قوله تعالى : " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور " اختلف في التنور على أقوال سبعة : الأول : أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ، قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ، وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك . الثاني : أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ، وكان تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح ، فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ، فقال : جاء وعد ربي حقا . هذا قول الحسن ، وقال مجاهد وعطية عن ابن عباس . الثالث : أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ، عن الحسن أيضا .
الرابع : أنه طلوع الفجر ، ونور الصبح ، من قولهم : نور الفجر تنويرا ، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه . الخامس : أنه مسجد الكوفة ، قاله علي بن أبي طالب أيضا ، وقاله مجاهد . قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . وقال : اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة ، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي كندة . وكان فوران الماء منه عَلَما لنوح ، ودليلا على هلاك قومه . قال الشاعر وهو أمية :
فار تَنُّورُهم وجاش بماء*** صار فوق الجبال حتى علاها
السادس : أنه أعالي الأرض ، والمواضع المرتفعة منها ، قاله قتادة . السابع : أنه العين التي بالجزيرة " عين الوردة " رواه عكرمة . وقال مقاتل : كان ذلك تنور آدم ، وإنما كان بالشام بموضع يقال له : " عين وردة " وقال ابن عباس أيضا : ( فار تنور آدم بالهند ) . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ؛ لأن الله عز وجل أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض ، قال : " ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا{[8685]} " [ القمر :11 - 12 ] . فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة . والفوران الغليان . والتنور اسم أعجمي عربته العرب ، وهو على بناء فَعَّل ؛ لأن أصل بنائه تَنَّر ، وليس في كلام العرب نون قبل راء{[8686]} . وقيل : معنى " فار التنور " التمثيل لحضور العذاب ، كقولهم : حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب . والوطيس التنور . ويقال : فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم ، قال شاعرهم :
تركتم قدرَكم لا شيء فيها*** وقدرُ القومِ حاميةٌ تفورُ
قوله تعالى : " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين " يعني ذكرا وأنثى ، لبقاء أصل النسل بعد الطوفان . وقرأ حفص " من كل زوجين اثنين " بتنوين " كل " أي من كل شيء زوجين . والقراءتان ترجعان إلى معنى واحد : شيء{[8687]} معه آخر لا يستغني عنه . ويقال للاثنين : هما زوجان ، في كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه ، فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا يقال : له زوجا نعل إذا كان له نعلان . وكذلك عنده زوجا حمام ، وعليه زوجا قيود ، قال الله تعالى : " وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى{[8688]} " . [ النجم : 45 ] . ويقال للمرأة هي زوج الرجل ، وللرجل هو زوجها . وقد يقال للاثنين هما زوج ، وقد يكون الزوجان بمعنى الضربين ، والصنفين ، وكل ضرب يدعى زوجا ؛ قال الله تعالى : " وأنبتت من كل زوج بهيج{[8689]} " [ الحج : 5 ] أي من كل لون وصنف . وقال الأعشى :
وكل زوجٍ من الديباج يلبَسه*** أبو قدامة محبوٌّ بذاك مَعَا
أراد كل ضرب ولون . و " ومن كل زوجين " في موضع نصب ب " احمل " . " اثنين " تأكيد . " وأهلك " أي وأحمل أهلك . " إلا من " " من " في موضع نصب بالاستثناء . " عليه القول " منهم أي بالهلاك ، وهو ابنه كنعان وامرأته واعلَة كانا كافرين . " ومن آمن " قال الضحاك وابن جريج : أي احمل من آمن بي ، أي من صدقك ، ف " من " في موضع نصب ب " احمل " . " وما آمن معه إلا قليل " قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( آمن من قومه ثمانون إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه ، سام وحام ويافث ، وثلاث كنائن له{[8690]} . ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية وهي اليوم تدعى قرية الثمانين بناحية الموصل ) . وورد في الخبر أنه كان في السفينة ثمانية أنفس ، نوح وزوجته غير التي عوقبت ، وبنوه الثلاثة وزوجاتهم ؛ وهو قول قتادة والحكم بن عتيبة وابن جريج ومحمد بن كعب ، فأصاب حام امرأته في السفينة ، فدعا نوح الله أن يغير نطفته فجاء بالسودان . قال عطاء : ودعا نوح على حام ألا يعدو شعر أولاده آذانهم ، وأنهم حيثما كان ولده يكونون عبيدا لولد سام ويافث . وقال الأعمش : كانوا سبعة : نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين ، وأسقط امرأة نوح . وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم ، نوح وبنوه سام وحام ويافث ، وستة أناس ممن كان آمن به ، وأزواجهم جميعا . و " قليل " رفع بآمن ، ولا يجوز نصبه على الاستثناء ؛ لأن الكلام قبله لم يتم ، إلا أن الفائدة في دخول " إلا " و " ما " لأنك لو قلت : آمن معه فلان وفلان جاز أن يكون غيرهم قد أمن ، فإذا جئت بما وإلا ، أوجبت لما بعد إلا ونفيت عن غيرهم .
