نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} (45)

ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين جدالهم في أباطيلهم وضلالهم ، وكان فعل ذلك - ممن لا يرى حشراً ولا جزاء ولا نعيماً وراء نعيم هذه الدار - فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل الحدثان ، حسن تعقيبه بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة لبثهم في الدنيا ، فقد خسروا إذن دنياهم بالنزاع ، وآخرتهم بالعذاب الذي لا يستطاع ، وليس له انقطاع ، فقال تعالى مهدداً لهؤلاء الكفار الذين يعاندون فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفاً على { ويوم نحشرهم } الأولى : { ويوم يحشرهم{[38030]} } أي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال والزلازل الطوال ، فكأنه قيل : إلى أي غاية ؟ فقيل : { كأن } أي كأنهم { لم يلبثوا } في دنياهم ، و{[38031]} الجملة في{[38032]} موضع الحال من ضمير { يحشرهم } البارز أي مشبهين بمن لم يلبثوا { إلا ساعة } أي حقيرة { من النهار{[38033]} } وقوله : { يتعارفون بينهم } حال ثانية{[38034]} ، أي لم يفدهم{[38035]} تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها بعضهم بعضاً ليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا .

ولما كانت حالهم هذه هي الخسارة التي ليس معها تجارة ، فكان السامع متوقعاً للخبر عنها ، قال متعجباً{[38036]} منهم موضع : ما أخسرهم : { قد خسر{[38037]} } أي حقاً { الذين كذبوا } أظهر{[38038]} موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف مستهينين{[38039]} { بلقاء الله } أي الملك الأعلى بما أخذوا من{[38040]} الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي ؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي ، قال عاطفاً على الصلة : { وما كانوا } أي جبلة وطبعاً { مهتدين* } مشيراً إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية .


[38030]:وفي مصاحفنا: يحشرهم.
[38031]:في ظ: أو.
[38032]:زيد من ظ.
[38033]:في ظ: نهار.
[38034]:سقط من ظ.
[38035]:في ظ: لم تفدهم.
[38036]:في ظ: معجبا.
[38037]:في ظ: خسروا.
[38038]:في ظ: أكثر.
[38039]:زيد من ظ.
[38040]:في ظ: في.