الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا} (115)

قوله تعالى : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " قرأ الأعمش باختلاف عنه " فنسي " بإسكان الياء وله معنيان أحدهما : ترك ، أي ترك الأمر والعهد ، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه " نسوا الله فنسيهم " {[11184]} . [ التوبة 67 ] . و[ وثانيهما ]{[11185]} قال ابن عباس " نسي " هنا من السهو والنسيان ، وإنما أخذ الإنسان منه لأنه عهد إليه فنسي . قال ابن زيد : نسي ما عهد الله إليه في ذلك ، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس . وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان ، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا . ومعنى " من قبل " أي من قبل أن يأكل من الشجرة ؛ لأنه نهي عنها . والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم ، أي إن نقض هؤلاء العهد فان آدم أيضا عهدنا إليه فنسي ، حكاه القشيري وكذلك الطبري . أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ، ويخالفوا رسلي ، ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم . قال ابن عطية : وهذا التأويل ضعيف ، وذلك كون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل ، ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم ، وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله ، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن ، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ؛ ليكون أشد في التحذير ، وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، والعهد ها هنا معنى الوصية ، " ونسي " معناه ترك ، ونسيان الذهول لا يمكن هنا ؛ لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب . والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان ، وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده . والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة ، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له . واختلف في معنى قوله : " ولم نجد له عزما " فقال ابن عباس وقتادة : لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة ، ومواظبة على التزام الأمر . قال النحاس وكذلك هو في اللغة ، يقال : لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها ، ومنه " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل{[11186]} " [ الأحقاف : 35 ] . وعن ابن عباس أيضا وعطية العوفي : حفظا لما أمر به ، أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسي وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال ، وذلك أن إبليس قال له : أي إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة ، فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل ، وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا ، ولا يكون ناسيا للشيء من يعلم أنه معصية . وقال ابن زيد : " عزما " محافظة على أمر الله . وقال الضحاك : عزيمة أمر . ابن كيسان : إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب . قال القشيري : والأول أقرب إلى تأويل الكلام ، ولهذا قال قومك آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل ؛ لأن الله تعالى قال : " ولم نجد له عزما " . وقال المعظم : كان الرسل أولو العزم ، وفي الخبر " ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا " فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولي العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيى . وقد قال أبو أمامة : إن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة ، ووضعت في كفة ميزان ، ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم ، وقد قال الله تبارك وتعالى : " ولم نجد له عزما "


[11184]:راجع جـ 18 ص 63.
[11185]:زيادة يقتضيها السياق.
[11186]:راجع جـ ص 291 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا} (115)

وقوله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ( 115 ) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ( 116 ) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ( 117 ) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ( 118 ) وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى ( 119 ) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ( 120 ) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ( 121 ) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ( 122 ) } أوحى الله إلى آدم من قبل وجود ذريته ، أو من قبل أن يأكل من الشجرة لكنه خالف أمره إلى ما نهى عنه . والذي عهد إلى آدم هو أن لا يأكل من الشجرة ( فنسي ) أي نسي العهد أو الأمر ؛ إذ تركه . وقيل : إنما سمي الإنسان ؛ لأنه عهد إليه فنسي وهو قول ابن عباس .

قوله : ( ولم نجد له عزما ) العزم معناه التصميم والتصلب ، والمراد : لم نجد له عزما على التحفظ والاحتراز عن الغفلة . على أن هذه الآية ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله . وقيل : وجه تعلقه بما قبله : أنه لما عُهد إلى محمد رسول الله ( ص ) ألا يعجل بالقرآن فقد مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي وهو آدم .