تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (52)

ثم نهى الرسولَ أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المستضعفين من المؤمنين .

فقال : لا تستجب أيها النبي ، لدعوة المتكبرين من المشركين ، فتُبعد عنك المستضعفين من المؤمنين . إنهم هم الذين يعبدون ربهم طول الوقت لا يريدون إلا رضاه . لا تلتفت يامحمد ، لدسّ المشركين عليهم ، فلست مسؤولاً أمام الله عن شيء من أعمالهم ، وليسوا مسؤولين عن أعمالك ، فإن استجبتَ وأبعدتَ المؤمنين ، كنتَ من الظالمين .

كان زعماء المشركين وكبراؤهم - أمثال أبي جهل وعُتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والحارث بن عامر ، وقرظة بن عمرو وغيرهم - كثيراً ما يتضايقون من المؤمنين المستضعَفين - مثل عمار بن ياسر ، وبلال ، وصهيب ، وخَبَّاب ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وابن مسعود- وكانوا يطلبون من النبي أن يبعدهم عنه حتى يحضروا مجلسَه ويستمعوا إليه .

روى أحمد ، وابن جرير ، والطبراني عن عبد الله بن مسعود قال : «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صُهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، أرضيتَ بهؤلاء من قومك ؟ أهؤلاء مَنّ الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء ؟ أطردْهم عنك ، فلعلّك إن طردتهم أن نتبعك .

فأنزل الله تعالى فيهم القرآن : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ . . . إلى قوله أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } .

القراءات : قرأ ابن عامر : «بالغُدوة » والباقون ، «بالغَداة » .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (52)

{ ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية : نزلت في ضعفاء المؤمنين . كبلال ، وعمار ابن ياسر وعبد الله بن مسعود ، وخباب وصهيب ، وأمثالهم ، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك ، فنزلت هذه الآية .

{ بالغداة والعشي } قيل : هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس وكانت غدوة وعشية ، وقيل : هي عبارة عن دوام الفعل ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة .

{ يريدون وجهه } إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم .

{ ما عليك من حسابهم من شيء } الآية : قيل : الضمير في حسابهم للذين يدعون ، وقيل للمشركين ، والمعنى على هذا : لا تحاسب عنهم ، ولا يحاسبون عنك ، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم ، والأول أرجح لقوله : { وما أنا بطارد الذين آمنوا } [ هود : 29 ] ، وقوله : { إن حسابهم إلا على ربي } [ الشعراء : 29 ] ، والمعنى على هذا : أن الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم .

{ فتطردهم } هذا جواب النفي في قوله : { ما عليك } .

{ فتكون من الظالمين } هذا جواب النهي في قوله : { ولا تطرد } أو عطف على فتطردهم .