الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ} (33)

قوله تعالى : " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " ليس هذا القيام القيام الذي هو ضد القعود ، بل هو بمعنى التولي لأمور الخلق ، كما يقال : قام فلان بشغل كذا ، فإنه قائم على كل نفس بما كسبت أي يقدرها على الكسب ، ويخلقها ويرزقها ويحفظها ويجازيها على عملها ؛ فالمعنى : أنه حافظ لا يغفل ، والجواب محذوف ، والمعنى : أفمن هو حافظ لا يغفل كمن يغفل . وقيل : " أفمن هو قائم " أي عالم ، قاله الأعمش . قال الشاعر :

فلولا رجالٌ من قريشٍ أعزَّةً *** سرقتُم ثيابَ البيت واللهُ قائمُ

أي عالم ، فالله عالم بكسب كل نفس . وقيل : المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم ، عن الضحاك . " وجعلوا " حال ، أي أوقد جعلوا ، أو عطف على " استهزئ " أي استهزؤوا وجعلوا ، أي سموا " لله شركاء " يعني أصناما جعلوها آلهة . " قل سموهم " أي قل لهم يا محمد : " سموهم " أي بينوا أسماءهم ، على جهة التهديد ، أي إنما يسمون : اللات والعزى ومناة وهبل . " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " " أم " استفهام توبيخ ، أي أتنبئونه ، وهو على التحقيق عطف على استفهام متقدم في المعنى ؛ لأن قوله : " سموهم " معناه : ألهم أسماء الخالقين . " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " ؟ . وقيل : المعنى قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه . " أم بظاهر من القول " يعلمه ؟ فإن قالوا : بباطن لا يعلمه أحالوا ، وإن قالوا : بظاهر يعلمه فقل لهم : سموهم ، فإذا سموهم اللات والعزى فقل لهم : إن الله لا يعلم لنفسه شريكا . وقيل : " أم تنبئونه " عطف على قوله : " أفمن هو قائم " أي أفمن هو قائم ، أم تنبئون الله بما لا يعلم ، أي أنتم تدعون لله شريكا ، والله لا يعلم لنفسه شريكا ، أفتنبئونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه ! وإنما خص الأرض بنفي الشريك عنها وإن لم يكن له شريك في غير الأرض لأنهم ادعوا له شركاء في الأرض . ومعنى . " أم بظاهر من القول " : الذي أنزل الله على أنبيائه . وقال قتادة : معناه بباطل من القول ، ومنه قول الشاعر :

أَعَيَّرْتَنَا ألبانَها ولحومَها *** وذلك عارٌ يا ابن رَيْطَةَ ظَاهِرُ

أي باطل . وقال الضحاك : بكذب من القول . ويحتمل خامسا{[9405]} - أن يكون الظاهر من القول حجة يظهرونها بقولهم ، ويكون معنى الكلام : أتجبرونه بذلك مشاهدين ، أم تقولون محتجين . " بل زين للذين كفروا مكرهم " أي دع هذا ! بل زين للذين كفروا مكرهم قيل : استدراك . على هذا الوجه ، أي ليس لله شريك ، لكن زين للذين كفروا مكرهم . وقرأ ابن عباس ومجاهد - " بل زين للذين كفروا مكرهم " مسمى الفاعل ، وعلى قراءة الجماعة فالذي زين للكافرين مكرهم الله تعالى ، وقيل : الشيطان . ويجوز أن يسمى الكفر مكرا ؛ لأن مكرهم بالرسول كان كفرا . " وصدوا عن السبيل " أي صدهم الله ، وهي قراءة حمزة والكسائي . الباقون بالفتح ، أي صدوا غيرهم ، واختاره أبو حاتم ، اعتبارا بقوله : " ويصدون عن سبيل الله " {[9406]} [ الأنفال : 47 ] وقوله : " هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام{[9407]} " [ الفتح : 25 ] . وقراءة الضم أيضا حسنة في " زين " و " صدوا " لأنه معلوم أن الله فاعل ، ذلك في مذهب أهل السنة ، ففيه إثبات القدر ، وهو اختيار أبي عبيد . وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة - " وصِدوا " بكسر الصاد ، وكذلك . " هذه بضاعتنا ردت إلينا " {[9408]} [ يوسف : 65 ] بكسر الراء أيضا على ما لم يسم فاعله ، وأصلها صدِدوا ورِددت ، فلما أدغمت الدال الأولى في الثانية نقلت حركتها على ما قبلها فانكسر . " ومن يضلل الله " بخذلانه . " فما له من هاد " أي موفق ، وفي هذا إثبات قراءة الكوفيين ومن تابعهم ، لقوله : " ، ومن يضلل الله " فكذلك قوله : " وصدوا " . ومعظم القراء يقفون على الدال من غير الياء ، وكذلك " وال " و " واق " ؛ لأنك تقول في الرجل : هذا قاض ووال وهاد ، فتحذف الياء لسكونها والتقائها مع التنوين . وقرئ " فما له من هادي " و " والي " و " واقي " بالياء ، وهو على لغة من يقول : هذا داعي وواقي بالياء ؛ لأن حذف الياء في حالة الوصل لالتقائها مع التنوين ، وقد أمنا هذا في الوقف ، فردت الياء فصار هادي ووالي وواقي . وقال الخليل في نداء قاض : يا قاضي بإثبات الياء ؛ إذ لا تنوين مع النداء ، كما لا تنوين في نحو الداعي والمتعالي .


