تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

وإذا جادلك اليهود في شأن عيسى بعد هذا التنزيل فقل لهم : تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ندعوا أن يصب الله لعنته على الكاذبين .

وقد روي أن النجرانيّين لما دُعوا إلى المباهلة قالوا لسيّدهم العاقب : ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم نبوته ، وها قد جاءكم بالفصل في أمر عيسى . والله ما باهلَ قوم نبياً إلا هلكوا ، فإن أبيتم أن تبقوا على دينكم فوادِِِعوا الرجل وانصرفوا .

فأتوا رسول الله محتضناً حفيده الحسين ، والحسن وفاطمة وعليّ يمشون خلفه وهو يقول لهم : إذا أنا دعوت فأَمِّنوا ، فلما رآهم كبير النصارى قال لقومه : إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا .

وفي صحيح البخاري ومسلم أن العاقب والسيّد أتيا رسول الله فأراد أن يلاعنهما . فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه ، فو الله لئن كان نبيا فلاعنَنا لا نفلح أبدا ، فقالا له : نعطيك ما سألت ، فابعث معنا رجلاً أمينا ، فقال : قم يا أبا عبيدة ، أنت أمين هذه الأمة .

وفي هذا التحدي ما يدل على قوة يقين صاحبه وثقته بما يقول ، أما امتناع نصارى نجران عن المباهلة فدليلٌ على شكّهم في موقفهم وكونهم على غير بينة فيما يعتقدون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

أي : { فمن } جادلك { وحاجك } في عيسى عليه السلام وزعم أنه فوق منزلة العبودية ، بل رفعه فوق منزلته { من بعد ما جاءك من العلم } بأنه عبد الله ورسوله وبينت لمن جادلك ما عندك من الأدلة الدالة على أنه عبد أنعم الله عليه ، دل على عناد من لم يتبعك في هذا العلم اليقيني ، فلم يبق في مجادلته فائدة تستفيدها ولا يستفيدها هو ، لأن الحق قد تبين ، فجداله فيه جدال معاند مشاق لله ورسوله ، قصده اتباع هواه ، لا اتباع ما أنزل الله ، فهذا ليس فيه حيلة ، فأمر الله نبيه أن ينتقل إلى مباهلته وملاعنته ، فيدعون الله ويبتهلون إليه أن يجعل لعنته وعقوبته على الكاذب من الفريقين ، هو وأحب الناس إليه من الأولاد والأبناء والنساء ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتولوا وأعرضوا ونكلوا ، وعلموا أنهم إن لاعنوه رجعوا إلى أهليهم وأولادهم فلم يجدوا أهلا ولا مالا وعوجلوا بالعقوبة ، فرضوا بدينهم مع جزمهم ببطلانه ، وهذا غاية الفساد والعناد ، فلهذا قال تعالى { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

قوله تعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) ( فمن حاجك ) أي جادلك وخاصمك يا محمد ( فيه ) أي في المسيح عيسى ابن مريم ، أو في الحق الوارد في الآية ( الحق من ربك ) . من بعد أن أوحى الله إليك في ذلك من الخبر اليقين والعلم الصادق الساطع ، فقل لهم هلموا ( ندع أبناءنا وأبناءكم . . ثم نبتهل ) أي نلتعن . من البهل بفتح الباء وهو اللعن . باهل بعضكم بعضا وتبهلوا أي تلاعنوا . والابتهال الاجتهاد في الدعاء . بهله الله أي لهنه الله{[482]} واللعن معناه الطرد والإبعاد من الرحمة{[483]} .

وسبب نزول هذه الآية أنه جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لهما : " أسلما تسلما " فقالا : قد أسلمنا قبلك . فقال : " كذبتما- يمنعكما من الإسلام سجودكما للصليب ، وقولكما اتخذ الله ولدا ، وشربكما الخمر " فقالا : ما نقول في عيسى ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) إلى قوله : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) الآية . فدعاهما رسول الله صلى الله عليه

وسلم إلى الملاعنة . وجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده عليهم السلام ، فلما خرج من عنده قال أحدهما لصاحبه : أقرر بالجزية ولا تلاعنه ، فأقر بالجزية ، فرجعا فقالا : نقر بالجزية ولا نلاعنك .

وجملة القول أن المباهلة ضرب من الاجتهاد في الدعاء يجعل اللعن على الكاذبين ، لكن المشركين أبوا أن يطوقوا أنفسهم بمغبة هذا الدعاء الخطير لما يعرفونه في أعماق أنفسهم وهو أن محمدا صلى الله عليه و سلم صادق ، وأنه يأتيه الوحي من السماء ، وأن ما جاء به من أنباء المسيح وأمه مريم غاية في اليقين وقطع الثبوت .

ولقد استيقن هؤلاء المشركون أن قبولهم بالمباهلة سيفضي بالضرورة إلى أن تحيق بهم نقمة الله فيبوءوا بالسخط والاصطلام ؛ من أجل ذلك أحجموا عن المباهلة . وتلك حجة ظاهرة تضاف إلى الدلائل الكاثرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .


[482]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 350 ومختار الصحاح ص 67 وتفسير الرازي جـ 8 ص 90.
[483]:-أسباب النزول للنيسابوري ص 67.