ، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه ، بل يبدل سيئاته حسنات ، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم ؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا{[21370]} جليل هباته ، وخافوا سطواته ، واحذروا عقوبته ، بما له من العلو والكبر .