قوله تعالى : " واتل عليهم نبأ نوح " أمره عليه السلام أن يذكرهم أقاصيص المتقدمين ، ويخوفهم العذاب الأليم على كفرهم . وحذفت الواو من " اتل " لأنه أمر ، أي اقرأ عليهم خبر نوح . " إذ قال لقومه " " إذ " في موضع نصب . " يا قوم إن كان كبر عليكم " أي عظم وثقل عليكم . " مقامي " المقام ( بفتح الميم ) : الموضع الذي يقوم فيه . والمقام ( بالضم ) الإقامة . ولم يقرأ به فيما علمت ، أي إن طال عليكم لبثي فيكم . " وتذكيري " إياكم ، وتخويفي لكم . " بآيات الله " وعزمتم على قتلي وطردي . " فعلى الله توكلت " أي اعتمدت . وهذا هو جواب الشرط ، ولم يزل عليه السلام متوكلا على الله في كل حال ، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم ، أي إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني .
قوله تعالى : " فأجمعوا أمركم وشركاءكم " قراءة العامة{[8544]} " فأجمعوا " بقطع الألف " شركاءكم " بالنصب . وقرأ عاصم الجحدري " فاجمعوا " بوصل الألف وفتح الميم ، من جمع يجمع . " شركاءكم " بالنصب . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ويعقوب " فأجمعوا " بقطع الألف " شركاؤكم " بالرفع . فأما القراءة الأولى من أجمع على الشيء إذا عزم عليه . وقال الفراء : أجمع الشيء أعده . وقال المؤرج : أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه . وأنشد :
يا ليت شعري والمُنَى لا تنفَعُ *** هل أَغْدُوَنْ يومًا وأمري مُجْمَعُ
قال النحاس : وفي نصب الشركاء على هذه القراءة ثلاثة أوجه ، قال الكسائي والفراء : هو بمعنى وادعوا شركاءكم لنصرتكم ، وهو منصوب عندهما على إضمار هذا الفعل . وقال محمد بن يزيد : هو معطوف على المعنى ، كما قال :
يا ليت زوجك في الوغى*** متقلدا سيفا ورمحا
والرمح لا يتقلد ، إلا أنه محمول كالسيف . وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى مع شركائكم على تناصركم ، كما يقال : التقى الماء والخشبة . والقراءة الثانية من الجمع ، اعتبارا بقوله تعالى : " فجمع كيده ثم أتى{[8545]} " [ طه : 60 ] . قال أبو معاذ : ويجوز أن يكون جمع وأجمع بمعنى واحد ، " وشركاءكم " على هذه القراءة عطف على " أمركم " ، أو على معنى فأجمعوا أمركم وأجمعوا شركاءكم ، وإن شئت بمعنى مع ، قال أبو جعفر النحاس : وسمعت أبا إسحاق يجيز قام زيد وعمرا . والقراءة الثالثة على أن يعطف الشركاء على المضمر المرفوع في أجمعوا ، وحسن ذلك لأن الكلام قد طال . قال النحاس وغيره : وهذه القراءة تبعد ؛ لأنه لو كان مرفوعا لوجب أن تكتب بالواو ، ولم ير في المصاحف واو في قوله " وشركاءكم " ، وأيضا فإن شركاءهم الأصنام ، والأصنام لا تصنع شيئا ولا فعل لها حتى تجمع . قال المهدوي : ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء والخير محذوف ، أي وشركاءكم ليجمعوا أمرهم ، ونسب ذلك إلى الشركاء وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تميز على جهة التوبيخ لمن عبدها .
