تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

الموقوذة : التي ضُربت حتى ماتت .

المترديّة : التي سقطت من مكان عالٍ ، أو في بئر ، وماتت .

النطيحة : التي نطحها حيوانٌ آخر فقتلها .

مخمصمة : جوع . متجانِف : منحرف ، مائل .

يبين لنا هنا عشرة أنواع أكلُها محرَّم : لحم الميتة : وهي الحيوان الذي مات من غير ذبح شرعي . ولا يموت الحيوان إلا من مرض ، وهذا المرض يجعل لحمه مضرّاً ، والله تعالى لا يحب لنا الضرر . وكان العرب يأكلون لحم الميتة ويقولون : لِمَ تأكلون ما قتلتُم ولا تأكلون ما قتل الله ! ؟ .

الدم : وكان العرب يأكلونه .

لحم الخنزير .

ما أُهل لغير الله : ويعني ما ذُكر اسمُ غير الله عند ذبحه . كلّ حيوان مات خنقا .

الموقوذة : وهي التي ضُربت حتى ماتت . وما سقط من مكان عال فمات . وما نطحه آخر فمات . وكل حيوان افترسه السبع فمات . إلا ما أدركتموه قبل أن يموت ، فذبحتموه ، فهو حلال لكم بالذبح . وكل حيوان ذبح للنُصُب والأصنام .

ويحرم عليكم أن تستقسِموا بالأزلام ، وهي أعواد ثلاثة كان الجاهليّون يطلبون بواسطتها معرفة المغيبات . كان يُكتَب على أحدها «أمرني ربي » وعلى الثاني «نهاني ربّي » ويُترك الثالث دون كتابة . فكان من أراد سفَراً ، أو زواجاً أو غير ذلك يأتي سادنَ الكعبة ويقول له : استقسِم لي ، أي اعرِف لي ما قسم الله لي . فيُخرج السادن هذه الأعواد ويحرّكها في كيس أو جراب ثم يسحب واحداً . فإذا خَرج الذي عليه «أمرني ربي » أقدم الرجل على ما نوى ، وإذا خرج الذي عليه «نهاني ربي » امتنع عن العمل . وإن خرج الثالث واسمه الغُفْل ، أعاد السحبَ من جديد .

وهذا وما شابه من الخرافات والأوهام لا يركن إليها إلا ضعيف العقل والإيمان . وقد حرّمها الإسلام «ذلكم فِسْق » ، فهي خروج عن طاعة الله ، فامتنِعوا عنه .

{ اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ }

انقطع رجاؤهم في القضاء عليكم ، فلا تخافوا أن ينقلبوا عليكم واتّقوا مخالفة أوامري .

{ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . }

نزلت هذه الآية يوم الجمعة ، بعرفة ، في حجة الوداع ، «وأتممتُ عليكم نعمتي » بإعزازكم وتثبيت أقدامكم ، «واخترت لكم الإسلام دينا » .

روى الطبري في تفسيره أن النبي عليه السلام لم يعشْ بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة ، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، فكانت آخر ما نزل من القرآن .

ونعود الآن إلى عطف على آية التحريم ، لنجد ترخيصاً فيه منطق وتيسير . إنه يقول : لقد عددتُ المحرّمات ، لكن من ألجأته الضرورة إلى تناول شيء منها ففعَل ، لدفع الهلاك عن نفسه ، غير متعدٍّ ذلك الحد ، ولا منحرف عن أوامر الله فلا إثم عليه أن يأكل . إن الله يغفر له ، فالضرورات تبيح المحذورات .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

