تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

أنذرْهم أيها الرسول ، يومَ يجمعُهم الله للحساب ، وقل لهم إن هذه الدنيا التي غرّتهم بمتاعها الزائل ، لهي قصيرة الأمد وستزول بموتهم .

وفي يوم القيامة سيقدّرون قصرها بساعة من النهار ، ويتلاومون على ما كانوا عليه من الكفر والضلال . يومئذٍ سيعرفون أن الذين آثروا هذه الحياة السريعة الزوال وكذّبوا باليوم الآخر ، قد خسروا السعادة الأبدية ولم يهتدوا إلى طريقها .

قراءات :

قرأ حفص «يحشرهم » بالياء كما هو في المصحف ، والباقون «نحشرهم » بالنون .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب، كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون فيما بينهم، ثم انقطعت المعرفة وانقضت تلك الساعة.

يقول الله:"قَدْ خَسِرَ الّذِينَ كَذّبُوا بِلِقاء اللّهِ وَما كانُواّ مُهْتَدِينَ"، قد غبن الذين جحدوا ثواب الله وعقابه وحظوظهم من الخير وهلكوا.

"وما كَانُوا مُهْتَدِينَ" يقول: وما كانوا موفقين لإصابة الرشد مما فعلوا من تكذيبهم بلقاء الله لأنه أكسبهم ذلك ما لا قبَل لهم به من عذاب الله.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

وأصله: كأنهم استقلوا طول مقامهم في الدنيا وما أنعموا فيها لما عاينوا من أهوال ذلك اليوم وشدائده؛ واستقلوا لبثهم في الدنيا، ومقامهم في الآخرة والعذاب...

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) أي خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها إذ قد أُعطُوا ما يكتسبون به نعم الآخرة، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنَ لمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} فيه وجهان:

أحدهما: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار لهول ما استقبلوا...

{يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} فيه وجهان:

أحدهما: يعرف بعضهم بعضاً. قال الكلبي: يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

الأيامُ والشهور، والأعوام والدهور بعد مُضيها في حُكْمِ اللحظة لمن تفكَّرَ فيها، ومتى يكون لها أثر بعد تقضيها؟

والآتي من الوقت قريب، وكَأنَّ قَدْرَ الماضي من الدهر لم يُعْهَدْ.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم، وكان فعل ذلك -ممن لا يرى حشراً ولا جزاء ولا نعيماً وراء نعيم هذه الدار- فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان، حسن تعقيبه بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا، فقد خسروا إذن دنياهم بالنزاع، وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع، وليس له انقطاع، فقال تعالى مهدداً لهؤلاء الكفار الذين يعاندون فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفاً على {ويوم نحشرهم} الأولى: {ويوم يحشرهم} أي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال، فكأنه قيل: إلى أي غاية؟ فقيل: {كأن} أي كأنهم {لم يلبثوا} في دنياهم، و الجملة في موضع الحال من ضمير {يحشرهم} البارز أي مشبهين بمن لم يلبثوا {إلا ساعة} أي حقيرة {من النهار} وقوله: {يتعارفون بينهم} حال ثانية، أي لم يفدهم تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها بعضهم بعضاً ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا.

ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة، فكان السامع متوقعاً للخبر عنها، قال متعجباً منهم موضع: ما أخسرهم} قد خسر: {أي حقاً {الذين كذبوا} أظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف مستهينين {بلقاء الله} أي الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي، قال عاطفاً على الصلة: {وما كانوا} أي جبلة وطبعاً {مهتدين} مشيراً إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

هذه الآية للتذكير بمقدار ظلم المشركين لأنفسهم، وخسارتهم لها في الآخرة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالقرآن ووعيده لهم، وغرورهم بدنياهم الحقيرة، مصداقا للآية التي قبلها، قال:

{ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي واذكر أيها الرسول لهم أو أنذرهم يوم يحشرهم الله. وهذه قراءة حمزة عن عاصم، وقرأها الباقون (نحشرهم) بالنون، أي نجمعهم ببعثهم بعد موتهم ونسوقهم إلى مواقف الحساب والجزاء.

{كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} أي كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة قليلة من النهار ريثما يعرف فيها بعضهم بعضا كأولي القربى والجيران ثم زالت، فإن الساعة يضرب بها المثل في قلة المدة. فالتشبيه بيان لحالهم في تذكرهم للدنيا، يعني إن هذه الحياة الدنيا التي غرتهم بمتاعها بالحقير الزائل قصيرة ستزول بعذابهم أو موتهم، وسيقدرون يوم القيامة قصيرها بساعة من النهار لا تسع أكثر من التعارف القليل، كما قال في آخر سورة الأحقاف {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} [الأحقاف]، وفي سورة الروم {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون} [الروم: 55]، وفي معناها قوله تعالى في آخر النازعات عن الساعة {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [النازعات: 79]، وفي آيات أخرى أن أهل الموقف يختلفون في هذا التقدير، أي بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك اليوم، فإنه تعالى قال بعد آية سورة الروم {وقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ ولَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الروم: 56] وفي سورة المؤمنون {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 112 114]، وفي سورة طه يختلفون بين اليوم والعشر. وقيل: إن المعنى أنهم يتعارفون بينهم يوم يحشرون كأنهم لم يتفارقوا لقصر مدة الفراق. وثم أقوال أخرى في التشبيه يبطلها ما أوردنا من الآيات في شواهده.

