تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (188)

روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم أن رسول الله سأل بعض أحبار اليهود عن شيء فكتموا حقيقته ، وأخبروه بغير الحقيقة ، وخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه . وروى البخاري أيضا عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله إلى الغزو تخلّفوا عنه وفرحوا بمقعدهم ذاك . فإذا قدم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت هذه الآية .

ولا منافاة بين الروايتين ، لأن الآية عامة في جميع ما ذُكر . وهي وإن كانت في اليهود والمنافقين ففيها ترهيب للمؤمنين ، وتنسحب على كل ما يجب أن يُحمد بما لم يفعل . وقد جاء عن النبي في الصحيحين :

«من ادّعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة » .

ومعنى الآية : لا تظننّ أيها النبي ، أن الذين يفرحون دائما بما يأتون من أفعال قبيحة ، ويحبون الثناء بما لم يفعلوه ، سيكونون في نجوة من العذاب ، فقد أعدّ الله لهم عذاباً عظيما يوم القيامة لا مفر منه .

قراءات

قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لا يحسبن الذين يفرحون . . . » بفتح الياء وضم الباء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (188)

ثم قال تعالى : { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } أي : من القبائح والباطل القولي والفعلي .

{ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي : بالخير الذي لم يفعلوه ، والحق الذي لم يقولوه ، فجمعوا بين فعل الشر وقوله ، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه .

{ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي : بمحل نجوة منه وسلامة ، بل قد استحقوه ، وسيصيرون إليه ، ولهذا قال : { ولهم عذاب أليم }

ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم ، ولم ينقادوا للرسول ، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم ، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية ، وفرح بها ، ودعا إليها ، وزعم أنه محق وغيره مبطل ، كما هو الواقع من أهل البدع .

ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق ، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة ، أنه غير مذموم ، بل هذا من الأمور المطلوبة ، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال ، وأنه جازى بها خواص خلقه ، وسألوها منه ، كما قال إبراهيم عليه السلام : { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } وقال : { سلام على نوح في العالمين ، إنا كذلك نجزي المحسنين } وقد قال عباد الرحمن : { واجعلنا للمتقين إماما } وهي من نعم الباري على عبده ، ومننه التي تحتاج إلى الشكر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (188)

قوله : ( ولا تحسبن الذين يفرحون بما آتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) وسبب نزول الآية ما رواه البخاري ومسلم أنه قيل لابن عباس : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعين . فقال ابن عباس : ما لكم وهذه ، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب ، سألهم النبي صلى الله عليه و سلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه . ثم قرأ ابن عباس ( وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) {[661]} .

وروى البخاري أيضا عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه و سلم فإذا قام رسول الله صلى الله عليه و سلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت الآية ( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أني حمدوا بما لم يفعلوا ) اسم الموصول ( الذين ) في محل نصب مفعول به أول . والمفعول الثاني : ( بمفازة ) والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه و سلم والمعنى المقصود : لا تحسبن يا محمد أولئك الماكرين والمنافقين الخبثاء الذين يفرحون بما فعلوه من تدليس وكتم للحق ليخفوه عن الناس ، والذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الوفاء والصدق وإظهار الحق ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) وهو تأكيد . والمعنى لا تحسبنهم ( بمفازة ) أي بمنجاة من العذاب . أي فائزين بالنجاة منه ، بل إن لهم العذاب الأليم ؛ لسوء طبعهم وفساد قلوبهم وأخلاقهم إذ يأتون بالفعل الذي لا ينبغي ويفرحون به ثم يحبون من الناس الإطراء والثناء فيصفون بسداد السيرة والاستقامة .


[661]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 92.