قوله تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل } { حتى } ، للغاية التي يبدأ بعدها الكلام . يعني : فكان يصنع الفلك إلى أن جاء الوعد بالتغريق{[2090]} ؛ أي حتى إذا جاء وعد الله بالعذاب { وفار التنور } وقد اختلفوا في تأويل التنور على عدة أقوال منها : أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنورا . وهو قول علي كرم الله وجهه{[2091]} .
ومنها : أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة منها .
ومنها : أنه تنور الخبز ؛ فقد صارت الأرض عيونا تتدفق منها المياه حتى صارت التنانير التي هي مكان النار تفور ماء . وذلك لفظاعة الطوفان الدافق الجارف الذي أتى على الحياة والأحياء جميعا فلم يستبق غير الذين على ظهر السفينة ؛ لقد أتى الماء على كل شيء وأغرق كل مكان حتى التنانير التي تتأرجج فيها النار وتضطرم فارت ماء .
قوله : { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك } { اثنين } في محل نصب مفعول للفعل { احمل } ، و { أهلك } معطوف عليه{[2092]} .
والزوج كل واحد معه أخر من جنسه ؛ فالسماء زوج ، والأرض زوج ، والشتاء زوج ، والصيف زوج ، والنهار زوج ، والليل زوج ، ونقول للمرأة هي زوج ، وهو زوجها . لقوله تعالى : { وخلق منها زوجها } يعني المرأة . وقوله : { وانه خلق الزوجين الذكر والأنثى } فثبت بذلك أن الواحد قد يقال له : زوج . ويقال للاثنين أيضا : هما زوجان وهما زوج . وقد يكون معنى الزوجين الضربين أو الصنفين . وكل ضرب يسمى زوجا .
والمراد هنا : أن يحمل معه في السفينة { من كل زوجين } ذكرا وأنثى . قال الرازي في ذلك : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى . والتقدير : كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين . واحد ذكر والآخر أنثى . وذلك لكي يبقى أصل الأنواع بعد الطوفان .
قوله : { وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن } { وأهلك } ، معطوف على { اثنين } . و { من سبق } ، في موضع نصب مستثنى من { وأهلك } {[2093]} أي واحمل في السفينة أهلك { إلا من سبق عليه القول } يعني إلا من سبق فيه علم الله أنه يختار الكفر بإرادة الله وتقديره فيكون من الهالكين .
قوله : { ومن آمن } معطوف على { أهلك } . أي واحمل في السفينة من آمن من قومك .
قوله : { وما آمن معه إلا قليل } وقد اختلفوا في عدتهم فقيل : كانوا سبعة ، وقيل : كانوا عشرة ، وقيل : كانوا اثنين وسبعين . وقيل : كانوا ثمانين إنسانا ، منهم ثلاثة من بنيه وهم سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم . وقيل غير ذلك{[2094]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.