{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ} أي خسروا السعادة الأبدية؛ إذ لم يستعدوا له بالإيمان وعمل الصالحات المزكية للنفس، المرقية للروح، بما تكون أهلا لكرامته ومثوبته، ورضوانه الأكبر في جناته، فآثروا عليها حياة الدنيا القصيرة الحقيرة، المنغصة بالأكدار، السريعة الزوال، التي يقدرونها يوم الحشر بساعة من نهار. والجملة بيان مستأنف منه تعالى لخسران الذين كذبوا بلقاء الله من أهل مكة وغيرهم، ولذلك ذكرهم بصفتهم المقتضية له- وهي التكذيب- وعطف عليه {ومَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} [البقرة:16] فيما اختاروه لأنفسهم من إيثار الخسيس الفاني على النفيس الخالد الباقي. أو هي معطوفة على جملة "قد خسر"، أي خسروا تجارتهم وأنفسهم، وما كانوا مهتدين إلى أسباب النجاة والربح من الأعمال الصالحة هي ثمرات الإيمان، كما قال {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16]، وقد تقدم ذكر الذين لا يرجون لقاء الله تعالى في الآيات 7، 11، 15 من هذه السورة، وتقدم ذكر خسرانهم في سورة الأنعام [الآية: 31].

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى، عن سرعة انقضاء الدنيا، وأن الله تعالى إذا حشر الناس وجمعهم ليوم لا ريب فيه، كأنهم ما لبثوا إلا ساعة من نهار، وكأنه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس، وهم يتعارفون بينهم، كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون، ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم، حيث فاتهم النعيم، واستحقوا دخول النار.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وفي هذه الجولة الخاطفة ننظر فإذا المحشورون مأخوذون بالمفاجأة، شاعرون أن رحلتهم الدنيوية كانت قصيرة قصيرة، حتى لكأنها ساعة من نهار قضوها في التعارف، ثم أسدل الستار. أو هذا مجرد تشبيه لهذه الحياة الدنيا، وللناس الذين دخلوا ثم خرجوا، كأن لم يفعلوا شيئاً سوى اللقاء والتعارف؟ إنه لتشبيه، ولكنه حق اليقين وإلا فهل ينتهي البشر في هذه الأرض من عملية التعارف؟ إنهم يجيئون ويذهبون وما يكاد أحدهم ينتهي من التعرف إلى الآخرين، وما تكاد الجماعة فيهم تنتهي من التعرف إلى الجماعات الأخرى. ثم يذهبون. وإلا فهل هؤلاء الأفراد الذين يتنازعون ويتعاركون ويقع من سوء التفاهم بينهم وبين بعضهم في كل ساعة ما يقع... هل هؤلاء تم تعارفهم كما ينبغي أن يكون؟ وهذه الشعوب المتناحرة، والدول المتخاصمة -لا تتخاصم على حق عام، ولا على منهج سليم، إنما تتعارك على الحطام والأعراض- هذه. هل عرف بعضها بعضاً؟ وهي ما تكاد تفرغ من خصام حتى تدخل في خصام. إنه تشبيه لتمثيل قصر الحياة الدنيا. ولكنه يصور حقيقة أعمق فيما يكون بين الناس في هذه الحياة.. ثم يرحلون! وفي ظل هذا المشهد تبدو الخسارة الفادحة لمن جعلوا همهم كله هو هذه الرحلة الخاطفة، وكذبوا بلقاء الله، وشغلوا عنه واستغرقوا في تلك الرحلة -بل تلك الومضة- فلم يستعدوا لهذا اللقاء بشيء يلقون به ربهم؛ ولم يستعدوا كذلك بشيء للإقامة الطويلة في الدار الباقية: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما كانوا مهتدين)...

.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

قوله تعالى : { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كفروا بلقاء الله وما كانوا مهتدين } { يوم } ، منصوب من وجهين . أحدهما : أن يكون منصوبا بتقدير أذكر .

ثانيهما : أن يكون منصوبا على الظرف . والكاف في قوله : { كأن } في موضع نصب على الحال من الضمير { هم } في قوله : { يحشرهم } وتقديره : يوم يحشرهم متشابهين .

وقيل : صفة لمصدر محذوف . وتقديره : يحشرهم حشرا مشابها لحشر يوم لم يلبثوا قبله{[1988]} .

