تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

يا أهل الكتاب ، ها قد جاءكم رسول الله من عند ربكم يظهر لكم الحق ، بعد أن توقفت الرسالات فترة من الزمن ، ويبين لكم جميع ما أنتم في حاجة إليه ، لئلا تقولوا : ما جاءنا بشير ولا نذير ؟ ها قد جاءكم بشير لمن أحسن ، ونذير لمن أساء . فماذا أنتم فاعلون ؟ افعلوا ما شئتم ، فالله على كل شيء قدير .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

قوله تعالى : " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم . " يبين لكم " انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول . " على فترة من الرسل " أي سكون ، يقال فتر الشيء سكن . وقيل : " على فترة " على انقطاع ما بين النبيين ، عن أبي علي وجماعة أهل العلم ، حكاه الرماني . قال : والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه ، من قولهم : فتر عن عمله وفترته عنه . ومنه فتر الماء إذا عما كان من السخونة إلى البرد . وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر . وفتور البدن كفتور الماء . والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما . والمعنى ، أي مضت للرسل مدة قبله . واختلف في قدر مدة تلك الفترة ، فذكر محمد بن سعد في كتاب " الطبقات " عن ابن عباس قال : كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة{[5433]} سنة ، ولم يكن بينهما فترة ، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم . وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء ، وهو قوله تعالى : " إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث{[5434]} " [ يس : 14 ] والذي عزز به " شمعون " وكان من الحواريين . وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة . وذكر الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة وتسعا وستين ، وبينهما أربعة أنبياء ؛ واحد{[5435]} من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان . قال القشيري : ومثل هذا مما لم إلا بخبر صدق . وقال قتادة : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة ، وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه ، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة . وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع وثلاثون سنة . وذكر ابن سعد عن عكرمة قال : بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام . قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير واحد قالوا : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ؛ فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون والسنين . والله أعلم . " أن تقولوا " أي لئلا أو كراهية أن تقولوا ، فهو في موضع نصب . " ما جاءنا من بشير " أي مبشر . " ولا نذير " أي منذر . ويجوز " من بشير ولا نذير " على الموضع{[5436]} . قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمن أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته ، فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير ، فنزلت الآية . " والله على كل شيء قدير " على إرسال من شاء من خلقه . وقيل : قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه .


[5433]:على المشهور. وفي الأصول: ألف سنة وتسعمائة.
[5434]:راجع ج 15 ص 13.
[5435]:راجع هامش ص 16 من هذا الجزء.
[5436]:زيادة "من" في الفاعل للمبالغة في نفي المجيء. "روح المعاني".
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (19)

قوله تعالى : { يأهل الكتب فقد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } هذا خطاب كريم ومثير لأهل الكتاب يعلن فيه الله عن جيئة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا لهم الأحكام والشرائع التي تحقق لهم المصالح النافعة وتدرأ عنهم الشرور والمفاسد في المعاش والمعاد . أو ليبين لهم ما أخفوه عن الناس مما في كتبهم وما اختلفوا فيه وما زعموه وافتروه من دعاوى واختلاقات عن تميزهم وتفضيلهم على سائر البشر . يبين الله لهم عن طريق رسوله الكريم حقيقة الدين القائم على التوحيد الخالص لله بعيدا عن المغالاة والإفراط والضلالات وشرود الذهن والتصور .

قوله : { على فترة } من الفتور وهو السكون . فتر ، أي سكن بعد حدة ولان بعد شدة . والفترة ما بين كل نبيين فالمراد بالفترة عند جميع المفسرين ما بين الرسولين{[928]} فالمعنى المقصود أن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي ، أو بعد مدة متطاولة بين إرساله وعيسى ابن مريم . وهذه المدة موضع تفصيل واختلاف لا حاجة للخوض فيه .

قوله : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } أي لئلا تقولوا ، أو كراهية أن تقولوا – متذرعين محتجين – إنه ما جاءكم من نبي مبشر ولا منذر يبلغكم وينهاكم . قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته . فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير فنزلت الآية{[929]} .

قوله : { فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير } وذلك رد لاعتذارهم واحتجاجهم فقد أرسل الله إليهم بمبعوثه محمد صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما أشكل عليهم ، وما اختلفوا فيه كيلا يقولوا : لم يأتنا رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة والانحراف . فذلكم هو الرسول الأمين قد جاءكم بالحق مبشرا ونذيرا يبين لكم منهج الله الذي فيه صلاحكم وشفاؤكم . فمن آمن وصدق جوزي الفوز ، ومن أعرض وصدف فقد باء بالغضب والنار . والله جلت قدرته قادر على فعل ذلك كله . بل إنه لا يعجزه أن يفعل ما يشاء{[930]} .


[928]:- القاموس المحيط ص 583.
[929]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 121، 122 وروح المعاني ج 5 ص 104 وتفسير ابن كثير ج 2 ص 36.
[930]:- تفسير الطبري ج 4 ص 108.