فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

{ حاجك } جادلك وخاصمك .

{ نبتهل } نتباهل ونسترسل في الدعاء على الكاذب .

{ فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } فمن جادلك في أمر عيسى عليه السلام بعد الذي أنزل عليك من الآيات الموجبة للعلم بأنه عبد الله ورسوله { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إذ حاجه وفد نصارى نجران {[1003]} وخاصموه في أمر المسيح أمره سبحانه أن يباهلهم ويلاعنهم ويدعوهم إلى أن يجمعوا أهلهم ويجمع هو صلوات الله عليه وسلامه أهله ثم يسترسل ويتضرع كلا الفريقين في الدعاء إلى الله جل علاه أن ينزل مقته ولعنته على الكاذب منهما . [ قوله { تعالوا } أي هلموا وأقبلوا وأصله الطلب لإقبال الذوات ، ويستعمل في الرأي إذا كان المخاطب حاضرا كما تقول لمن هو حاضر عندك تعال ننظر في هذا الأمر ، قوله { ندع أبناءنا } . . اكتفى بذكر البنين عن البنات إما لدخولهن في النساء أو لكونهن الذين يحضرون مواقف الخصام دونهن . . ، وقوله { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } عطف على نبتهل مبين لمعناه ]{[1004]} . ولما دعاهم الرسول صلوات الله عليه وسلامه إلى التباهل أحجموا إذ هم مستيقنون أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق وأنهم كاذبون ، روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث حذيفة أن العاقب والسيد أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه لا تلاعنه فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح أبدا نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال ( قم يا أبا عبيدة ) فلما قام قال

( هذا أمين هذه الأمة ) .


[1003]:مما روى ابن إسحق في سيرته: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى من نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب حبرات: جبب وأردية.. يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم؛.. قال فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: أبو حارثة بن علقمة والعاقب عبد المسيح وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم... يقولون: هو الله ويقولون هو ولد الله ويقولون هو ثالث ثلاثة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا..؛ فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " أسلما " قالا قال (إنكما لم تسلما فأسلما) قالا: بلى قال (كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير) قالا: فمن أبوك يا محمد؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة {آل عمران} إلى بضع وثمانين آية منها.. فلما آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك فقالوا يا أبا القاسم {دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ثم انصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا فإنكم عندنا رضا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين) 1هـ.
[1004]:ما بين العلامتين [] من فتح القدير.