وذلك تذكير من الله الموعود ، اليوم الذي تنتهي فيه الحياة الدنيا لتقوم بعدها القيامة بأهوالها وويلات وفظائعها ، ويومئذ تتزلزل القلوب والأبدان ، وتتبدد العزائم والهمم والإرادات ، وتذوي المقامات والوجاهات والزعامات ، وتخنس الأصوات وكل النداءات ؛ فلا يسمع منها إلا همس المهلوع الخائر ، أو المستيئس الوجل .

وفي هذا اليوم المشهود المرعب يخرج الناس من أجداثهم سراعا كأنهم جراد منتشر ، ينطلقون مشدوهين مذعورين مهطعين صوب أرض المحشر حيث التلاقي والاحتشاد . وإذ ذاك تستصغر الخلائق الحياة الدنيا ، ويوقنون أن الدنيا بالغة الحقارة والهوان ؛ إذ يتقالون مدتها فيشعرون أنها ليست غير شيء يسير من الزمن العابر . وهو قوله عز وعلا : { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } وذلك عقب خروجهم من القبور إلى المحشر ؛ إذ يجمعهم الله ؛ ليواجهوا الحساب ، وليروا من عرصات{[1989]} يوم القيامة ما يشيب لهوله الوالدان وتخور لفظاعته القلوب والنواصي ، فيوقن المشركون عندئذ أنهم لم يلبثوا في دنياهم أو خلال مكثهم في قبورهم غير ساعة من نهار ؛ وذلكم كقوله : { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } .

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبين للخاشعين وأولي الأبصار والنهي أن الدنيا سراب ؛ إذ تفضي بعد عمرانها وزخرفها إلى يباب ؛ فلا يدري بها المرء إلا وقد مرت مرور الظل والسحاب ؛ فقد روي أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما لي وللدنيا . ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) .

وهذه هي الدنيا بزخرفها وزينتها ومباهجها ولذائذها وبكل ما حوته من صخب وصراعات وضجيج ؛ ما تلبث أن تزول فتمضي مضي الغمام المتدافع أو السراب المتوج الخادع ، حتى إذا انتهض الإنسان من قبره ليقف مبهوتا أمام الميزان والحساب ؛ فيجد من بلايا القيامة وكوارثها وخطوبها والقواصم ما يجعله مستديم الدهش إلى أن يجد سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار –فإنه في هذا الموقف المخوف يستيقن المرء تفاهة الدنيا ودنو زوالها ، وبساطة مقامه فيها كأنما هي ساعة من النهار .

قوله : { يتعارفون بينهم } الجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في قوله : { لم يلبثوا } ويجوز أن تكون في موضع رفع ، خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : وهم يتعارفون{[1990]} ؛ أي يعرف بعضهم بعضا إذا خرجوا من قبورهم ؛ فيعرف الأبناء الآباء ، ويعرف الأقارب أهليهم وأقاربهم . وكذا الأصدقاء والخلان يتعارفون فيما بينهم ؛ فيعرف بعضهم بعضا ، وذلك في يوم التلاقي والزحام ، وفي ساحة التعارف بعد الخروج من الأجداث إلى الحشر ، لكن كل واحد منهم مشغول بنفسه . وله من شأنه العصيب ما يشغله ويغنيه عن الاهتمام بمن سواه . وقيل : هذا التعارف توبيخ وافتضاح ؛ إذ يقول بعضهم لبعض : أنت أضللتني وأغويتني وحملتني على الكفر .

وهذا في حق أهل الفتنة . سواء فيهم المفتونون المخدوعون أو الفاتنون المضلون الذين فتنوهم عن دينهم وأضلوهم ضلالا . لكن بقية الناس من غير أهل الفتنة والافتتان لا جرم أن يتعارفوا فيما بينهم ؛ فيذكروا أيامهم وأحولهم في الدنيا ، ثم يمضي كل واحد منهم في سبيله ؛ لأن كل واحد منهم مشغول بهمه ، ومشدود بما يجده ويبصره من أهوال فظيعة يعز على اليراعة{[1991]} أن تخط وصفها . وهذا هو قول سبحانه { يوم يفر المرء من أخيه 34 وأمه وأبيه 35 وصاحبته وبنيه 36 لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } وذلك أن المواقف يوم القيامة تختلف ؛ فقد يكون في بعض المواقف ما ليس في مواقف أخرى .

قوله : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } أي هلك الذين كذبوا لبقاء الله وجحدوا ثوابه وعقابه فخسروا حظهم من الخير والفلاح { وما كانوا مهتدين } أي لم يحظوا بالتوفيق من الله مما أسلفوا من تكذيب بيوم الحساب ؛ فكانوا الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة{[1992]} .


[1988]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 413، 414.
[1989]:عرصات: جمع عرصة بالفتح. ويراد بها هنا: البلية والشدة. انظر لسان العرب جـ 7 ص 53.
[1990]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 414.
[1991]:الراعة: القلم يتخذ من القصب. انظر المعجم الوسيط جـ 2 ص 1064.
[1992]:تفسير الطبري جـ 11 ص 84 وفتح القدير جـ 2 ص 448.