{ حرمت عليكم الميتة } سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة إلى قوله { والمنخنقة } وهي التي تختنق فتموت بأي وجه كان { والموقوذة } المقتولة ضربا { والمتردية } التي تقع من أعلى إلى أسفل فتموت { والنطيحة } التي قتلت نطحا { وما أكل } منه { السبع } فالباقي منه حرام ثم استثنى ما يدرك ذكاته من جميع هذه المحرمات فقال { إلا ما ذكيتم } أي إلا ما ذبحتم { وما ذبح على النصب } أي على اسم الأصنام فهو حرام { وأن تستقسموا بالأزلام } تطلبوا على ما قسم لكم من الخير والشر من الأزلام القداح التي كان أهل الجاهلية يجيلونها إذا أرادوا أمرا { ذلكم } أي الاستقسام من الأزلام { فسق } خروج عن الحلال إلى الحرام { اليوم } يعنى يوم عرفة عام حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح { يئس الذين كفروا } أن ترتدوا راجعين إلى دينهم { فلا تخشوهم } في مظاهرة محمد واتباع دينه { واخشون } في عبادة الأوثان { اليوم } يعني يوم عرفة { أكملت لكم دينكم } أحكام دينكم فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام { وأتممت عليكم نعمتي } يعني بدخول مكة آمنين كما وعدتكم { فمن اضطر } إلى ما حرم مما ذكر في هذه الآية { في مخمصة } مجاعة { غير متجانف لإثم } غير متعرض لمعصية وهو أن يأكل فوق الشبع أو يكون عاصيا بسفره { فإن الله غفور } له ما أكل مما حرم عليه { رحيم } بأوليائه حيث رخص لهم

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (3)

{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } تقدم الكلام عليها في البقرة { والمنخنقة } هي التي تخنق بحبل وشبهه .

{ والموقوذة } هي المضروبة بعصا أو حجر وشبهه .

{ والمتردية } هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك ، { والنطيحة } هي التي نطحتها بهيمة أخرى .

{ وما أكل السبع } أي : أكل بعضه ، والسبع كل حيوان مفترس : كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر .

{ إلا ما ذكيتم } قيل : إنه استثناء منقطع ، وذلك إذا أريد بالمنخنقة وأخواتها : ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل السبع والمعنى حرمت عليكم هذه الأشياء ، لكن ما ذكيتم من غيرها ، فهو حلال ، وهذا قول ضعيف لأنها إن ماتت بهذه الأسباب ، فهي ميتة فقد دخلت في عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها . وقيل : إنه استثناء متصل ، وذلك إن أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته ، والمعنى على هذا : إلى ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء فهو حلال ، ثم اختلف أهل هذا القول هل يشترط أن تكون لم تنفذ مقاتلها أم لا ، وأما إذا لم تشرف على الموت من هذه الأسباب ، فذكاتها جائزة باتفاق .

{ وما ذبح على النصب } عطف على المحرمات المذكورة ، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية يعظمونها ويذبحون عليها ، وليست بالأصنام لأن الأصنام مصورة والنصب غير مصورة وهي الأنصاب ، والمفرد نصاب ، وقد قيل : إن النصب بضمتين مفرد ، وجمعه أنصاب .

{ وأن تستقسموا بالأزلام } عطف على المحرمات أيضا ، والاستقسام . هو طلب ما قسم له ، والأزلام هي السهام ، واحدها زلم بضم الزاي وفتحها ، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها أفعل ، وعلى الآخر لا تفعل ، والثالث مهمل ، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرا جعلها في خريطة ، وأدخل يده وأخرج أحدها ، فإن خرج له الذي فيه افعل : فعل ما أراد ، وإن خرج له الذي فيه لا تفعل تركه ، وإن خرج المهمل أعاد الضرب .

{ ذلكم فسق } الإشارة إلى تناول المحرمات المذكورة كلها ، أو إلى الاستقسام بالأزلام ، وإنما حرمه الله وجعله فسقا : لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله به فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطلاع على الغيوب .

{ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } أي : يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه ، ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع ، فذلك هو اليوم المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين ، ويحتمل أن يكون الزمان الحاضر لا اليوم بعينه .

{ اليوم أكملت لكم دينكم } هذا الإكمال يحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام .

{ فمن اضطر } راجع إلى المحرمات المذكورة قبل هذا ، أباحها الله عند الاضطرار .

{ في مخمصة } في مجاعة .

{ غير متجانف لإثم } هذا بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم في البقرة { فإن الله غفور رحيم } قام مقام فلا جناح عليه ، وتضمن زيادة الوعد .