[9405]:كذا في الأصول. ويبدو أن في العبارة نقصا. ولعل الرابع ما في البحر: وقيل: ..أم متصلة والتقدير أم تنبؤونه بظاهر من القول لا حقيقة له.
[9406]:راجع ج 8 ص 25.
[9407]:راجع ج 16 ص 283.
[9408]:راجع ص 223 من هذا الجزء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ} (33)

قوله تعالى : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، على سبيل الاحتجاج على المشركين الضالين والإزراء عليهم والتسفيه لأحلامهم . وهو قوله : { أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } القائم هنا بمعنى المتولي والمدبر . فيكون معنى الآية : أفمن هو عالم بأحوال العباد وما يكسبونه من الأعمال وهو رقيب على قلوبهم وسلوكهم فلا يعزب عن عمله شيء ؟ والجواب محذوف وتقديره : كمن هو هالك بائد لا يحفظ ولا يعلم ولا ينفع .

قوله : { وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء } الجملة حالية . والشركاء ، الأصنام ، والتقدير : والحال أنهم جعلوا له شركاء ؛ فالله هو القائم بأرزاق هؤلاء المشركون ، المدبر أمورهم ، الرقيب على أفعالهم وقلوبهم وما يضمرون ، وقد جعلوا له شركاء مما خلق من الحجارة والأوثان .

قوله : { قُلْ سَمُّوهُمْ } يأمرهم بذكر أسماء أصنامهم التي يعبدونها وذلك على سبيل التهديد ، أو على سبيل التحقير والازدراء ؛ أي سموا هؤلاء الذين أشركتموهم في العبادة .

قوله : { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ } { أم } ، المنقطعة ، بمعنى بل وهمزة الاستفهام . أي بل أتنبئون الله بشركاء له في الأرض لا يعلمهم ، وهو العليم بما في السموات والأرض ؟ { أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ } بل أتسمونهم شركاء لله بباطل من القول وكذب ، أو تسمونهم شركاء بظاهر من القول المسموع وهو في الحقيقة باطل لا صحة له .

قوله : { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } أي ليس ما يفتريه المشركون من اصطناع الأوثان إلا الكذب والظلم والباطل ؛ فإنه ليس لله شريك البتة . بل زين لهؤلاء الضالين { مكرهم } وهو كفرهم وإشراكهم ؛ فقد زين لهم الشيطان ذلك . سواء في ذلك شيطان الجن أو البشر ؛ فكلهم شياطين يزينون للناس الكفر ويحسنون لأذهانهم ونفوسهم فعل المنكرات والمعاصي ، وينفرونهم من عقيدة التوحيد وعبادة الله وطاعته والإذعان أوامره أشد تنفير .

قوله : { وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ } صدوا بضم الصاد ، على البناء للمفعول ؛ أي صدهم الله لفساد قلوبهم وسوء فطرتهم التي تنفر من الحق نفورا . تلك في الفطرة السقيمة التي لا تستجيب لنداء الرحمن ولا تتملى دعوة الحق والنور . أو صدهم الشيطان بمختلف أساليبه ووسائله وأسبابه . وتقرأ بالفتح على البناء للمعلوم ؛ أي أن المشركين الضالين المضلين قد صدوا الناس عن دين الله وحالوا بينهم وبين عقيدة التوحيد ومنهج الله بأساليب شتى من الإغراء والإغواء والتضليل ، أو الترهيب والإكراه والقسر .

قوله : { وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يعني من أضله الله عن إصابة الحق بخذلانه إياه ؛ فليس من أحد بعده يهديه لإصابة الحق . قال الزمخشري في تأويل ذلك : من يخذله الله لعلمه أنه لا يهتدي فماله من احد يقدر على هدايته{[2356]} .


[2356]:الكشاف جـ 2 ص 362 وتفسير النسفي جـ 2 ص 251 وفتح القدير جـ 3 ص 85.