قوله تعالى : " ثم لا يكن أمركم عليكم غمة " اسم يكن وخبرها . وغمة وغم سواء ، ومعناه التغطية ، من قولهم : غم الهلال إذا استتر ، أي ليكن أمركم ظاهرا منكشفا تتمكنون فيه مما شئتم ، لا كمن يخفى أمره فلا يقدر على ما يريد . قال طرفة :
لعمرك ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ *** نهاري ولا ليلي عليَّ بِسَرْمَدِ
الزجاج : غمة ذا غم ، والغم والغمة كالكرب والكربة . وقيل : إن الغمة ضيق الأمر الذي يوجب الغم فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا لينفرج عنه ما يغمه . وفي الصحاح : والغمة الكربة . قال العجاج :
بل لو شهدت الناس إذ تُكُمُّوا{[8546]} *** بِغُمَّة لو لم تُفَرَّج غُمُّوا
يقال : أمر غمة ، أي مبهم ملتبس ، قال تعالى : " ثم لا يكن أمركم عليكم غمة " . قال أبو عبيدة : مجازها ظلمة وضيق . والغمة أيضا : قعر النحي{[8547]} وغيره . قال غيره : وأصل هذا كله مشتق من الغمامة .
قوله تعالى : " ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " ألف " اقضوا " ألف وصل ، من قضى يقضي . قال الأخفش والكسائي : وهو مثل : " وقضينا إليه ذلك الأمر{[8548]} " [ الحجر : 66 ] أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه . وروي عن ابن عباس " ثم اقضوا إلي ولا تنظرون " قال : امضوا إلي ولا تؤخرون . قال النحاس : هذا قول صحيح في اللغة ، ومنه : قضى الميت أي مضى . وأعلمهم بهذا أنهم لا يصلون إليه ، وهذا من دلائل النبوات . وحكى الفراء عن بعض القراء " ثم أفضوا إلي " بالفاء وقطع الألف ، أي توجهوا ، يقال : أفضت الخلافة إلى فلان ، وأفضى إلي الوجع . وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح عليه السلام أنه كان بنصر الله واثقا ، ومن كيدهم غير خائف ، علما منه بأنهم وآلهتهم لا ينفعون ولا يضرون . وهو تعزية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتقوية لقلبه .
قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظروا } .
أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقصص القصص على قومه المشركين فيذكرهم بما حل بقوم نوح من إهلاكهم بالغرق ليكون في ذلك ما يزجرهم ويخوفهم ويردعهم عن التلبس بالشرك وعبادة الأوثان . وهو قوله : { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال قومه يا قوم عن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي إن كان قد ثقل عليكم مقامي وهو مكثي وإقامتي بين أظهركم { وتذكيري بآيات الله } أي شق وكبر عليكم وعظي وما أذكركم به من البراهين والدلائل { فعلى الله توكلت } أي فإني لا أعبأ ولا أبالي بكيدكم وصدكم ؛ لأني قد توكلت على الله ، وفوضت أمري إليه ، واعتمدت في شأني كله عليه { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم من الأوثان والآلهة المزيفة الموهومة ، وأعدوا أمركم واعزموا على ما أنتم مقدمون عليه من الكيد لي والمكر بي والنيل مني . وإنما قال ذلك لقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده ربه من الكلاءة والعصمة ، وأنهم لن ينفروا إليه ولن يجدوا إليه سبيلا .
قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } الغمة من الاغتمام . وهو التغطية والاستتار ، والمعنى : لا يكن أمركم عليكم ملتبسا مبهما . أو لا يكن قصدكن إلى إهلاكي مستورا بل مكشوفا تجاهرونني به .
قوله : { ثم اقضوا إلى ولا تنظرون } أي أمضوا إلى ما تحدثكم به أنفسكم من كيدي والإيقاع بي . أو قضوا إلي ما كنتم قاضين ثم لا تؤخرون ولا تمهلون بل عجلوا أمركم واصنعوا بي ما بدا لكم . وفي هذا تعزية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتقوية من الله لقلبه كيلا يعبأ بكيد المشركين وأذاهم ؛ فالله معه لا يذره وحيدا ولا يسلمه للمتربصين والماكرين{[2014]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.