روى ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال : أتى رسولَ الله جماعة من اليهود ، فكلّمهم وكلّموه ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته فقالوا : «ما تخوِّفُنا يا محمد ؟ نحن والله أبناءُ الله وأحبّاؤه » . وكذلك قالت النصارى . فأنزل الله تعالى هذه الآية يردُّ فيها عليهم .
قالت اليهود والنصارى : نحن المفضَّلون ، لأننا أبناء الله والمحَبَّبُون لديه . فقل لهم أيها الرسول : لماذا يعذّبكم بذنوبكم إذن ؟ ولماذا يُدخلكم نار جهنم بأعمالكم ؟ إنكم في قولكم هذا لكاذبون ، فما أنتم إلا بشر كسائر الناس . والله تعالى بيده كل شيء ، يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء . هو ربّ السماوات والأرض وإليه مَردُّ كل مخلوقاته .
قوله تعالى : " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه " قال ابن عباس : خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا : لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه ، فنزلت الآية . قال ابن إسحاق : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم ، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى ، فأنزل الله عز وجل فيهم " وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم " إلى آخر الآية . قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا فبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريمة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده ، فأنزل الله عز وجل : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل " إلى قوله : " والله على كل شيء قدير " . السدي : زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكري من الولد . قال غيره : والنصارى قالت نحن أبناء الله ؛ لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى " أذهب إلى أبي وأبيكم " . وقيل : المعنى : نحن أبناء رسل الله ، فهو على حذف مضاف . وبالجملة . فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا ، فرد عليهم قولهم فقال " فلم يعذبكم بذنوبكم " فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين : إما أن يقولوا هو يعذبنا . فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه وأحباءه ، فإن الحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم تقرون بعذابه ، فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ، وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ؛ ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم . وقيل : معنى " يعذبكم " عذبكم ؛ فهو بمعنى المضي ، أي فلم مسخكم قردة وخنازير ؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم ؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد ، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا ، بل يحتج عليهم بما عرفوه . ثم قال : " بل أنتم بشر ممن خلق " أي كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ، ويجازي كلا بما عمل . " يغفر لمن يشاء " أي لمن تاب من اليهود . " ويعذب من يشاء " من مات عليها . " ولله ملك السماوات والأرض " فلا شريك له يعارضه . " وإليه المصير " أي يؤول أمر العباد إليه في الآخرة .
قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصرى نحن أبنؤا الله وأحبوه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير } قال ذلك بعض اليهود ونسب إلى الجميع ، لأنهم لم ينكروا هذه المقالة بل أقرها وتشبثت بها قلوبهم وعقولهم . وفي ذلك أخرج البيهقي عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن آصى وبحري بن عمرو وشاس ابن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله تعالى وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله وأحباؤه ، كقول النصارى فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية{[927]} . وتلك فرية مقبوحة حوتها أساطير بني إسرائيل . وهي أساطير كثيرة ومريبة وغريبة تلطخت بها بطون الكتب الدينية التي أفرزتها قرائح الدجاجلة والمشعودين من الحاخامات والأخبار . ومن جملة ذلك زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه . وقيل : مرادهم بالأبناء المقربون عند الله . والأحباب جمع حبيب بمعنى المحبوب . والمقصود أنهم مفضلون على غيرهم من الناس . وأنهم أولو مزية لا تتسنى لغيرهم من البشر .
قوله : { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } أي إن صح زعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم يعذبكم الله بذنوبكم يوم القيامة أياما بعد الأيام التي عبدتم فيها العجل ، وهو زعمكم أنفسكم ؟ كيف يعذبكم وأنتم المقربون المميزون ؟ ! اللهم إن هذا افتراء وتخريص وبهتان !
قوله : { بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } أي ليس الأمر مثلما زعمت اليهود والنصارى . فما زعمهم غير تخريص واهم مكذوب لا يستند إلى أثارة من برهان إلا الاغترار والحماقة . وهم جميعا ليسوا إلا صنفا من البشر من ذرية آدم خلقهم الله كبقية خلقه لا يتميزون عن غيرهم من الناس بشيء . فمن صلح فيهم جوزي من الله خير الجزاء . ومن عصى وبغى وجنف فإنه مجزي بسوء فعله ما يستحق من العذاب والنكال يوم القيامة . والله جلت قدرته إنما يغفر لأهل الطاعة ويعذب أهل المعصية . وهذا مقتضى قوله : { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } .
قوله : { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير } ذلك من تتمة الرد لمقالة اليهود والنصارى من أنهم أبناء الله وأحياؤه . فإن هذيهم ضال ومكذوب ، وافتراءهم على الله مستقبح وداحض ، وما هم إلا كغيرهم من الخلائق . وسيجازي الله كلا بعمله من خير أو شر . والله جل جلاله قادر على ذلك كله فكل شيء قبضته وملكه وبين يديه . فهو سبحانه مالك السموات والأرض بما فيهن وما بينهن من الملائكة والجنة والأناسي وغير ذلك من مختلف الخلائق الكاثرة المبثوثة في أطواء هذا الكون المعمور . الكون الشاسع الكبير الحافل بالأشياء والأحياء والأسرار والحقائق . الكون الذي يئول في النهاية إلى الله حيث الفناء المحتوم والطاقة الكبرى !
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.