الأولى : قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم " هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود . واختلفوا في المعنى الذي زكوا به أنفسهم ، فقال قتادة والحسن : ذلك قولهم : " نحن أبناء الله وأحباؤه " ، وقولهم : " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " وقال الضحاك والسدي : قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهارا غفر لنا ليلا وما فعلناه ليلا غفر لنا نهارا ، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب . وقال مجاهد وأبو مالك وعكرمة : تقديمهم الصغار للصلاة ؛ لأنهم لا ذنوب عليهم . وهذا يبعد من مقصد الآية . وقال ابن عباس : ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا . وقال عبدالله بن مسعود : ذلك ثناء بعضهم على بعض . وهذا أحسن ما قيل ، فإنه الظاهر من معنى الآية ، والتزكية : التطهير والتبرية{[4550]} من الذنوب .
الثانية : هذه الآية وقوله تعالى : " فلا تزكوا أنفسكم{[4551]} " [ النجم : 32 ] يقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه ، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله وزكاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له . وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سميت ابنتي برة ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم ، وسميت برة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ) فقالوا : بم نسميها ؟ فقال : ( سموها زينب ) . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية ، كزكي الدين ومحي الدين وما أشبه ذلك ، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها{[4552]} فصارت لا تفيد شيئا .
الثالثة : فأما تزكية الغير ومدحه له ، ففي البخاري من حديث أبي بكرة أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا يزكي على الله أحدا ) فنهى صلى الله عليه وسلم أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكبر ، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( ويحك قطعت عنق صاحبك ) . وفي الحديث الآخر ( قطعتم ظهر الرجل ) حين وصفوه بما ليس فيه . وعلى هذا تأول العلماء قوله صلى الله عليه وسلم : ( احثوا التراب في وجوه المداحين ) إن المراد به المداحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم ، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه ، فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحسن والأمر المحمود ليكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمداح ، وإن كان قد صار مادحا بما تكلم به من جميل القول فيه . وهذا راجع إلى النيات " والله يعلم المفسد من المصلح " . وقد مدح في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجوه المداحين التراب ، ولا أمر بذلك . كقول أبي طالب :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمالُ اليتامى عصمة للأرامل
وكمدح العباس وحسان له في شعرهما ، ومدحه كعب بن زهير ، ومدح هو أيضا أصحابه فقال : ( إنكم لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ) . وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم وقولوا : عبدالله ورسوله ) فمعناه لا تصفوني بما ليس في من الصفات تلتمسون بذلك مدحي ، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه ، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلوا . وهذا يقتضي أن من رفع أمرا فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعتد آثم ؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى : " ولا يظلمون فتيلا " الضمير في " يظلمون " عائد على المذكورين ممن زكى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل . وغير هذين الصنفين علم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية . والفتيل الخيط الذي في شق نواة التمرة ، قال ابن عباس وعطاء ومجاهد . وقيل : القشرة التي حول النواة بينها وبين البسرة . وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك والسدي : هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما ؛ فهو فعيل بمعنى مفعول . وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره ، وأن الله لا يظلمه شيئا . ومثل هذا في التحقير قوله تعالى : " ولا يظلمون نقيرا{[4553]} " [ النساء : 124 ] وهو النكتة التي في ظهر النواة ، ومنه تنبت النخلة ، وسيأتي . قال الشاعر يذم بعض الملوك :
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا ) . المراد من ذلك اليهود فهم الذين كانوا يزكون أنفسهم . لكن نوع التزكية لأنفسهم كان موضع خلاف المفسرين . فقد قيل أنهم زكّوا أنفسهم بقولهم : ( نحن أبناء الله وأحباؤه ) وقيل بقولهم : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) وقيل : قولهم نحن كالأطفال في عدم الذنوب . فما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل . وما من ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار . فهذا الذي زكوا به أنفسهم . وأحسن ما قيل في ذلك هو ثناء بعضهم على بعض فيكيلون لأنفسهم أو لبعضهم بعضا أفرادا وجماعات كل معاني الإطراء والثناء{[772]} .
والتزكية هي التطهير . ويتم ذلك بامتداح النفس أو الغير بما ينفي عنه النقائص والعيوب والذنوب{[773]} .
ومع أن الآية نزلت في اليهود لتبرأتهم أنفسهم من العيوب ولتظاهرهم بالإخلاص والقرب من الله وأنهم متميزون عن غيرهم بمحبة الله لهم وأن ذنوبهم مغفورة- فإنه مع ذلك كله تفيد الآية النهي عن تزكية الإنسان نفسه . وقد جاء في ذلك قوله سبحانه : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) ولا يزكي أحد نفسه إلا من كان من أهل الرعونة والخيلاء وذلك خلق ذميم يجلب سخط الله ويبطل الأعمال لتكون هباء منثورا .
ومن جهة أخرى فإن الآية توجب ألا يمدح أحد غيره . فإن كان ذلك حال غياب الممدوح محظورا فلا جرم أنه حال شهوده أشد سوءا ونكرا وفي صحيح مسلم عن المقداد قال ( ص ) : " أن أحثوا في وجوه المدّاحين التراب " وفي الصحيحين عن عبد الرحمان بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ( ص ) سمع رجلا يثني على رجل فقال : " ويحك قطعت عنق صاحبك " ثم قال : " إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا " . وأخرج الإمام أحمد عن معاوية أن النبي ( ص ) كان يقول : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإن هذا المال حلو خضر ، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه ، وإياكم والتمادح فإنه الذبح " . ولعل من الأنسب أن يتكيف الحكم بحسب الممدوح على أن تكون التزكية قائمة على الحق والصدق . أما إن كانت التزكية لا أساس لها من الحق والصدق فذلك حرام ومحظور . وعلى هذا فإن امتداح المرء بما فيه من حميد الخصال جائز ان كان الممدوح متين العزيمة والإيمان لا يزيده الثناء والإطراء إلا حبا في الخير وفعله . فهو إذا أطري بما هو أهله ازداد بذلا وعطاء وكان في ذلك ما يشجّع الآخرين على فعل الخير ويحرّضهم على الأفعال النافعة السديدة والإكثار من بذل الخير . لا جرم أن ذلك مرده إلى النوايا . فإن قصد إطراءه بما هو أهله تحريضا له على الإكثار من البر جاز{[774]} . ( والله يعلم المفسد من المصلح ) .
قوله : ( بل الله يزكي من يشاء ) الله جلّت قدرته أعلم بالمتقين المتزكّين ذوي النوايا السليمة والأخلاق الكريمة الحميدة . فإن المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل فهو أعلم بخفايا الأسرار وحقائق الأمور .
قوله : ( ولا يظلمون فتيلا ) الفتيل هو الخيط الذي يكون في شق نواة التمرة .
وقيل : الفتيل هو ما يتكون من أوساخ مفتولة بين الكفين إذا تفاركا بشدّة{[775]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.